الجمعة, يونيو 21, 2024

أكراد آليان، نموذجاً لمجتمع الفلاحين في سهول الجزيرة الفراتية (3/3)

القسم الثقافي

د. آزاد احمد علي

مجلة الحوار- العدد /82/- السنة 30 – 2023م

ملخص البحث الذي نشر على ثلاث حلقات (في الأعداد 79، 80، 82)

يعد هذا البحث دراسة قطاعية لنموذج من الحياة الريفية للمجتمع الكردي التقليدي في هضاب وسهول الجزيرة الفراتية العليا، وهي دراسة توثيقية للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمنطقة ذات شخصية وحدود جغرافية ثابتة مرتبطة تاريخياً مع إمارة بوتان، حيث كانت أحد أهم مناطقها الزراعية المنتجة.

الدراسة تاريخية جغرافية اجتماعية عمرانية شاملة، تعتمد البحث التوثيقي الميداني، بالترابط مع أهم الأحداث التاريخية التي مرت بها منطقة آليان، وخاصة في القرنين التاسع عشر إبان الحكم العثماني، وفي القرن العشرين حيث انتقل حكم القسم الأكبر من منطقة آليان إلى الانتداب الفرنسي، فالجمهورية السورية.

يركز البحث على الإطار العام للحياة القروية الزراعية في آليان بوصفها عماد ديمومتها ووجودها، كما يسعى البحث للكشف عن أبرز العوامل التي ساهمت في استمرارية الحياة المجتمعية وأسباب غناها وتنوعها، وكذلك البحث عن سر توافر بيئة التعايش الديني والمذهبي فيها طوال قرون عديدة. فقد تعايشت في منطقة آليان الأديان الرئيسة السائدة تاريخياً في كوردستان: بدءاً من اليهودية والمسيحية، الايزيدية والإسلام، مع اكتشاف ملامح واضحة لبقايا المعتقدات الدينية القديمة خاصة ما هو مرتبط مع معبد إيلم (Girê Êlim) وطقسها الرئيسي: (Zêwwa Êlim). يلقي البحث الضوء على الجذور القديمة للحياة الاجتماعية وارتباطها بشكل وثيق مع توفر مصادر المياه، فتشكل مجتمع زراعي مستقر. مع الإشارة الى انتعاش الحياة التجارية في القسم الشمالي من آليان لوقوعها على طريق الحرير (طريق أوربا – إستانبول – حلب- نصيبين – جزيرا بوتان – الموصل – بغداد).

من الناحية السياسية والإدارية كانت آليان مرتبطة بمركز إمارة بوتان أي مدينة (جزيرة ابن عمر) لذلك تأثرت بشكل مباشر بمصير الإمارة، إذ شكلت آليان جزءاً فاعلاً من هذا التاريخ الاجتماعي والسياسي، فقد جرت على أرضها معركة نهاية إمارة بوتان (معركة ديرون 1855)، وتراجع دورها السياسي بعد تعرضها لحملة الإبادة وخاصة مجزرة آلاقمش سنة 1926م، وصولا الى تقسيمها بين سوريا المستحدثة وجمهورية تركيا الوليدة بعد سنة 1930م، ليتمزّق نسيجها الاجتماعي والعمراني بين دولتين.

انكمشت حدود آليان بعد تراجع الحياة الرعويّة فيها وانحسار مراعيها جنوباً أمام زحف القبائل العربية البدوية، وكذلك نتيجة لتحديث الحياة الاجتماعية والاقتصادية فيها. نظرا لاتساع مادة البحث وتشعبها، سنكتفي في هذه الورقة بالتطرق للمحاور التالية:

1-         محطات رئيسية في تاريخ المنطقة

2-         في أصل تسمية منطقة آليان (Devera Alîyan) وهل مصدرها جغرافي أم ديني ميثولوجي، وكذلك رسم وتوصيف حدودها الجغرافية.

