تحديث شفهي مقدم من السيد باولو سيرجيو بينهيرو، رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا خلال الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان
السيد الرئيس، أصحاب السعادة،
بعد عقود من الدكتاتورية الوحشية، اكتسحت موجة من التطلعات المتجددة لتحقيق السلام والعدالة سوريا قبل تسعة أشهر. وخلال زيارتنا إلى سوريا الأسبوع الماضي، لاحظنا أن هذه الآمال لا تزال حاضرة بقوة لدى الكثيرين، على الرغم من اندلاع أعمال العنف ضد المدنيين في بعض أنحاء البلاد ما يشكل مصدر قلق بالغ.
وفي دمشق، التقينا بمسؤولين في الحكومة المؤقتة وناقشنا معهم إمكانية أن يؤدي التحول السياسي والمؤسسي الحالي إلى تعزيز احترام وحماية حقوق الإنسان لجميع السوريين.
كما أعربنا لهم عن قلقنا إزاء تجدد العنف والتحديات التي تواجه احترام حقوق الإنسان، والتي تتطلب اتخاذ خطوات ملموسة لمعالجتها، على النحو المبين في توصيات تقريرنا الأخير.
وخلال اجتماعاتنا، أكدنا أن جميع الضحايا يستحقون العدالة، بغض النظر عن المسؤول عن الجرائم المرتكبة ضدهم. فلم يسلم أي جزء من البلاد من الانتهاكات والاستبداد خلال النزاع، وطوال تلك الفترة، وقفنا بقوة إلى جانب ضحايا الانتهاكات والناجين منها، بغض النظر عن مرتكبيها.
كما شددنا على أهمية الاستفادة من الخبرة القيمة لدى العديد من منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن حقوق الإنسان في سوريا، الذين يرفعون أصوات الناجين ويلتزمون ببناء سوريا التي تعزز حقوق الإنسان لجميع أبنائها.
والتقينا بوزير العدل الذي أكد لنا أن كل الجهود تُبذل لضمان تنفيذ عمليات الاعتقال في سوريا تحت إشراف قضائي ولتمكين المعتقلين من الاتصال بأسرهم ومحاميهم – وهو تأكيد سررنا لسماعه وسنقوم بمتابعته عن كثب في إطار تنفيذ ولايتنا. وفي هذا الصدد، نكرر توصيتنا القديمة بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام، بهدف إلغائها.
كما التقينا بالهيئة الوطنية المنشأة حديثًا والمعنية بالأشخاص المفقودين وبعض أعضاء هيئة العدالة الانتقالية. وشددنا على أهمية ضمان وجود الأسر التي بحثت بلا كلل عن أحبائها المفقودين في صلب هذه العملية – وليس فقط كمستفيدين، بل كمشاركين نشطين – مع التركيز على أهمية التعلم من التجارب ذات الصلة في أماكن أخرى في المنطقة وخارجها.
ويعتمد مستقبل سوريا على دمج جميع مناطقها ومجتمعاتها المتنوعة في دولة موحّدة وآمنة تحترم الحقوق. وهذا يتطلب بيئة سياسية وأمنية مستقرة بما يكفي لمعالجة الأسباب الجذرية للمظالم والانتهاكات، وبناء حكم قوي ومسؤول وشفاف، وضمان عدم التكرار. وستحدد الإجراءات التي تتخذها السلطات المؤقتة والمجتمع الدولي كيف سيواصل السوريون رحلتهم الصعبة نحو تحقيق العدالة والمصالحة والاستقرار.
فحالة حقوق الإنسان في سوريا لا تزال متردية بالرغم من اختلافها الكبير عن الانتهاكات الشنيعة والمنهجية التي ارتُكبت في عهد الأسد. وقد أدت التطورات الأخيرة منذ آخر إحاطة قدمناها إلى المجلس في حزيران/يونيو إلى تفاقم معاناة الكثيرين.
وفي الشهر الماضي، أصدرنا تقريراً يوثق الهجمات التي تعرضت لها الطائفة العلوية منذ كانون الثاني/يناير 2025، والتي بلغت ذروتها بقتل أكثر من 1400 رجل وامرأة وطفل على نطاق واسع ومنهجي في غضون أيام قليلة في آذار/مارس في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، بما في ذلك على يد أفراد من قوات الأمن التابعة للحكومة المؤقتة. وتستدعي هذه الأفعال، التي قد ترقى إلى جرائم حرب، اتخاذ إجراءات حاسمة من قبل السلطات الحكومية لحماية الضحايا والمجتمعات المتضررة ومساءلة الجناة وتعويضهم. وقد أحطنا علماً بالبيانات المشجعة التي أصدرتها السلطات المؤقتة الأسبوع الماضي بشأن محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت في آذار/مارس، ونتطلع إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات الشفافة والواضحة في هذا الصدد. ومن المهم معاملة جميع الأفراد المحتجزين لدى الدولة للاشتباه في ارتكابهم انتهاكات لحقوق الإنسان الدولية أو القانون المحلي معاملة كريمة، وأن يمثلوا على وجه السرعة أمام محاكم نزيهة مع توفير جميع الضمانات المعترف بها لإجراء محاكمة منصفة.
