السبت, يوليو 13, 2024

في غياب المساءلة: التعذيب كسياسة ممنهجة في شمال سوريا

حقوق الإنسانرئيسي

بعد أنّ حالف الحظ “ديار” بالنجاة من التعذيب في سجون “الجيش الوطني السوري” على يد عناصر الاستخبارات التركية في عفرين، نزح الشاب مع عائلته إلى مدينة القامشلي ليتلقى العلاج ويعيد بناء حياته، لكنه قُتل نتيجة قصف تركي على المدينة في نهاية عام 2023.

ترك “ديار” خلفه زوجته وطفليه الصغيريّن، ولم يُكتب له النجاة من جرائم تركيا التي لحقته إلى القامشلي، في وقتٍ كان يتلقى الدعم الطبي للتعافي من آثار التعذيب، ضمن مشروع تُنفذه منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة ورابطة “تآزر” للضحايا.

قصة “ديار” هي واحدة من مئات القصص المؤلمة التي تعكس الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب التي ترتكبها القوات التركية وفصائل “الجيش الوطني السوري” في مناطق شمال سوريا، التي تحتلها تركيا، مما يُبرز الحاجة الملحة للتحرك الدولي لوقف هذه الجرائم وضمان المساءلة القانونية للجناة.

يبين تحليل 65 مقابلة أجرتها سوريون من أجل الحقيقة والعدالة وتآزر مع ضحايا وناجين/ات وأفراد عائلاتهم/ن في مناطق عفرين ورأس العين/سري كانيه وتل أبيض، أنّ التعذيب وسوء المعاملة من قبل فصائل “الجيش الوطني السوري” ترقى لتكون جزء من نمط منهجي واسع النطاق يهدف إلى ترهيب السكان المحليين، وخاصة الكُرد، وإجبارهم على مغادرة مناطقهم الأصلية أو الرضوخ للابتزاز المالي بشكل مستمر.

تعكسُ أنماط التعذيب وسوء المعاملة التي تمّ توثيقها على يد “الجيش الوطني” المُعارض؛ صورة مما ترتكبه الحكومة السورية في فروعها الأمنية المختلفة، كـ: الضرب، الحرق، قلع الأظافر، الصعق بالكهرباء، واستخدام طرائق مثل “البلانكو” و”الشبح”.

قال عز الدين صالح، المدير التنفيذي لرابطة “تآزر” للضحايا:

“يجب على الأمم المتحدة إعطاء الأولوية لهذه القضية وإيلاءها الاهتمام الكافي، نظراً لفداحة الانتهاكات وغياب الحماية القانونية لمئات الآلاف من المدنيين والضحايا الفعليين والمحتملين في شمال سوريا. إنّ عدم التحرك حيال ما يتعرض له الضحايا يمثل تصريحاً ضمنياً لهذه المجموعات المسلحة بمواصلة ممارساتها، إذ يجب ألا تشعر هذه المجموعات بأنها محصنة من المساءلة أو غير معنية باحترام وحماية حقوق الإنسان”.

للاحتجاز والتعذيب تأثير متعدد الأوجه على الرجال والنساء والأطفال، ويشمل ضروباً من الأذى الجسدي والنفسي على حدٍّ سواء، إذ وصف معظم المحتجزين السابقين معاناتهم من آلام جسدية مزمنة ناجمة عن التعذيب الذي تعرضوا له والحبس والظروف غير الصحية داخل مرافق الاحتجاز، فضلاً عن معاناتهم من صداع واضطرابات نفسية لاحقة للصدمة.

منذ مطلع عام 2021، قدمت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” و “تآزر” أنواع مختلفة من الدعم (الطبي والقانوني والاجتماعي والنفسي) لـ 187 ناج/ية من التعذيب وعائلاتهم/ن في مناطق شمال وشمال شرق سوريا، تلا ذلك مساعدة مجموعة من الناجين/ات ضمن برنامج تدريب مهني امتد لعدّة أشهر، تضمن تأهيلهم ودعمهم بالمعدات اللازمة، بهدف مساعدتهم على التعافي وإعادة دمجهم في سوق العمل المحلّي، وكان غالبية المستفيدين/ات من المشردين/ات قسرياً.

ساهم مشروع “القضاء على التعذيب من أجل مجتمع أكثر عدلاً” في توثيق قصص الضحايا وإفاداتهم/ن، وحفظها مع الأدلة في قاعدة بيانات آمنة، لدعم جهود المساءلة والعدالة حول سوريا، كما شمل الدعم الطبي والقانوني والاجتماعي والنفسي ناجين/ات في مناطق عفرين ومنطقة الشهباء شمالي حلب، بالتعاون مع منظمة حقوق الإنسان في عفرين.