3-         جوانب ميثولوجية مرتبطة بالمياه

4-         الزراعة سر ديناميات الاستيطان البشري وتنامي المجتمع في آليان

5-         الطبيعة الطبوغرافية التي ساعدت على تكامل الزراعة والرعي في المنطقة

6-         سلطة الطواحين

7-         قوة المحراث وسحره في الحياة الفلاحية التقليدية لمجتمع آليان الكردي

8-         تقسيم الجزيرة الفراتية بعد الحرب العالمية الأولى وخاصة بموجب اتفاقية أنقرة ودورها في تقسيم منطقة آليان.

9-         سياسات التعريب والإهمال التي لحقت بها بعد إلغاء ناحية ديرون ونقلها من مركز المنطقة في قرية ديرونا آغي الى تل كوجر – ربيعة. وبناء قرى الغمر فيها لاحقا.

كنتيجة، يهدف البحث إلى تقديم صورة بانورامية لإحدى أهم المجتمعات الريفية الكردية وأقدَمِها في الجزيرة الفراتية، ورصد المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي مرّ بها المجتمع المحلّي في منطقة آليان، لاستنتاج العوامل المساعدة وسرّ الاستمرارية الطويلة الأمد للحياة الريفية فيها، وكذلك محافظتها على التنوع الديني والقبائلي؛ وأخيراً الكشف عن سمات نموذج أولي، أصيل وعياني، للحياة الريفية الكردستانية الاجتماعية الآمنة داخل الجزيرة الفراتية.

××××

 6-7 أهم المنتجات الزراعية والمحاصيل في منطقة آليان

إن أهم المحاصيل التي كانت تنتج في منطقة آليان هي:

القمح
الذرة
الأرز
القطن
التبغ
الحمص
العدس
الشعير
السمسم

إضافة الى جميع أنواع الخضروات الصيفية، لكثرة البساتين الصغيرة على ضفاف الأنهر وبجوار الينابيع. كما تم زراعة واستثمار العديد من أصناف الفواكهه وخاصة: كروم العنب بأنواعها، الرمان والتين، جوز والتفاح واللوز.

7- سلطة الطواحين

من النادر أن نجد منطقة ريفية في كوردستان عبر التاريخ تمتلك هذا الكمّ الكبير من المطاحن الآلية، أي التي تعمل على طاقة جريان المياه. فلقد كانت بحق الثروة الأساسية لمنطقة آليان التي ترتبط بثروتها المائية، وشكلت أهم رافعة للحياة الاجتماعية والاقتصادية فضلاً عن المساهمة في إغناء البيئة والتوازن الطبيعي.

لقد كانت الينابيع كثيرة في منطقة آليان لدرجة أن تجاوزت عددها مائة وثمانية 108 ينبوع وكذلك الأنهر والجداول المائية عديدة كما مر ذكره سابقاً.

فإضافة إلى الاستفادة من المياه في الزراعة المروية، فقد تم استثمار قوة جريان مياهها السريع في توليد طاقة ميكانيكية كبيرة استخدمت في تدوير الطواحين، التي تعرف بالطواحين المائية (Aşê Avê).

لقد كانت للطاحونة أهمية مركبة في العالم القديم، فهي آلة كبيرة، وتقنية ذات تأثير اجتماعي عميق، خاصة الطاحونة التي تقع على الأنهر الجارية، قرب التجمعات السكنية والبساتين.  وقد تجاوزت أهمية وطاقة طواحين المياه على الطواحين التي تدار بواسطة قوة الحيوان، فضلا عن الطاحونة اليدوية (الرحى –Destar) التي لم يخلُ منها البيت الكردي إلا نادراً.

إن المتتبع لتاريخ العمران الريفي خصوصاً والحضري عموماً يجد بأنه كانت عبر التاريخ للطواحين أهمية كبرى في رسوخ واستدامة هذا العمران. إذ أن المادة الأساسية لغذاء الإنسان في الشرق الأدنى كان القمح – الخبز، الذي ربما يعود تاريخ إنتاجه الى الألف العاشر ق.م بحسب العديد من المصادر. كما أن طبقة الفلاحين المستقرّة قد تشكلت وتبلورت حول إنتاج القمح – الخبز بشكل رئيس. فضلاً عن أنه كان للصراع على هذا المنتج – الغذاء الرئيسي في العالم القديم دور رئيس في رسم مسار الأحداث وطابع الصراعات البينية للمجتمعات المتجاورة. لقد كان الصراع على الخبز – الغذاء في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية محددة، صريحاً، وأثّر في التحويل المفاجئ لمجريات الأحداث التاريخية. ونظراً لعدم وجود احتياطي غذائي كبير في المجتمعات الفلاحية، فضلاً عن فقدانها في المجتمعات البدوية، لذلك فالمناطق التي كانت تمتلك الطواحين كانت تمتلك أداة إنتاج مهمة، بل كانت تمتلك سلطة على محيطها، وهي سلطة الخبز. هذا وقد اشتهرت قرى آليان بصناعة الخبز محليّاً، ضمن أفران عائلية أو لكل حارة فرن طيني (تنور) كما في الشكل رقم (4).

