تباين اطروحات الكذب، والأيديولوجيا واحدة: صراع الايديولوجيات القاتلة

يحيى العريضي

بعد سقوط الأسد، كان من المفروض أن يحدث انتقال سياسي من نظام شمولي إلى نظام ديموقراطي، يقصي حكم العائلة والفرد ويؤسس لنظام حكم تشاركي رشيد. لكن في الحقيقة؛ المشهد السياسي السوري لا يعكس أسس ولادة نظام مؤسساتي مدني، بل انتقال من أيديولوجية متطرفة أرستها إيران والأسد عبر شبكات عقائدية وعسكرية، نحو أيديولوجية مضادة مرتبطة بالفكر السلفي المتشدد، وتتشابه مع سابقتها في أدواتها وآليات توسعها، حتى وإن تعارضت معها في الفكر.
ليس بديل نظام الأسد مشروع دولة حديثة، بل مشروعاً عقائدياً آخر يستعيد ذات القواعد التي حكمت مسار نظام الأسد: – دمج الدين بالسياسة، – ودمج الطائفية بالمؤسسات الإدارية والمالية، – وعسكرة المجتمع، – وإنتاج ثنائية استقطاب، – وربط الشرعية بالفكر العقائدي الديني. لذلك، يتبيّن أن الوجه الظاهر لسقوط الأسد هو مجرد استبدال نظام طائفي ومذهبي بنظام طائفي ومذهبي مناقض له؛ هذا النظام يعتبر أن سوريا ومؤسساتها غنيمة حرب وحق يجب الاستئثار به، والاستماتة للدفاع عنه.

منظومة الاستبداد الجديدة تختزل المرحلة الانتقالية باكتساب السلطة طائفياً، وليس إعادة هيكلة سياسية؛ وها هي تعيد تدوير المنهج ذاته التي بُنيت عليه سلطة الأسد، لكن بملامح وخطابات مغايرة؛ الأمر الذي يجعل التغيير المزعوم مجرد تحول شكلي يخفي استمرارية عميقة في بنية السيطرة على الدولة والسلطة؛ فخلال 14 سنة، فرضت إيران منهجها العقائدي في المجتمع السوري، وحاولت بشتى الطرق فرض الهوية الطائفية الخاصة بها ضمن سوريا، سواء من النواحي السياسية أو العسكرية، أو الثقافية والاجتماعية. من هنا شهدنا الحرس الثوري الإيراني يعتمد على عمليات تجنيد واسعة مقابل المال، ويساهم لدرجة كبيرة في تكريس الاحتقان الطائفي بعد جملة المجازر والانتهاكات التي قامت بها الميليشيات الموالية لإيران بحق السوريين. هذا الأمر خلق ردة فعل لدى جزء كبير من المجتمع السوري، وأدى لارتداد نحو منهج ديني متشدد مناقض للمنهج الإيراني.

عملية الارتداد هذه لا تشكل مشروعاً سياسياً فكرياً، بل هي في الجوهر ردة فعل على القهر والإجرام والهيمنة الإيرانية السابقة. لكن، وعلى الرغم من التناقض العقائدي بين النموذج الإيراني والنموذج الحالي بعد سقوط الأسد، إلا أنهما منهجان متطابقان من حيث البنية والآليات

إن تحليل المشهد السياسي والعسكري في سوريا خلال السنة الماضية يظهر هذا التطابق بجلاء؛ فإيران ونظام الأسد اعتمدا توظيف الدين في السياسة، ونجحا بتحويل الحراك الثوري إلى صراع طائفي،وفي عسكرة الهوية الدينية وتشكيل معسكرين مقابل بعضهما البعض؛ وهذا ما أدى لشرعنة العنف كأداة للصراع على السلطة السياسية ومؤسسات الدولة.