وتبرزُ الحاجة الملحة لتوسيع نطاق الدعم والمساعدات المقدمة للضحايا والناجين/ات وعائلاتهم/ن، حيث وثقت المنظمات الشريكة منذ عام 2021 أكثر من 2000 حالة تعذيب وسوء معاملة في سوريا. تشمل هذه الاحتياجات توفير المزيد من الخدمات الطبية، وتقديم دعم نفسي واجتماعي فعال للناجين/ات، وزيادة الدعم القانوني لمساعدة الضحايا في الحصول على العدالة، وتوسيع البرامج التأهيلية والمهنية لضمان إعادة دمج الناجين/ات في المجتمع وتمكينهم من التعافي والمشاركة الفاعلة في عمليات المساءلة والعدالة الانتقالية.

المنهجية:

تستند المعلومات الواردة في هذه الورقة إلى تحليل بيانات 65 إفادة وشهادة (50 رجل و 15 امرأة) وثقتها “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة و “تآزر”، خلال عام 2023. وتمّ إجراء غالبية المقابلات بحضور الأشخاص أنفسهم/ن في مناطق شمال وشمال شرق سوريا.

تمّ إجراء المقابلات مع 59 ناج/ية حالفهم/ن الحظ للنجاة من التعذيب والعودة إلى أُسرهم/ن، و6 أشخاص من ذوي الضحايا. وباستثناء فتاتين إيزيديتين وشاب مسيحي، كان معظم الضحايا مسلمين/ات. وكان 45 من الضحايا والناجين/ات من القومية الكُردية، و19 من العرب، بالإضافة إلى شخص واحد أرمني. وقد تمّت مراعاة الحساسية الجندرية أثناء إجراء المقابلات، حيث تمت المقابلات مع الناجيات من قبل باحثات إناث.

ذرائع ودوافع التعذيب وسوء المعاملة:

لم يتم إبلاغ أي من الضحايا على الفور بالأسباب والأسس القانونية لاحتجازهم، كما حُرموا من حق توكيل محامٍ. لاحقاً، أُبلغ بعضهم/ن أنه تمّ اعتقالهم/ن بتهمة “التعاون والاتصال مع الإدارة الذاتية” و/أو قوات سوريا الديمقراطية، وهي أحد الذرائع المزعومة والمتكرّرة التي يتم توجيهها للمعتقلين/ات.

لم يُعرض معظم الأشخاص الذين تمت مقابلتهم على المحكمة في أي مرحلة. بل أُطلق سراحهم مقابل دفع فدية أو بعد إجبارهم على التنازل عن ممتلكاتهم. كما سُلبَت الممتلكات الشخصية للعديد من الضحايا سواءً عند تفتيشهم ذاتياً أو من منازلهم عند اعتقالهم، بما في ذلك الأموال والذهب والهواتف المحمولة وصكوك الملكية.

وتُشير القصص التي تمّ توثيقها إلى أنّ غالبية عمليات الاعتقال والتعذيب في مناطق عفرين ورأس العين/سري كانيه وتل أبيض كانت بدافع الابتزاز وتحصيل فدى مالية من الضحايا وعائلاتهم/ن، بينما احتُجز آخرون بغرض ترهيبهم ودفعهم إلى مغادرة المنطقة. كما تعرض مدنيون للاعتقال لمجرد مطالبتهم باسترجاع ممتلكاتهم المسلوبة.

تجدر الإشارة إلى أن ضباطاً أتراك كانوا موجودين بصفة منتظمة في مرافق الاحتجاز التابعة للجيش الوطني السوري، وأفاد محتجزون سابقون، أنّ مسؤولين أتراك كانوا حاضرين أثناء جلسات استجواب استُخدم فيها التعذيب، إذ أنّ الجيش التركي ووكالات المخابرات متورطة في تنفيذ هذه الانتهاكات والإشراف عليها.

ظروف الاحتجاز وأساليب التعذيب المتبعة:

لم يلتزم “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، بأي معايير دنيا ينبغي تطبيقها على الأشخاص المحتجزين لدى قواته، حيث تمّ احتجاز جميع من تمت مقابلتهم/ن في أماكن مكتظة أو زنازين انفرادية لفترات طويلة دون تبرير، وفُرِضت عليهم/ن ظروف احتجاز لاإنسانية بهدف زيادة الضغط على الضحايا للحصول على اعترافات أو معلومات أو فدية من العائلة، أو لمجرد التسبب بالمزيد من المعاناة.

