الأربعاء, يوليو 17, 2024

مسار أستانا من «خفض التصعيد» المزعوم إلى تهجير الملايين ومعاداة الكُـرد وقواهم

منبر التيارات السياسية (بيانات)

بعد أن تمكّن الطيران الحربي الروسي وقوات الجيش السوري وحلفائه من الميليشيات وبصفقةٍ مع تركيا من طرد الجماعات المسلّحة وجبهة النصرة من مدينة حلب وجزءٍ من ريفها الشمالي في عام 2016م، وفي المقابل احتلّت تركيا بين آب 2016- شباط 2017م مناطق (أعزاز، الباب، جرابلس) التابعة لمحافظة حلب تحت مسمى «درع الفرات»… ترسّخ التعاون بين روسيا وتركيا عبر مسار أستانا الذي عُقدت جلساته في كازاخستان، بدءاً بجولتها الأولى في 23 يناير/كانون الثاني 2017م، والذي استند إلى تقسيم المناطق السورية الخاضعة لنفوذهما إلى ما سميت بـ»مناطق خفض التصعيد» التي استعاد منها الجيش السوري مساحات واسعة (أرياف دمشق وحمص وحماه ودرعا، ريف حلب الغربي والجنوب الغربي)، بالمقابل احتلّت تركيا منطقة عفرين؛ تلك الصفقات والحروب أفضت إلى تهجير ملايين المدنيين من مناطقهم الأصلية ووقوع عشرات آلاف ضحايا قتلى وجرحى وأضرار كبيرة بالممتلكات العامة والخاصة وتدمير الكثير من المناطق الآهلة بالسّكان لتغدو مناطق أشباح خالية من أهاليها، فوقع تغيير ديموغرافي واسع وخطير.

مسار أستانا الذي انعقدت جولاتها بتنسيق وإشراف ما سميت بـ»الدول الضامنة (روسيا، تركيا، إيران)» عملياً رسّخ نفوذ الدول الثلاث وحقّق أجنداتها في سوريا، ويتم استثماره ضد التحالف الدولي المناهض للإرهاب بقيادة أمريكا، وكذلك في مساعي وجهود إنهاء وجود ودور قوات سوريا الديمقراطية «قسد» والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، اللتان شكّلتا محوراً أساسياً في محادثات جولة أستانا العشرين 20-21/6/2023م التي تم تلخيصها في بيان مشترك صادر عن الدول الثلاث.

بقراءة بنود البيان الختامي نجد:

مبادئ عليا

أكّدت الدول الثلاث مجدداً على «الالتزام بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها ومبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة»، وهي ذاتها التي استباحت أرض وسماء وحدود وبحر سوريا وثرواتها وممتلكاتها، واستهدفت المدنيين، على سبيل المثال القصف التركي لمشفى تل رفعت في 16/6/2023 ولسيارة مدنية للإدارة الذاتية في 20/6/2023م وكذلك القصف الروسي لسوق الخضار في مدينة جسر الشغور بتاريخ 25/6/2023م، بالإضافة إلى أنّ تركيا بُعيد انتهاء انتخاباتها وتشكيل حكومتها قد صعّدت من اعتداءاتها العسكرية ضد مناطق الإدارة الذاتية.

الإرهاب والانفصالية

أعربت عن عزمها على «مواصلة العمل المشترك في مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره ومجابهة الأجندات الانفصالية الهادفة إلى تقويض سيادة سوريا وسلامة أراضيها»، هنا تخصيص واضح ضد «قسد» والإدارة الذاتية التي تُعدّ حليفاً قوياً على الأرض للتحالف الدولي ضد داعش، وليس لديها توجهات قومية كردية انفصالية مثلما تُتهم بهتاناً، بل تدعو للديمقراطية والإدارات الذاتية لكافة المناطق السورية كشكل من أشكال النظام التعددي اللامركزي في إطار وحدة البلاد، وما هذه التهم إلّا تماهياً مع سياسات حكومة العدالة والتنمية برئاسة أردوغان العدائية ضد الكُـرد وقواهم العسكرية والسياسية في سوريا.