استقطبت إيران شرائح واسعة من المجتمع السوري، وجندتها لصالح مشروعها في سوريا والمنقطة، وساهمت ببناء تشكيلات مسلحة عابرة للمؤسسات في الدولة، وجندت الآلاف من الأجانب للانخراط في العمليات العسكرية؛واليوم، تمارس سلطة الجولاني ذات المنهج، ولكن بلون مذهبي مختلف؛ استبدلت هذه السلطة النموذج الإيراني المسلح بنموذج جهادي مسلح، واستقطبت شرائح واسعة من المجتمع لصالح مشروعها، وكذلك الآلاف من المقاتلين الأجانب، وعززت سيطرة الميليشيات على مؤسسات الدولة التي تولاها حالياً مقربون من الجولاني ومن هيئة تحرير الشام.

يحاول بعض من مؤيدي الأيديولوجية الجهادية التي وصلت للسلطة السياسية في سوريا تصوير الدعم الدولي على أنه مرتبط بقناعة الأطراف الدولية، و بأن سلطة الجولاني هي السلطة المثالية القادرة على تحقيق الاستقرار في المنطقة، إلا أن الحقيقة معاكسة لذلك تماماً، خاصة بعد السابع من أكتوبر2023؛ فلم يتم منح الضوء الأخضر لإسقاط الأسد وإخراج إيران من سوريا كي يتم استبدالهم بنظام أيديولوجي مشابه، ويحمل عقيدة متشددة. يبدو هذا الأمر واضحاً من خلال الإملاءات التي تفرضها الولايات المتحدة على الجولاني، ومن خلال ما تقوم به اسرائيل في سوريا.

اسرائيل حالياً تضع سلطة الجولاني بذات الخانة مع نظام الأسد وإيران، فكلاهما سلطات دينية مسلحة،وتعتمد على الفصائل الأيديولوجية العابرة للحدود، وتأخذ بعين الاعتبار إمكانية نشوء نسخة جديدة من حماس أو حزب الله ولكن بطابع طائفي آخر. وما يعزز ذلك الأمر هو نمط عدم الاستقرار الناتج عن الصراعات الطائفية في سوريا بعد الانتهاكات الجسيمة التي تعرضت لها المكونات الاجتماعية في سوريا من قبل سلطة الجولاني في الساحل والسويداء.

سوريا اليوم قائمة على فراغ سلطوي وأمني تسيطر عليه الحركات الإسلامية المتشددة التي تحمل عقيدة مشابهة لعقيدة إيران، ولكن بوجه طائفي مختلف، وهي بيئة قابلة لصناعة التطرف وتصديره، الأمر الذي يعني تغيّر مفاجئ في موازين القوى الإقليمية، في ظل عدم وجود أسس استقرار سياسي وأمني حقيقية؛ وبالتالي، لم ينتهِ الخطر على السوريين أو على الأمن الإقليمي والدولي بسقوط النفوذ الإيراني، بل يعني اتخاذه شكلاً آخر.

إن خصائص المنظومة الجهادية الحالية متطابقة تماماً مع خصائص المنظومة الإيرانية سابقاً، ولذلك، لن تكون قابلة للحياة نهائياً، حتى وإن تم دعمها سياسياً أو مالياً من قبل بعض الأطراف الدولية التي تتلاقى مصالحها مع عملية إنتاج شمولية جديدة في سوريا؛والسبب الرئيسي مرتبط بعاملين: الأول هو خيارات المكونات الرئيسية في سوريا التي ترفض الهيمنة الطائفية مجدداً ومنطق الإخضاع القسري؛ وهي مستعدة للمقاومة الوجودية؛ والثاني مرتبط بتجربة 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من تحولات في المنطقة.

ختاماً، ليس هذا ما تستحقه سوريا وأهلها. لقد مضت سنة كاملة على استبدال نظام وحشي بنظام وحشي آخر، واستبدال عائلة الأسد بعائلة أخرى، والمقربون من الأسد بالمقربين من الجولاني، واستبدال جوقة التطبيل الأسدية بجوقة التطبيل الجولانية. لذلك، سوريا ليست ضمن مرحلة انتقال سياسي، بل استبدال أيديولوجية بأخرى، وانتقال نحو منهج مشابه بلون طائفي مختلف، وإعادة إنتاج بنية مشابهة من خلال سلطة دينية متطرفة تعتاش على التفرقة الطائفية وعسكرة المجتمع السوري. و من هنا، سيكون الحل السحري برقم سحري صَدَرَ مؤخراً.

Scroll to Top