الصورة (4) تنور للخبز في قرية آلا قوس

لقد كانت لتقنية استخدام الماء لتدوير الآلات عموماً، الطواحين خصوصاً جذر تاريخي عميق في مناطق بوتان وماردين وآمد، حيث ازدهرت تماماً إبان الدولة المروانية – الدوستكية نهاية الألف الأول للميلاد. كما اشتهرت منطقة جزيرة بوتان بصناعة حجر رحى الطواحين، الى جانب التقدم الكبير في صناعة الآلات المائية: “وكان يصدر من منطقة الجزيرة / بوتان الملح أيضاً، وكذلك أحجار الرحى / الطاحون من النوع البازلتي الأسود وكانت قيمة الحجر الواحد منها في العراق خمسين ديناراً أو أكثر. وكانت أحجار الرحى تشكل مادة تجارية رابحة كانت ترد دائماً من الجزيرة بواسطة الأكلاك / القوارب إلى الموصل والعراق حتى الحرب العالمية الأولى. ولا تزال مجموعات من أحجار الرحى الجاهزة للتصدير تشاهد متروكة على شواطئ دجلة فوق جزيرة بوتان، حيث تركت لما أقفل الطرق بسبب تأسيس الحكومة العراقية.” (يوسف،1975، ص327).

لقد كانت منطقة آليان ضمن تلك المناطق التابعة لإمارة بوتان الكثيرة المياه والطواحين، فالطواحين في آليان كانت تدار بالمياه الجارية وبقوة جرّ الحيوان نادراً. كما كانت ملكية بعض القرى والسلطة الاجتماعية فيها ترتبط بصيغة من الصيغ بآلية امتلاك طاحونة أو أكثر في المنطقة. لقد اعتمدت القبائل الرحل على الطاحونة اليدوية بشكل رئيس لتأمين الدقيق وصناعة الخبز، إلا أن أغلبية هذه القبائل الرحل كانت تعتمد على مناطق حضرية قريبة فيها طواحين، لكي تؤمن وتخزن مونتها من الطحين في هذه المناطق. إنّ السمة التي اتسمت بها منطقة آليان هي وجود عدد كبير نسبياً من الطواحين فيها، بحيث تجاوزت احتياج أهالي المنطقة. وثمة بعض المصادر تشير إلى أن قسم من إيزيدي منطقة سنجار وعرب البادية كانوا يعتمدون في تأمين الطحين على الطواحين المقامة على الأنهر والينابيع في منطقة آليان. إذ أن الأنهر التي كانت قادرة على تدوير الطواحين جفت أغلبها قبل مئات السنين في محيط جبل سنجار. إن عدد الطواحين في آليان بحسب العديد من المصادر والمرويات وكذلك مشاهدات المسنين من أبناء المنطقة تؤكد على أنها قاربت (50) خمسين طاحونة. أي بمعدل طاحونة لكل قرية. لكن ما تم توثيقه عيانياً بناء على آثارها المتبقية فهي أقل من هذا العدد (عبدو، جولي، يوسف، 2020، ص63 – 82)

إن كثرة طواحين آليان لم تكن بسبب توفر مياه جارية غزيرة فحسب، وإنما اعتمدت على نمط الحياة القروية المستقرة المتواصلة طوال قرون عديدة، وكذلك توفر القوى العاملة الخبيرة ببناء الطواحين وتشغيلها. فضلا عن توافر السهول الخصبة لزراعة القمح والشعير، الأرز والذرة.  حتى تحولت قرى آليان الى مراكز لانتاج الطحين لرقعة جغرافية واسعة من الجزيرة الفراتية.

