السبت, يوليو 13, 2024

الأسد وأردوغان وظل أوجلان

آراء

إبراهيم حميدي

لم يخف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في السنوات الأخيرة، رغبته في تطبيع علاقات الرئيس السوري بشار الأسد مع الدول العربية أو مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

تطبيع العلاقات مع الدول العربية كان أسهل، حيث عادت دمشق إلى الجامعة العربية في منتصف العام الماضي، وحضر الأسد آخر قمّتين عربيتين.

الموضوع مع تركيا أكثر تعقيدا لأسباب كثيرة، لعل أهمها أن الجيش التركي يسيطر بطريقة مباشرة أو عبر فصائل، على حوالي 10 في المئة من سوريا (إجمالي مساحتها 185 ألف كلم مربع) أي ما يساوي عمليا ضعف حجم لبنان، كما أن أنقرة قدمت دعما عسكريا واستخباراتيا لفصائل مسلحة منذ 2012، وتستضيف نحو 3.5 مليون لاجئ سوري.

بوتين نجح سابقا في إقناع الأسد وأردوغان بعقد لقاءات استخباراتية وعسكرية وسياسية، بل إن مدير المخابرات التركي السابق (وزير الخارجية الحالي) حقان فيدان ومدير مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك (مستشار الأمن الوطني بالرئاسة حاليا)، تبادلا الزيارات السرية-الودية في دمشق وأنقرة، بعد لقائهما العلني في موسكو بداية 2020.

في كل مرة جرى فيها الحديث عن لقاء بين الأسد وأردوغان، كانت المفاوضات تصطدم بعقدة واحدة: الرئيس السوري يشترط على الجانب التركي الإدلاء ببيان مسبق، يتضمن الإعلان عن موعد الانسحاب العسكري، أو جدول زمني واضح للانسحاب أو بدء الانسحاب. “العقدة” ان يلتقي رئيس “دولة محتلة”.

جواب الجانب التركي، كان دائما أن انقرة متمسكة بالقرار 2254 والسيادة السورية الكاملة على أراضيها، لكن موضوع الانسحاب مرتبط بالحل السياسي وتوفير الأمن بحيث لا يشكل شمال سوريا تهديدا للأمن القومي التركي. “العقدة” ان يلتقي رئيس “غير شرعي”.

أمام هذه “العقدة” وتلك، توقفت الجهود الروسية عند الحفاظ على الوضع القائم: منع دمشق من الذهاب الى إدلب. ترتيبات ودوريات وتسهيلات روسية لتركيا شرق الفرات. غارات روسية بين فينة وأخرى.
الجديد، أن “عقدة” الإنسحاب أو التسوية تم حلها. وكشفت الوساطة التي قادها رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وخطفها ألكسندر لافرنييف مبعوث الرئيس الروسي بين الأسد وأردوغان، أن الجانب السوري أسقط الشرط المسبق حول الانسحاب العسكري التركي، وأن أنقرة لم تعد تشترط الحل السياسي وإشراك المعارضة ومكافحة الإرهاب وترتيبات لعودة اللاجئين، للانسحاب. إذن، لقاء دون شروط مسبقة.

ما سبب هذا التغيير الكبير في موقفي الأسد وأردوغان؟

إنه رئيس “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان، أو الملف الكردي. فقد باتت هناك قناعة لدى أنقرة ودمشق بأن الوجود المؤسساتي الكردي، أي “الإدارة الذاتية” شرق نهر الفرات، يشكل تهديدا وجوديا لوحدة سوريا وتركيا.

معروف أن الرئيس الراحل حافظ الأسد تخلى عن أوجلان في أكتوبر/تشرين الأول 1998 كي يتجنب هجوما عسكريا تركياً، ثم خطفت إستخبارات تركيا أوجلان من أفريقيا بداية 1999، ولا يزال في سجونها مذاك. بعد ذلك تطورت العلاقات الاستخباراتية والسياسية والاقتصادية بين سوريا وتركيا وتبادل الأسد وأردوغان الزيارات العائلة وفتحا الحدود، إلى حد أن دمشق سلمت قياديين أكرادا إلى أنقرة وسجنت الكثير من عناصر “حزب العمال”.