وتطابقت روايات الضحايا بشأن ظروف الاحتجاز السيئة، حيث لم يُسمح لهم باستخدام الحمامات/المراحيض إلا مرة واحدة يومياً، وفي بعض الأحيان لفترات امتدت لعدة أيام. وقُدمت لهم وجبة واحدة صغيرة يومياً، اضطروا أحيانا لدفع ثمنها، كما عانوا من البرد الشديد، الحرمان من النوم، والشتائم المهينة. وعادةً ما كان الضحايا الكُرد يوصفون بـ”الخنازير والكفرة”.

وذكر الضحايا وسائل تعذيب مُؤذية، كاللكم والصفع والركل، والضرب بالعصي وأعقاب الأسلحة الفردية، والجلّد بالكبل الرباعي أو باستخدام خراطيم التمديدات الصحية، والصعق بالكهرباء، والحرق بـ “الشلمونة” التي تُستخدم عادةً في تلحيم أو صهر بعض أنواع المعادن، وسكب سوائل ساخنة جداً أو باردة على أجساد الضحايا، وقلع الأظافر ورش الملح في مواقع الجرح، واستخدام طرائق التعذيب المُسماة؛ “البلانكو”؛ ويقوم على ربط الضحية وتعليقه من معصمه بحبل يتدلى من السقف، وقد تلامس رؤوس أصابع قدميه الأرض فتتعرض لضغط كبير أو يبقى معلقاً في الهواء ليضغط ثِقل جسده بالكامل على معصمه، ما يؤدي لتورمها مع ألم شديد. وقد يبقى الضحية معلقاً لساعات أو أيام مع تعرضه للضرب الشديد. وكذلك طريقة “الفروج”، حيث تُربط يدا الضحية مع قدميه، ثم يُعلق منهما على عمود خشبي أو معدني ويُرفع عن الأرض في طريقة تحاكي شواء الدجاج، ويترافق ذلك مع ضربه على مختلف أنحاء جسده.

ورافق التعذيب الجسدي أذى نفسي أيضاً، حيث تعرض أغلب الضحايا للإهانة، فيما أجبر البعض منهم على سماع أصوات ضحايا آخرين أثناء تعذيبهم، أو مشاهدة حالات التعذيب، وكان أحد الشهود حاضراً على تعذيب شخص حتى الموت، كما تمّ إطلاق كلاب مسعورة على أحد الضحايا، وتمّ تعصيب أعين آخر وإطلاق النار بجانب رأسه، كما تضمن التعذيب النفسي أيضاً تشويه وازدراء المعتقدات الدينية للضحيّة في حالات عديدة.

معاناة النساء في مراكز الاحتجاز:

أبلغت جميع النساء اللاتي تمت مقابلتهن أنهن استُجوبن من قبل محققين رجال، وتمّ تعصيب أعينهن أثناء الاستجواب، وتعرضت العديد منهن للتعذيب وسوء المعاملة ذات الطبيعة الجنسية، بما في ذلك التحرّش الجنسي والعنف والاغتصاب، فضلاً عن الشتائم المهينة التي تمس العرض والشرف وفق المعايير الاجتماعية السائدة. وقد تركت هذه التجارب آثاراً نفسية متراكمة وصعبة للغاية، تسببت في موجات من البكاء والذهول أثناء سرد قصصهن.

كما لم تتم مراعاة الحاجات الصحية الخاصة بالنساء أثناء الاحتجاز، فقد حُرمت ثلاث سيدات من الفوط الصحية خلال فترة اعتقالهنّ التي استمرت أكثر من شهر، ومُنعن عمداً من من استخدام المراحيض والاستحمام بشكل طبيعي، وأُجبرنّ على أن يرافقهنّ حرس من الرجال عند استخدامهنّ للمرحاض، ما أدى إلى إصابتهن بأمراض في الجهاز التناسلي.

آلام لا تنتهي – أثر التعذيب:

شكل التعذيب عبئاً ضخماً على حياة الضحايا وصحتهم الجسدية والنفسية، حيث أكد الأطباء الذين عالجوا الضحايا أنّ كثيرون منهم يعانون من آلام جسدية خطيرة تتطلب علاجاً مستمراً، بما في ذلك إصابات الظهر، وخلع المفاصل، وضعف الرؤية أو السمع، وكسور الأسنان، وكسر العظام، وارتفاع ضغط الدم، والجروح والندوب والحروق، وفقدان الاظافر، وأمراض القلب والسكري، مما أثر بشكل كبير على حياتهم وقدرتهم على التفاعل مع العالم من حولهم.

