الثلاثاء, يوليو 16, 2024

مثول أردوغان وزمرته أمام محكمة الجنايات الدولية.. بين الضرورة الإنسانية والمساءلة العادلة

آراء

ضياء إسكندر

كثيرةٌ هي الجرائم التي ارتكبها النظام التركي الفاشي بحق أبناء سوريا عامةً، وشمال وشرق سوريا خاصةً خلال العقد الأخير، وأغلب الجرائم التي اقترفها بحق الشعب السوري منذ بداية الأزمة عام 2011 وحتى الآن ينطبق عليها توصيف جرائم حرب ضد الإنسانية.

شهدت الأزمة السورية عبر تاريخها، تورّط الدولة التركية بشكلٍ مباشر في الصراع الدائر في البلاد، فقد دعمت المسلحين في سوريا، من خلال تسهيل تدفق المقاتلين والجماعات الإسلامية المتشددة والأسلحة والعتاد عبر الحدود، وتقديم الدعم المادي والعسكري لهم. وقد تسبّبت هذه الجماعات في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم حرب ضد المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها.

ولم تنكفئ الدولة التركية يوماً في السنوات الأخيرة عن ممارسة عدوانها على سوريا بحجة مكافحة الإرهاب وحماية حدودها. بينما هي في الحقيقة تسعى إلى إحياء العثمانية الجديدة والميثاق الملّي، أي احتلال كامل الشمال السوري والعراقي؛ من حلب غرباً إلى كركوك شرقاً، وبالتالي وأد تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا.

وسِجلّ الدولة التركية في انتهاك المعاهدات والقوانين والأعراف والمواثيق الدولية حافلٌ وماثلٌ للعيان في محطات كثيرة؛ لا سيما استخدامها للسلاح الكيماوي في صراعها مع القوى المناهضة لها في جبال قنديل وغيرها من المناطق التي توجد فيها قوى المقاومة. وعلى الرغم من أن قوات الدفاع الشعبي نشرت مقاطع مصورة وصوراً، تثبت استخدامها للقنابل الفوسفورية والقنابل الحرارية والقنابل النووية التكتيكية والأسلحة الكيماوية، وعلى الرغم من الدعوات المتكررة من قبل منظومة المجتمع الكردستاني وقوات الدفاع الشعبي والكثير من الأحزاب الكردستانية للجهات المعنية بحظر استخدام الأسلحة المحرمة دولياً لزيارة المناطق المستهدفة لمحاسبة الدولة التركية، فإن العالم وتلك الجهات المعنية ما زالت تلتزم الصمت حيال ذلك.

أهم الجرائم التي ارتكبتها الدولة التركية في سوريا

احتلت الدولة التركية في السنوات الأخيرة مساحات واسعة من الشمال السوري (8835 كم²)، وتضمّ أكثر من 1000 بلدة، بما في ذلك مدن مثل عفرين، وكري سبي/ تل أبيض، وسري كانيه/ رأس العين، والباب، وإعزاز، ودابق، وجرابلس، وجنديرس، وراجو وشيخ الحديد. عبر سلسلة من الهجمات العدوانية، وفكّكت وسرقت مئات المعامل من مدينة حلب ونقلتها إلى الداخل التركي، وارتكبت مجازر وحشية بحق السكان في المناطق التي احتلتها تشيب لها الغلمان؛ حيث خلّفت آلاف الضحايا بين قتيلٍ وجريح ومغيّب ومفقود، ودمّرت العديد من منشآت البنية التحتية الخدمية والحيوية ولمرّات عدّة، مسببةً مأساة إنسانية قلَّ نظيرها لأكثر من 5 مليون شخص في شمال وشرق سوريا. وقامت وتقوم بعملية تغيير ديمغرافي واسعة النطاق في المناطق التي احتلتها، مستخدمةً أساليب الاستعمار القديم ذاتها بأبشع صوره؛ من سياسة التتريك الممنهجة وإجبار المواطنين على استخدام الليرة التركية في التعامل التجاري، ورفع العلم التركي على المباني والمؤسسات، واعتماد المنهاج التعليمي التركي في المدارس، وتغيير أسماء المدن والبلدات والقرى، وسرقة الآثار وقطع الأشجار ودعم أشدّ التنظيمات الإرهابية (هيئة تحرير الشام وأخواتها) والقيام بممارسات همجية يندى لها جبين الإنسانية.

