الثلاثاء, أبريل 23, 2024

أفكار من خشب

القسم الثقافي
أحمد ديبو_
اليوم، وبعد أعوام طويلة على هذا النكوص والتخلّي، تُفاجأ “الثقافة” بالأحداث المتلاحقة، على الساحتين السورية والعربية، فتكاد لا تخرج من محنة، حتى تدخل في أخرى.
وفي المحن كلّها، تبدي عجزاً عن المبادرة، على الرغم من رغبتها الأكيدة في أن تقوم بدور مؤثر، وفاعل في الحراك الجمعي للمجتمع السوري، لكن الأمر ليس في يدها، مثلما ليس في يد الأطراف السياسية، من نظام، ومعارضة على اختلاف أنواعها، وأشكالها، ولباسها.
ولا تكفي الدعوة إلى حرية الرأي، والمعتقد، وحقوق الإنسان، في المعنى العام، والتحزّب لمثل هذه الشعارات تحزّباً أعمى، ليستقيم حمل الثقافة، ويصلب عودها.
فهذه أفكار تحتاج، مثل الأفكار كلها، إلى إعادة مساءلة، ومناقشة كل يوم.
فما الذي تعنيه حرية المعتقد اليوم؟! إذا كنا نخرج منها جماعة ما؟ وما حدّ حقوق الإنسان، إذا كان لا يحق لموسيقي، أن يتصرّف بنص واسع الانتشار، كمثل قصيدة درويش: أنا يوسف يا أبي.
ومن جعل الإيمان مقرراً حسب مسالك، وأصول، ومندرِجاً في مؤسسات لا يسعه الخروج منها إلى الناس عموماً. فلا يستطيع المرء أن يجهر بإيمانه، إلا إذا كان منتمياً إلى إحدى المؤسسات، أو الجمعيات، ومرتدياً لباسها الموحّد. الأرجح أن الأفكار، التي سادت منذ بداية القرن الماضي، وتفاعلت معها النخب العربية المثقفة، أصبحت اليوم مجرد شعارات، تشبه في تركيبها، ومنطق الدفاع عنها، منطق المؤمنين، الذين يرفعون الصوت عالياً كل حين، طالبين ألّا يتعرّض أحد للنص، أو يسيء للمشاعر الدينية، وأن الكهنوت (مسلماً أو مسيحياً) هو المخوّل وحده تحديد ما إذا كان هذا السلوك، أو ذاك متعرّضاً للنص، أو محقّراً للمشاعر الدينية.
تماماً، مثلما يستنسب كهنوت الثقافة تحديداً مواضع الاعتداء على حرية الرأي، وحقوق الإنسان، وحرية الفنون، وحقوق المرأة والطفل، فتصير إسرائيل وحدها من يعتدي على حقوق الإنسان، وحجز حرية المواطنين.
ويسكت كهنوت الثقافة تحديداً عن مصادرة أسطوانات موسيقية، ويثور لمنع أخرى أو محاولة منعها، ويفصّل المعتقد على الأساس الموروث من أوائل القرن، وينفي منها ما جدّ واستجدّ، ويقيم ليله ونهاره في مديح الهزائم؛ مبرهناً على أنّها انتصارات كبرى، لكنّه في الوقت نفسه يرفض آثارها؟!!.
من الأجدر أن يقرأ أنبياء النهضة، ومؤمنو العصر في كتبهم قراءة تنير الدروب، ألم يذكر عمر فاخوري في كتابه “كيف ينهض العرب الآن، وغداً” الصادر عام 1913، والذي تعرّض للمنع آنذاك، فجاء فيه الكثير من الأفكار، التي لا تزال تحمل حيويتها وجديتها، وكان وضّاح شرارة قد قرأ “العقد الاجتماعي” لروسو قبل ذلك بزمن، ورأى في إعادة التذكير ببعض أفكاره فائدة.
والحق أننا لن نعدم أمثلة على هذا المستوى، فكل من يقرأ في أفكار النهضويين العرب في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، والربع الأوّل من القرن العشرين، سيجد بعضاً من الأفكار، التي لا تزال تحتفظ بحيويتها.
يكفي أن نذكر أن رشيد رضا، وميشال لطف الله دَعَوَا في الربع الأوّل من القرن العشرين، الى فصل الدين عن السياسة، وتبنّى الكثير من السياسيين مفهوم الحكومة المدنيّة (العلمانية)، ودعَوَا مع رشيد رضا إلى التحديث على أسس علمية غربية.
وكانت المادة العاشرة من دستور الدولة السورية، التي كانت تدعو إليها أغلب الأحزاب، قد نصّت وقتذاك على “أنّ السوريين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات”.
ونصّت المادة 78 على أنّه “لكل سوري أتمّ العشرين من عمره، ولم يكن ساقطاً من الحقوق المدنية حق في أن يكون نائباً”.
وغنيٌ عن القول: أن مواد الدستور المشار إليه، لا تميّز بين ذكر، وأنثى في الحقوق والواجبات، ولا بين مسلم، ومسيحي، أو يهودي.
هذا كان عام 1930 يوم كان علماء الشام المسلمون على قدر من التشدّد الديني مشهودا لهم، ومعروفين به. غاية القول، ومآله هو في أنّ النخبة العربية في أوائل القرن المنصرم، لم تكن تعج بالأنبياء، مثلما تريد أن توحي بعض القراءات.
بل إن النخب العربية، منذ أفول ذلك الحين، وحتى اليوم، لم تجدّد منظومتها الفكرية ومنطوقها النظري، إلا في القشور فقط لا غير.
ويكاد رئيس الاستقلال الأوّل بشارة الخوري يوافق في أفكاره، أفكار الحزب الشيوعي في نظرته إلى الطائفية البغيضة، بوصفها علّة في النفوس.
وخلاصة القول، الذي لا بد من قوله، يتلخص فيما يلي، يكفي انتشار التعليم الحقيقي الجاد، والشامل لاقتلاع الطائفية من جذورها.
والحال، فإننا لم نزل نتنسم رياح التغيير، التي هبّت على المنطقة في بداية القرن الماضي، تلك الرياح القديمة نفسها، مكتفين من دراسة التاريخ، وعلم الاجتماع والاقتصاد، بقراءة النصوص الجافة، وإعداد البرامج الخشبية، التي لا تغني، ولا تثمر من تقدم، ونهضة.
وهذا منتهى العدوان السافر على حقوق العقل في أن يعقل الأشياء على النحو، الذي يعقل به أمرها، يصوغ به وعيها، سيراً على قول المتنوّر الكبير، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبو العلاء المعرّي: لا إمام سوى العقل.

​الثقافة – صحيفة روناهي  

شارك هذا الموضوع على