إلى جانب الأذى الجسدي، شخّصَ المعالجون النفسيون حالة الكثير من الضحايا باضطراب ما بعد الصدمة واضطراب النوم وعدم القدرة على التركيز، حيث يعاني كثيرون من نوبات الهلع، والخوف المستمر، والقلق، والعزلة، مع تكرار الكوابيس التي تزيد من حالة الصدمة. تطورت بعض الحالات إلى اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب والاضطراب الاكتئابي، مع فقدان الشهية والأرق وصعوبة التركيز. إضافةً إلى تغيرات في السلوك والشخصية، بما في ذلك العدوانية وفقدان الثقة في الذات.

كما أن وصمة العار والمخاوف الاجتماعية المتعلقة بالعنف الجنسي تصل إلى درجة من الشدة بحيث يُفترض أن ضحايا الاحتجاز التعسفي من الإناث تتعرضن في كثير من الأحيان للاغتصاب، وقد تؤثر هذه الوصمة على الناجيات مدى الحياة، كما تعيق توثيق قصصهن.

الجهات المتورطة:

تعرّف العديد من الضحايا على الجهات المباشرة التي احتجزتهم واخضعتهم للتعذيب وسوء المعاملة، بينما لم يتمكّن ضحايا آخرون من معرفة الجناة بسبب طريقة “اختطافهم” وتعصيب أعينهم ومنعهم من الحصول على أي معلومات عن السلطات المحتجزة. تمّ اعتقال وتعذيب بعض الضحايا عدة مرات، إما على يد نفس الفاعل أو على يد جهات مختلفة في “الجيش الوطني السوري”.

وذكر 13 شخص على الأقل من الشهود الذين تمت مقابلتهم أنهم تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة على يد قوات “الشرطة العسكرية”، و 12 شخص على يد “فرقة الحمزة”، و 10 أشخاص على يد “فرقة السلطان مراد”،  و 6 أشخاص على يد فصيل “صقور الشمال”، و 3 أشخاص على يد قوات “الشرطة المدنية” ومثلهم على يد كل من “أحرار الشام” و “فيلق الشام” و “أحرار الشرقية” و “جيش النخبة”، كما شاركت قوات الجندرما والاستخبارات التركية أيضاً في تعذيب 10 أشخاص على الأقل.

المسؤولية القانونية والتوصيات:

انتهك “الجيش الوطني السوري” حقوق المحتجزين وفقاً للالتزامات القانونية الدولية، فقد اعتقلت فصائله المختلفة الأفراد واحتجزتهم تعسفاً، فضلاً عن ممارسة التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بحق المحتجزين، في انتهاك للقانون الدولي الإنساني والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان[1].

لم يقم “الجيش الوطني السوري” بالتحقيق في ممارسات قواته، التي تستمر في اعتقال المدنيين، وتعذيبهم، وانتهاك حقوقهم، كما لم تفعل الحكومة التركية، التي تمارس السلطة والقيادة الفعلية على تلك القوات، ما يكفي لتغيير سلوكها التعسفي، بل يتضح في بعض الحالات أنها كانت شريكة في ارتكاب تلك الانتهاكات.

في جميع الأحوال، وبصفتها قوة احتلال، على السلطات التركية ضمان عدم قيام مسؤوليها ومن تحت قيادتهم في “الجيش الوطني السوري” باحتجاز أي شخص تعسفياً أو تعذيبه أو إساءة معاملته، كما أنها ملزمة بالتحقيق في الانتهاكات المزعومة وضمان معاقبة المسؤولين عنها بالشكل المناسب.

وكون الحكومة السورية المؤقتة قد تبنت تشكيل “الجيش الوطني السوري”، فإن ما ذُكر ينطبق على هذه الحكومة أيضاً، وكذلك الحال بالنسبة لقيادة “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”، كون الائتلاف يمثل الواجهة السياسية للحكومة السورية المؤقتة وهو من منحها الثقة.

بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، وسعياً لتعزيز احترام حقوق الإنسان ومكافحة الإفلات من العقاب، تُطالب “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” ورابطة “تآزر” للضحايا بتدخل فوري من المجتمع الدولي، خاصةً أعضاء مجلس الأمن الدولي، لوقف أعمال التعذيب في مناطق “الجيش الوطني السوري” وعموم البلاد، وتعزيز جهود محاسبة جميع مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب في سوريا، وتحقيق العدالة للضحايا.

___________________________________________________________________________________________________________________________

[1] قاعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر 98، كما وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الاختفاء القسري بأنه جريمة حرب مركبة، انظر/ي القاعدة 156.

 

المصدر: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة

شارك هذا الموضوع على