بعد 2011، انقلبت العلاقات بين أردوغان والأسد، وفتحت دمشق الأبواب لتوسع الأحزاب والكيانات الكردية شمال شرقي سوريا لتهديد تركيا. لكن “السحر انقلب على الساحر” بعد قرار أميركا الاعتماد على المقاتلين الأكراد لهزيمة “داعش” بعد 2014، بل إن التحالف الدولي بقيادة واشنطن وفر الغطاء الجوي لمأسسة الإدارة الكردية، ودعمها ضد دمشق.

وبينما كانت دمشق تتأرجح مع الأكراد بين التفاوض والتهديد، تدخلت تركيا عسكريا مرات عدة واحتلت جيوبا عسكرية في ريف حلب ودعمت الفصائل في إدلب، لـ “تقطيع أوصال” الكيان الكردي ومنعت وصوله للتنفس من البحر المتوسط ثم منعت اتصاله الجغرافي على ضفتي نهر الفرات.

الواضح، أن الدور الذي لعبه أوجلان دون أن يدري، لدى خروجه من مقره في دمشق قبل ربع قرن، “يلعبه” حاليا دون أن يدري، من سجنه في تركيا. انه ظل أوجلان في سوريا، “وحدات حماية الشعب” الكردي عماد “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من أميركا شرق الفرات. القلق من أوجلان ومن الأكراد، يجمع الأسد وأردوغان على هدف واحد، وهو العمل معا ضد قيام “كيان كردي” في سوريا يُلهم أكراد تركيا و”حزب العمال الكردستاني”.

بالفعل، يجري التباحث سرا بين دمشق وأنقرة لشن عملية عسكرية ضد “قوات سوريا الديمقراطية” التي يشكل الأكراد مكونها الرئيس، وترمي المحادثات إلى الإجابة عن بعض الأسئلة: موعد العملية؟ هل هي عملية برية سورية-تركية مشتركة؟ هل يقوم الجيش السوري بالعملية البرية وتقدم الطائرات والمسيرات التركية الغطاء الجوي؟ هل يجري الإنقضاض على الأكراد قبل الانتخابات الأميركية؟ هل يتم انتظار انتخاب دونالد ترمب صديق بوتين وأردوغان وعدو الأكراد؟ هل يمكن انتظار انتخاب ترمب الذي وعد بالانسحاب من شمال شرقي سوريا كما هدّد في 2019 ومهّد بانسحاب القوات الأميركية الجزئي لتوغل تركي بين تل أبيض ورأس العين؟
الإجابة عن هذه الأسئلة، لا تتم في غرفة التفاوض السورية- التركية وحسب، بل إنها تتم أيضا في المحادثات السرية التي تجرى بين وفدين سوري وأميركي في مسقط عاصمة سلطنة عمان، والمفاوضات الأمنية والسياسية بين الجانبين التركي والأميركي في أنقرة وواشنطن. هذه التبادلات سبق وأن نجحت في أن تفرض واشنطن على “الإدارة الذاتية” الكردية تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 11 مايو/أيار، لأن أنقرة ودمشق اعتبرتا هذه الانتخابات تهديدا استراتيجيا لوحدة البلدين.

في مقابل التمهيد للعمل العسكري ضد الأكراد شمال شرقي سوريا، هناك تباحث لترتيبات مشتركة في شمال غربي سوريا، ويتضمن العمل على دوريات عسكرية وإجراءات مشتركة لفتح طريق حلب- اللاذقية وطريق غازي عنتاب على حدود تركيا إلى مركز نصيب على حدود الأردن، لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية وإعادة سوريا معبرا تجاريا إلى الخليج.

تبادل “تصريحات الغرام” ووقف الحملات الإعلامية وتكرار الدعوات للأسد، جزء من “الإنقلاب” الجديد الذي يقوم به أردوغان في علاقاته بالإقليم للوصول الى “صفر مشاكل”. مرة أخرى، القلق من أوجلان والكيان الكردي، يمهد الطريق لقمة بين “الرئيسين” برعاية “القيصر” للعمل معا من أجل “تقطيع الأوصال الكردية” شرق الفرات، حيث كل الثروات السورية و”فتح الشرايين الاقتصادية” في شمالها الغربي أمام الثروات التركية.

المصدر: المجلة

 

شارك هذا الموضوع على