ويقترح تقريرنا عدة توصيات أشار وزير الخارجية بشكل مشجع إلى أنها ستكون بمثابة خارطة طريق. وهناك حاجة إلى بذل جهود متضافرة لاستعادة الحماية وضمان وجود قوات إنفاذ قانون مدربة جيداً وضمان عدم تكرار ما حدث. فهذا أمر عاجل. وما زلنا نتلقى تقارير مقلقة عن استمرار عمليات القتل والاعتقالات التعسفية واحتجاز أفراد الطائفة العلوية، فضلاً عن مصادرة واحتلال ممتلكات أولئك الذين فروا من أعمال العنف التي وقعت في آذار/مارس. وهناك مناطق أخرى متضررة أيضاً. ففي آب/أغسطس، طردت جماعة مسلحة العديد من السكان العلويين في ضاحية السومرية بدمشق، مدعية أنها تحمل أوامر إخلاء نيابةً عن الدولة، مع ورود تقارير عن اختطاف المدنيين وضربهم وسوء معاملتهم، وسط إهانات طائفية.
وندعو السلطات المؤقتة إلى معالجة الأسباب الكامنة وراء العنف على وجه السرعة، ومنع تكرار الانتهاكات، والعمل على استعادة الثقة بين الدولة والمجتمعات المتضررة. فعدم القدرة على التوفيق حتى الآن بين الرؤى المتنافسة لمستقبل سوريا يهدد بتفتيت البلاد بشكل أكبر، وتجميد الجهود الرامية إلى توطيد الدولة، وربما حتى إعادة سوريا إلى صراع طويل الأمد. وفي هذا الصدد، رأينا كيف ساهمت خطابات الكراهية والتحريض على العنف، عبر شبكة الإنترنت وخارجها، سواء من الخارج أو من الداخل، في ارتكاب انتهاكات جسيمة. وتستمر هذه التصريحات التحريضية في تأجيج الخوف والانقسام والعنف، ومن الواضح أنها قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد، بما في ذلك في المناطق والمجتمعات التي نجت من موجات العنف الأخيرة.
السيد الرئيس، أصحاب السعادة،
شهد منتصف تموز/يوليو جولة أخرى من الأحداث المقلقة في محافظة السويداء، ناجمة عن أعمال عنف شارك فيها أفراد من الدروز والبدو، والتي جذبت أطرافاً أخرى وتسببت في نزوح ما يقارب مائتي ألف مدني. ووفقاً لمعلوماتنا الأولية، قُتل وجُرح مئات الأشخاص، معظمهم من الدروز، ولكن أيضاً من البدو وغيرهم. وعقب تدخل قوات الحكومة المؤقتة التي أعلنت أنها موجودة هناك لاستعادة النظام، انتشرت على الإنترنت مقاطع فيديو، تم التحقق من صحتها من قبل اللجنة، تظهر رجالاً دروزاً يتعرضون للإعدام بإجراءات موجزة ومعاملة مهينة ومذلة، مما يكشف عن مناخ من العنف الشديد، يتسم أيضاً بالنهب وتدمير الممتلكات. كما أفادت مجتمعات بدوية بأنها تعرضت لانتهاكات جسيمة على يد بعض الجماعات المسلحة.
ويثير سلوك قوات الأمن التابعة للحكومة المؤقتة خلال هذه العمليات مخاوف جدية، وقد أعلن الرئيس الأسبوع الماضي أن جميع الأطراف ارتكبت أخطاء. وفي 31 تموز/يوليو، عيّن وزير العدل لجنة مكلفة بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة المبلغ عنها، بما في ذلك الانتهاكات التي يُزعم أن القوات التي شاركت في الفظائع المرتكبة في المناطق الساحلية في آذار/مارس قد ارتكبتها. وأعلنت اللجنة في وقت سابق من هذا الشهر أن أفراداً من قوات الأمن التابعة للحكومة المؤقتة قد اعتقلوا لارتكابهم انتهاكات، بعضها على أساس أدلة فيديو. وعندما التقينا باللجنة الأسبوع الماضي، أكدت استقلاليتها وعزمها على إجراء تحقيق نزيه في الانتهاكات المرتكبة ضد كل المجتمعات.