ما الجرائم التي تندرج تحت وصف جرائم ضد الإنسانية؟

تعدّ الجرائم ضد الإنسانية التي تستهدف الأفراد والجماعات السكانية بجرائم خطيرة ومنافية للقانون الدولي الإنساني من التهم الجنائية في القانون الدولي، وتشمل هذه الجرائم أعمالاً وأفعالاً تعرُّضَ الأفراد للقتل والتعذيب والاغتصاب والعبودية والإبادة الجماعية والاضطهاد الجماعي، والتهجير والاختفاء القسريين وغيرها من الأعمال البربرية.

وهذه الجرائم انتهاك جسيم للقانون الدولي، وجزء من الاختصاص القانوني للمحاكم الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية. وفقاً للمادة 7 من ميثاقها، وكل الجرائم المشار إليها ارتكبتها الدولة التركية آنفاً والتي تُعدّ جرائم ضد الإنسانية.

هل يمكن للأفراد والمنظمات الإنسانية رفع دعاوى أمام المحاكم الدولية؟

يحقّ للأفراد تقديم شكاوى أو معلومات إلى مكتب المدّعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، الذي يقيّم هذه المعلومات ويبدأ التحقيقات ويرفع الدعاوى بناءً على ذلك.

كما يحقّ للجان حقوق الإنسان الدولية التي تتعامل مع شكاوى الأفراد المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. ويمكن للأفراد تقديم شكاوى إلى هذه اللجان وتقديم دعاوى قانونية أمامها، مرفقةً بالمعلومات والدلائل التي تدعم الادعاءات المقدّمة؛ من صور ووثائق ومقاطع فيديو وشهود وتقارير طبية، وما إلى ذلك.

وعلى الرغم من بعض الانتقادات التي تواجهها المحكمة الجنائية الدولية، بأنها تنتقي القضايا التي تتعاطى معها وفقاً لأجندات سياسية أو انتقامية ولا تتعامل بشكل متساوٍ مع جميع الجرائم الجنائية في جميع أنحاء العالم وتُتّهم بتحقيق معظم القضايا في أفريقيا بينما تتجاهل القضايا في مناطق أخرى. بالإضافة إلى عدم قدرتها على تنفيذ الأحكام؛ حيث إن بعض الدول الأعضاء قد ترفض تسليم المتهمين أو تعرقل التحقيقات، ما يؤثر على قدرة المحكمة على تحقيق العدالة بشكل كامل، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن المحكمة غير قادرة على القيام بعملها بشكل صحيح، ولكنها تشير إلى التحديات والنقاط القابلة للتحسين التي يمكن مواجهتها في سياق عمل المحكمة.

هل يمكن أن نعاصر مشهد رؤية أردوغان وعصابته خلف القضبان في محكمة الجنايات الدولية؟

إن إمعان الدولة التركية في مخالفتها الصريحة والوقحة للقوانين الدولية باتت جليّة ومعروفة لكل ذي بصيرة. وهذا الصلف والعنجهية في استهتارها واستخفافها ينبغي أن يوضع له حدّ. من هنا فإن رفع ترسانة من الدعاوى من قبل الجهات المتضررة بحق مسؤولي النظام التركي الفاشي على ما اقترفت أيديهم الآثمة بحق السوريين، تُعدّ ضرورة إنسانية ملحّة لينالوا جزاءهم العادل، والحصول على التعويضات عن الأضرار المادية والمعنوية التي تسبّبوا بها، وليكونوا عبرةً لغيرهم ولأمثالهم من الطغاة، حتى ولو طالت إجراءات محاكمتهم.

فجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية والجرائم الحربية وجرائم العدوان لا تخضع لمهلة التقادم مهما طال الزمن. وهذا يعني أنه وبغضّ النظر عن مرور الوقت، يمكن متابعة المتهمين ومحاكمتهم بشأن هذه الجرائم، لا سيما أن المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية لا يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية أيّاً كانت صفتهم، كما أن الظروف الدولية المتغيرة والمتسارعة التي تشير إلى أن محصلة موازين القوى ليست لصالح خصوم الشعوب وقوى التحرر في العالم.

فهل سنشهد اكتظاظ أدراج ديوان محكمة الجنايات الدولية بالدعاوى المتعلقة بجرائم النظام التركي، ممثلاً برموز حكمه وفي مقدمتهم الديكتاتور رجب طيب أردوغان؟

المصدر: ANHA

شارك هذا الموضوع على