الهدوء في إدلب

دعت الدول الثلاث لـ»تطبيع الوضع في المنطقة خفض التصعيد بإدلب وحوله» و «ضرورة الحفاظ على الهدوء -على الأرض»، رغم أن هذه المنطقة واقعة تحت سيطرة «هيئة تحرير الشام» المصنفة على قوائم الإرهاب العالمي، فلا تجد تركيا غضاضةً من التعامل معها بهدوء!

الحكم الذاتي

كرر البيان الختامي (رفض جميع المحاولات الرامية لخلق وقائع جديدة «على الأرض»، بما في ذلك عن طريق المبادرات الغير شرعية للحكم الذاتي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، ومجابهة الأجندات الانفصالية الرامية لتقويض وحدة سوريا والتي تهدد الأمن القومي للدول المجاورة)!

تناست الدول الثلاث أن الجيش السوري والجيش الحرّ بعده قد انهزما من مناطق شرق الفرات أمام تنظيم داعش الذي أعلن دولته المزعومة على أراضيها، وتركا الأهالي بين أنياب هذا التنظيم الشرّس، لتضطّر «قسد» والإدارة الذاتية للدفاع عن النفس ومجابهة داعش بدعم التحالف الدولي ودحره في آخر معاقله ببلدة الباغوز في آذار 2019م، ولم تعتدي على الأراضي التركية بطلقةٍ واحدة، بل على العكس شنّت تركيا وميليشياتها السورية المرتزقة حرباً عدوانية شرسة على مناطق «عفرين، كري سبي/تل أبيض، سري كانيه/رأس العين» واحتلّتها تحت مسميي «غصن الزيتون/2018م، نبع السلام/2019م» وتستمرّ في استهداف مناطقها الأخرى بكافة صنوف الأسلحة.

وتناست أيضاً مشاريع وخطط الإسكان الاستيطاني للمستقدمين من المحافظات السورية الأخرى إلى منطقة عفرين وغيرها كوقائع جديدة «على الأرض» تستهدف وجود الكُـرد وترسيخ التغيير الديموغرافي في مناطقهم.

وما يدحض تهمة الانفصالية هو غياب أي مشروع سياسي كردي بخصوصها، وكذلك مكافحة إرهاب داعش وفتح المعابر مع بقية المناطق وقبول الحوار مع حكومة دمشق وكافة القوى الوطنية السورية.

تقديم المساعدات

شددت الدول الثلاث على «ضرورة إزالة العقبات وزيادة المساعدة الإنسانية لكل السوريين في كافة أنحاء البلاد دون تمييز وتسييس وشروط مسبقة»، بينما تركيا منعت وصول المساعدات المقدّمة من الإدارة الذاتية إلى عفرين وغيرها عقب الزلزال الذي ضرب المنطقة، وروسيا ترفع الفيتو مراراً ضد دخول المساعدات الأممية إلى محافظة الحسكة وشرق الفرات من معبر تل كوجر/اليعربية مع العراق.

العودة الآمنة

شددت على «ضرورة تيسير العودة الآمنة والكريمة والطوعية للاجئين والنازحين داخليًا إلى أماكن إقامتهم الأصلية في سوريا… «؛ وهي التي لها دور كبير في إغلاق المعابر بين مختلف المناطق السورية أمام تنقل المدنيين والبضائع وغيرها وبالتالي تمنع عودتهم إلى مناطقهم الأصلية، وكذلك تركيا تُرحّل عشرات اللاجئين السوريين يومياً قسراً إلى مناطق احتلالها شمالي البلاد، وتبني قرى استيطانية نموذجية لتوطين المستقدمين في المناطق الكردية، ولا تزال الاعتقالات التعسفية ومختلف الانتهاكات والجرائم مستمّرة فيها، حيث يتفشى الفوضى والفلتان.

الانسحاب التركي

أشاد البيان الختامي بالمشاورات التي عُقدت بين نواب وزراء خارجية (روسيا، إيران، سوريا، تركيا) أثناء جولة أستانا الأخيرة، التي تمّ خلالها مناقشة سير تحضير خريطة الطريق لإعادة العلاقات بين تركيا وسوريا، بينما تستبعد أنقرة إخراج قواتها من سوريا على مدى سنوات، وتطالب دمشق مراراً بالانسحاب التركي غير المشروط من سوريا، والذي يشكل المدخل الأساس لأي علاقات عادية مع تركيا- حسب الحكومة السورية. لم تنكشف بَعد ملامح وبنود خريطة الطريق تلك.