حسب المرويات والمشاهدات ومعاينة آثار الطواحين فأنها كانت تعمل إلى فترة ما قبل حوالي (45 سنة)، حتى تغلّبت عليها ونافستها في الإنتاجية الطواحين الحكومية، والأهلية العاملة بمحركات الديزل.

إن الطاقة الإنتاجية لطواحين الماء التاريخية في منطقة آليان تبين أنها كانت تخدم منطقة خارجة عن حدودها. أي كانت تؤمن على الأرجح جزءاً من الطحين لمنطقة سنجق خلف آغا الواقعة غربها، كون أغلب أراضي السنجق سهلية، كما كانت تؤمن الطحين للرحل في البوادي الجنوبية ولجزء من سكان سنجار. على الرغم من أن المصادر التاريخية كانت تثبت أن منطقة سنجار كانت غنية بزراعتها، سواء كثرة الأشجار المثمرة فيها مثل: الرمان والجوز، اللوز والسماق والزيتون، وبشكل خاص اشتهرت سنجار بإنتاج وزراعة التين، إضافة إلى القمح والشعير والكتان، لذلك كانت تقوم بعملية مبادلة للمنتجات مع آليان. ولكن لابد أن نتساءل عما إذا كانت توجد في تلك البقعة طواحين لطحن الغِلال أسوة بما كان في غيرها من بقاع الجزيرة الأخرى، فالمصادر والمراجع لم تأت على ذكر مثل هذه الطواحين، لا في المدينة ولا في أطرافها. فوجودها كان يتطلب انهاراً غزيرة المياه سريعة الجريان كالفرات ودجلة والخابور وغيرها.  فوقوع سنجار على مسافة من منطقة آليان توفر لها جزء من الطحين وسدّ النقص في وجود الطواحين لديها. “لذا كان الأهالي يحملون غلالهم ويتوجهون بها إلى البلاد التي توجد فيها الطواحين، وأشهر هذه البلاد كانت الموصل وبلد على دجلة.” (شميساني، 1983، ص226)

لذلك فمن المتوقع أن منطقة آليان كانت وجهة لإيزيدي سنجار خاصة الساكنين في جهاتها الشمالية الغربية، لطحن الحبوب في مطاحنها وتبادل السلع وخاصة الفواكه، الزيتون، الزبيب والتين المجفف. هذا ما تكرر على ألسن الرواة من أبناء المنطقة، فضلاً عن وجود عدد غير قليل من الايزيدية في منطقة آليان وشمالها على أطراف جبل Bagok (طور عابدين).

لقد كانت الطاحونة آلة ساحرة في المجتمعات الريفية القديمة، إذ كانت جزءاً رئيساً من وجودها الاجتماعي، فضلاً عن كونها أداة إنتاج مهمة، أفرزت معادلها الاجتماعي حتى باتت سلطة قائمة بذاتها على تخوم بوادي وسهول جافة، حتى فرضت الطاحونة – الآلة السحرية حضورها وهيبتها في عالم يهيمن عليه الفقر وقلة الموارد الغذائية، ومن ثم البداوة والغزو العربي القادم من الجنوب.

فيما يلي أسماء ومواقع أهم وأشهر الطواحين في منطقة آليان:

طاحونة/ آشي باكروان: تقع على الضفة اليسرى لنهر دو آف بالقرب من قرية باترزان، في أقصى الشمال الشرقي من منطقة آليان.
آشي لودكا: تقع على الضفة اليسرى لنهر دو آف، جنوب شرق قرية لودكا.
آشي شيخ: تقع أيضاً على الضفة اليسرى لنهر دو آف بجانب طاحونة لودكا. ويقال أن ملكية الطاحونة كانت عائدة إلى (مير عبد العزيز البوتاني) ثم آلت إلى (سيد عمر خراب رزي) بحسب رواية (يوسف حسين علي وسعيد محمد علي[1]). وقد توقفت الطاحونة عن العمل بعد طاحونة لودكا منذ حوالي ثلاثين سنة.
آشي قرغو: وعددهم ثلاث طواحين في قرية قرغو بحسب الرواة[2]
آشي حمو: كانت تسمى طاحونة حمو عليوي، وتقع بين آلاقوس وعابر وتدار بواسطة المياه المتأتية من نبع رحاني
آشي حليق: طاحونة تقع بجوار قرية حليق
آشي كجك: وتعني الطاحونة الصغيرة، تقع على الضفة اليمنى لنهر دو آف، شمال قرية كيشك. وقد توقفت عن العمل منذ خمسينيات القرن العشرين.
آشي سبي: أي الطاحونة البيضاء. تقع على الضفة اليسرى لنهر دو آف، شرق قرية باديان
آشي كيشكي: تقع على الضفة اليسرى لنهر دو آف، غرب قرية كيشكي، إلى الشمال من ناحية جل آغا.
آشي جاجان: تقع غرب قرية كيل حسناكي، على الضفة اليسرى لنهر الجراح، على بعد 17 كم من مدينة تربسبي (قحطانية).
آشي دارا قل: وتعني طاحونة الشجرة المثقوبة، وتقع قرب (خ ح د).
طاحونتي مراحة وفرحو: تقعان على نهر الجرح، وقد تعرّضتا لأضرار جسيمة نتيجة لبناء الحكومة التركية الجدار الكونكريتي على الحدود. وبحسب المصادر الشفاهية فأغلب هذه الطواحين شيدت في القرن الثامن عشر، وقد اندثر العديد منها ولم يعد لها أي أثر حالياً.

8- المتغيرات السياسية زعزعت الحياة الفلاحية بمنطقة آليان

8-1 تقسيم منطقة آليان بعد الحرب العالمية الأولى

 لقد قسمت كل الجزيرة الفراتية بين ثلاث دول هي سوريا، العراق، ثم ما تبقى ضمن تركيا، لكن بعض المناطق تضررت كثيراً من عملية التقسيم، خاصة تلك التي انقسمت بين دولتين، مثل منطقة آليان التي شاءت الصدف أن يمر خط الحدود الدولية (خ ح د) بعد الحرب العالمية الأولى ضمنها، فانشطرت آليان الى قسمين، الأول الصغير شمال الحدود، والآخر الأكبر جنوب (خ ح د). فانقسمت آليان جغرافياً وبشرياً بين سلطة الانتداب الفرنسي في سوريا وبين الدولة التركية. ولقد كان ترسيم الحدود في مرحلة متأخرة نسبياً، ويبدو أنها اعتمدت بشكل قانوني على اتفاقية أنقرة وملحقاتها: “لقد تم ترسيم القطاع الثالث بشكل مفصّل وفق البرتوكول الفرنسي – التركي في 22 حزيران عام 1929. يمتد الخط الحدودي شرقاً من نصيبين حتى جزرة Cizre على نهر دجلة، ومن ثم يتبع مجرى النهر حتى التقائه بنهر الخابور Habur Nehri.

يهمّنا في هذا البحث متابعة بعض تفاصيل ترسيم الحدود بين نصيبين ومدينة جزيرا بوتان، فخط الحدود رسم مع الطريق (داخل تركية) إلى كوير هاسين Guirhassin ومن ثم إلى النقطة التي يقطع فيها الطريق جدول مائي موسمي … ومن تلك النقطة وبخط مستقيم حتى نقطة تقع على طريق نيركزلي – تل زيوانه Nerkesli Telziuaneh على بعد 300 متر من نيركزلي. ومن تلك النقطة وبخط مستقيم حتى نقطة تقع على بعد 800 متر شمال تل جيهان Tel –Djihan، ومن تلك النقطة وبخط مستقيم حتى نقطة تقع بعد 400 متر جنوب أزناور، ومن تلك النقطة وبخط مستقيم حتى نقطة تقع في آثار أزناور – حاجورلو Hadjourlou على بعد 400 متر من أزناور، ومن تلك النقطة ومع الطريق (داخل تركية) باتجاه (آثار) ديرونا آغا Derouna Agha  عبر (آثار) حاجورلو و(آثار) بافورد Bavord إلى نقطة تقع على الطريق على بعد 700 متر شرق (آثار) بافورد….” (رسول، 2015)

من الملاحظ أن خط الحدود كان سيمر من تل ديرونا آغا الأثري، وهي نفس مركز ناحية آليان. لكن يبدو أنه تم تعديل الحدود لاحقاً بحيث ظلت ديرون جنوب (خ ح د) واستمرت كناحية للمنطقة لسنوات طويلة، ولكن تحت الإدارة والقوانين السورية الجديدة، حتى تم نقل الناحية منها. وبذلك سدت السبل أمام التطور الحضري والإداري لهذه البلدة، وبالتالي لعموم منطقة آليان.