وكنا بدأنا التحقيق في هذه الأحداث في تموز/يوليو. وقد سعينا للوصول إلى السويداء خلال زيارتنا الأسبوع الماضي، حيث التقينا بالدروز والبدو الذين فروا من السويداء إلى ريف دمشق. ونرحب بالإعلان الذي أصدرته وزارة الخارجية يوم الثلاثاء الماضي عن خارطة الطريق بشأن السويداء، والذي دعت فيه اللجنة إلى التحقيق في هذه الأحداث. وبناءً على ذلك، نقترح مواعيد جديدة لبدء العمل في جميع المناطق المتضررة قريباً.
وأدت هذه الاشتباكات أيضاً إلى تدخل أطراف أخرى، بما في ذلك قوات قبلية من أجزاء أخرى من البلاد، مما يوضح الهشاشة العامة للوضع الأمني الحالي في جميع أنحاء سوريا. وزادت إسرائيل من تدخلها العسكري وواصلت غاراتها الجوية المتكررة على سوريا، بما في ذلك في دمشق بالقرب من المباني الحكومية الرئيسية، مما تسبب في دمار كبير وأسفر عن سقوط ضحايا من المدنيين، حسبما ورد، ومؤخراً في محيط مدن حمص واللاذقية وتدمر. وفي الجنوب، واصلت إسرائيل انتهاك سيادة سوريا، واحتلت المزيد من الأراضي الواقعة خارج الخط الفاصل لعام 1974، وشرّدت قسراً المدنيين المقيمين هناك، واعتقلت تعسفياً مواطنين سوريين خلال عمليات برية وفقاً للتقارير الواردة. وتؤدي هذه الأعمال إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في مناطق تعاني من انعدام الأمن الشديد، ويجب أن تتوقف على الفور.
وفي شمال شرق سوريا، تتصاعد حدة التوتر أيضًا، حيث يبدو أن الجهود الرامية إلى تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس بين السلطات المؤقتة والقوات الديمقراطية السورية قد توقفت. وأثارت الاشتباكات الأخيرة المصحوبة بخطاب عنيف مخاوف من أن يؤدي اندلاع مزيد من العنف إلى تقويض الوضع الراهن الهش في هذه المنطقة من البلاد، حيث لا يزال الآلاف من أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية المزعومين محتجزين فتهديد التنظيم مستمر. وفي هذا السياق، من الضروري تكثيف الجهود الرامية إلى خفض التصعيد والحوار.
وإجمالاً، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 220 ألف شخص قد نزحوا داخلياً حديثاً من المناطق التي تشهد أعمال عدائية وأعمال عنف، بالإضافة إلى العديد من المفقودين أو المختطفين. ومن بين هؤلاء، تعرضت النساء بشكل خاص للخطر. وقد تلقينا تقارير عن أعمال عنف جنساني واختطاف نساء درزيات في أعقاب الاشتباكات التي وقعت في السويداء. كما أننا ما زلنا نتلقى تقارير عن اختطاف نساء علويات في وضح النهار في مراكز المدن على يد مسلحين مجهولين. وتشير المعلومات الأولية إلى أن بعضهن تعرضن للاعتداء الجنسي قبل إطلاق سراحهن، بينما تعرضت أخريات للزواج القسري. ومن المقلق للغاية أن الأسر أفادت في العديد من حالات اختفاء النساء أن سلطات الشرطة المحلية لم تحقق بعد في هذه الأفعال. ونحن ندعو السلطات المؤقتة إلى اتخاذ إجراءات فورية بشأن هذه الحالات.
والأمر الأكثر تشجيعاً هو أن ما يقارب مليون لاجئ سوري ومليوني نازح داخلياً قد عادوا إلى ديارهم منذ 8 كانون الأول/ديسمبر. ونرحب بتخفيف العقوبات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، مما يفتح الباب أمام عملية إعادة إعمار حيوية يمكن أن تقلل من الاحتياجات الإنسانية. ولكن في الوقت الحالي، هذه الاحتياجات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى بالنسبة لـ 16 مليون شخص، ومع ذلك لم تتلق وكالات الإغاثة حتى الآن سوى 18% من النداء الإنساني لعام 2025.
السيد الرئيس، أصحاب السعادة،
لقد عانى الشعب السوري من مصاعب لا يمكن تصورها ولا يزال يطالب بالعدالة: العدالة الحقيقية التي تعيد له كرامته بعد الدكتاتورية والحرب؛ والسلام الحقيقي الذي يضع الأساس لمستقبل قائم على الحقوق والمساءلة والاندماج بدلاً من الخوف والقمع والعنف. وندعو جميع الدول في هذا المجلس الموقر إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لدعم تطلعاتهم المشروعة، ومساعدة السلطات السورية المؤقتة في بناء هذا المستقبل في مواجهة تحديات جسيمة. وشكراً لكم.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=76638