إدانة نشاط الدول الأخرى

أدانت الدول الثلاث «نشاط الدول التي تقدم الدعم للعناصر الإرهابية، بما في ذلك دعم مبادرات الحكم الذاتي الغير شرعية شمال شرق سوريا»، في إشارةٍ واضحة إلى دول التحالف الدولي المناهض للإرهاب، أمريكا على وجه الخصوص، في وقتٍ ينحصر فيه نشاطها بدعم «قسد» ضد داعش، ولا تبدي موقفاً سياسياً واضحاً مؤيداً لمشروع الإدارة الذاتية.

القلق

أعربت عن «بالغ قلقها تجاه جميع المضايقات التي تمارسها الجماعات الانفصالية تجاه المدنيين شمال الفرات، بما في ذلك قمع الاحتجاجات السلمية، والتجنيد الإجباري والعنصرية في مجال التعليم، وكذلك القيود المفروضة على النشاط السياسي اتجاه الصحفيين، والحق على التجمع، وحرية التنقل»، وكأن المناطق الأخرى الخاضعة للنظام السوري و»هيئة تحرير الشام» و «الجيش الوطني السوري/الائتلاف» واحات للديمقراطية وحقوق الإنسان! فلم تكن موضع انتقاد الدول الثلاث رغم أنها ترزح تحت القمع والاستبداد وتشهد مختلف الانتهاكات والجرائم.

إنهاء أستانا

على نحوٍ مفاجئ، دعا نائب وزير الخارجية الكازاخستاني كانات توميش إلى اختتام محادثات أستانا، بقوله إن «هدفها قد تحقق»، خاصةً مع عودة سوريا إلى الجامعة العربية.

بدوره أشار مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتيف إلى أن «قرار كازاخستان بتأجيل الاجتماعات بشأن سوريا من أستانا جاء كمفاجأة لروسيا وإيران وتركيا».

واتفقت الدول الثلاث على عقد الاجتماع الحادي والعشرين القادم في النصف الثاني لعام 2023م، واختيار المكان لاحقاً.

إغفال وتجنب

تجنّبت الدول الثلاث الحديث في البيان الختامي عن الأوضاع السياسية ومختلف مجالات الحياة المزرية وتبعات أنماط الحكم الاستبدادي والقمعي والديني والفوضوي وتلك المتخمة بالفساد في مناطق سيطرة حلفائها (النظام السوري، هيئة تحرير الشام، الجيش الوطني السوري)، وأغفلت تقييم أوضاع تلك المناطق.

هذا، وتحدث البيان أيضاً عن اللجنة الدستورية المعطّلة والهجمات الاسرائيلية العسكرية المتواصلة على سوريا وتداعيات زلزال 6 شباط والمساعدات الإنسانية والمعتقلين/المختطفين.

لم يُعرف بَعد كيف سيسير التطبيع بين أنقرة ودمشق، في وقتٍ تركز الأولى فيه على معاداة ومحاربة الإدارة الذاتية و «قسد»، بينما تشترط الثانية على الانسحاب التركي من الأراضي السورية، وقد أوضح أيمن سوسان معاون وزير الخارجية والمغتربين أن التصريحات التركية حول سيادة سورية ووحدة أراضيها تتنافى مع استمرار احتلالها للأراضي السورية، وتخالف القانون الدولي وأبسط مقومات العلاقات بين الدول.

وإذ أعربت (روسيا، تركيا، إيران) عن «قناعتها أن لا حلّ عسكري للأزمة السورية» في البيان، وفي الذات الوقت الطيران الروسي والقوات التركية تستهدف مواقع الجانب الآخر المناوئ والعشرات من المواقع والمرافق المدنية؛ لا سيّما أنّ الصراع الإقليمي والدولي على وفي سوريا متواصل!

* جريدة الوحـدة – العدد /343/- 14 آب 2023م – الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).

شارك هذا الموضوع على