بات من أسوأ نتائج التقسيم هو تشتت العائلات والقبائل بين طرفي الحدود، وانقطعت منطقة آليان عن مركزها الإداري والسياسي التاريخي مدينة جزيرا بوتان، كما لم يعد بمقدور القبائل الرحل، أي كوجر بوتان، من النزول جنوباً الى براري آليان لرعي قطعان الماشية. في حين ظل السبيل مفتوحاً بحكم الامتداد الجغرافي أمام القبائل البدوية العربية للتمدد شمالاً وصولاً إلى قلب منطقة آليان، لعدم وجود أي حدود سياسية أو عائق جغرافي أمام زحفها.

 8-2 سياسات التعريب

لقد طبقت سياسات التعريب بعد استقلال سوريا مباشرة وتماشيا مع قوانين الدولة وقراراتها الإدارية والسياسية، فقد تم نقل مركز ناحية آليان من قرية ديرونا آغي الى تل كوجر على الحدود العراقية مقابل قرية ربيعة أواسط القرن العشرين. مما دفع أهالي المنطقة بالمطالبة بعودتها (انظر الوثيقة رقم 1 المرفقة، تاريخ 1958). كما تم الاستيلاء على الأراضي جنوب منطقة آليان وخاصة من قبل قبيلتي شمر وطي، وإعطائها بعداً قانونياً بعد عام 1950، عن طريق تسجيل الملكيات بأسماء الملاكين من شيوخ القبائل العربية في السجلات العقارية. حيث استقر دهام الهادي الجربا في قرية تل علو، وكتب العديد من القرى باسمه واسم عائلته وبعض شيوخ شمر. كونه كان متنفذاً وعضواً في البرلمان، وصولاً إلى طرد الفلاحين الكورد من القرية بعد عمل الجرارات وتحول الزراعة إلى المكننة. وقد تم استغلال الهيمنة السياسية العربية على الدولة في أخذ كامل سهول شمال وغرب سنجار لصالح القادمين العرب، بحجة إعمارها، وخاصة المنطقة الأقل خصوبة والتي عرفت بجنوب الرد: “وهي الأراضي الواقعة الى الشمال الشرقي من الحسكة والى الشمال من سنجار. اتجهت انظار المزارعين اليها في عام 1952 وكانت موضع خلاف بين عشائر شمر وطي حيث ادعى كلا الطرفين ملكيته لها. وجرت بين الفريقين منازعات ووقائع أدت الى سقوط ضحايا كثيرة. ومن أجل تقليص النزاع لجأت الدولة الى تقسيم الرد الشمالي الى مربعات متساوية لتوزيعها على تلك العشائر. وقد بلغ عدد المربعات ثلاثة وخمسون، بلغت مساحتها أكثر من نصف مليون من الدونمات. ولكن أبناء العشائر كانوا عاجزين عن استثمار تلك الأراضي الواسعة لفقدان الوسائل المادية من آلات الحراثة والبذار والحصادات. ولهذا عمدت حكومة الشيشكلي إلى إيجارها لمن يملك المال والآلات، أي إلى الرأسمالية الزراعية. وقد تم تأجيرها لمدة ثلاث سنوات بدءاً من عام 1953 ثم جرى تجديد الاتفاق مرة أخرى عام 1956″(حنا، ب ت، ص241)

كما حرصت الحكومات المتتالية على تأمين شروط الاستقرار والتوطين للبدو، خاصة حل أهم مشكلة وهي توفر المياه، وبالتالي أمّنت الحكومات المتعاقبة مناهل وآبار ارتوازية، ووزعت مساحات واسعة من الأراضي على الفلاحين بدءاً بأعوام الستينات من القرن العشرين.

أما في السبعينات من القرن العشرين فقد استكملت عمليات التعريب وأخذت بعداً سياسياً صرفاً مع تطبيق مشروع الحزام العربي، ومصادرة الأراضي من قبل الحكومة وتوزيعها على الفلاحين العرب المستقدمين من حوض الفرات. ولقد شيّدت عدة قرى للمغمورين في منطقة آليان (واحدة في تربسبي، والأخرى بجانب معشوق، تل علو 1، وتل علو 2، الجوادية/ جل آغا. والحمراء غرب رميلان وتمت مصادرة هذه الأراضي من فلاحيي وملاكيي منطقة آليان الكورد.

سياسات الحكومات السورية إضافة الى المتغيرات في الحياة الاجتماعية، التطور التكنولوجي، الفلاحة بالجررات واستخدام الجرافات في إزالة الأحجار، استخدام السماد الكيمياوي زاد من إنتاجية المحاصيل البعلية وخاصة الحبوب، ومن ثم ساهمت في تراجع الزراعات الصيفية بسبب نقص المياه أيضاً، مما سببت تراجع الحياة الفلاحية التقليدية، وضاق الخناق على المجتمع الفلاحي الكوردي في آليان وبدأ أبنائه بالهجرة الداخلية الى القامشلي ومن ثم دمشق العاصمة. في المحصلة حدثت متغيرات اجتماعية عميقة ساهمت في الهجرة من آليان نحو المدن الرئيسية ومن ثم بعد عام 1990 الى كركي لكي – رميلان وساهم أبناءها في توسيع وتأسيس هذه البلدة التي تطورت على حساب قرى آليان التاريخية وخاصة جل آغا وديرونا آغي. وأخيراً حدثت هجرة جماعية الى إقليم كوردستان العراق وأوربا بشكل كثيف بعد سنوات الحرب عام 2011.

9– مجتمع ذات استقلالية اقتصادية  

سر بقاء وتماسك مجتمع آليان منذ أقدم العصور ارتبط باستقلاليته الاقتصادية، فلقد كانت أرضاً منتجة ومجتمعاً نشيطاً، هذه الوفرة استمرت حتى عهود ما قبل السياسات الشوفينية والتمييزية ضد الكورد، ولكن في العهود المتأخرة قبل تعرض المنطقة لاضطهاد سياسي ممنهج فقد كانت أحوال الفلاحين جيدة ويقارب دخلهم دخل الموظف أو العامل المهني في المدن. وكان هذا الازدهار الاقتصادي سبباً للاستقرار الاجتماعي. فقد قدّرنا دخل الفلاح في آليان بالمقارنة مع أقرانهم في مناطق أقل خصوبة وانتاجية، وذلك حسب معدل وسطي مستنبط من دراسات مشابهة: “وكانت حصة الفلاح المرابع في الخمسينات تتراوح عموماً بين 400 الى 500 ل س سنوياً. وقد قدّر عبد الهادي عباس في جريدة البعث 20 -5- 1956 دخل الفلاح المحاصص بمبلغ لا يتجاوز الألف ليرة سنويا، إلا في بعض المناطق وبخاصة المناطق الخصبة والمروية.” (حنا، ص 349) وهذا المبلغ البالغ ألف ليرة يتجاوز دخل الموظف الصغير عهدئذ، كما كان يتجاوز دخل العامل المياوم. وبذلك يمكن الاعتبار أن دخل فلاحي آليان من ذوي الحيازات المتوسطة في خمسينيات القرن الماضي من الدخول الاقتصادية المتوسطة، والجيدة إذا أضفنا إليه المبلغ المتأتي من تربية الماشية أيضاً، والاكتفاء الذاتي ضمن دورة الاقتصاد الريفي.  فلقد كانت هذه الوفرة الاقتصادية أحد أهم أسباب السلم والاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة في منطقة آليان.

10- الاستنتاجات:

 نستشف من السرديات التاريخية المتعلقة بالجزيرة الفراتية عموما ومنطقة آليان خصوصاً، أنه كان للعامل السياسي – الإداري في السهول دورٌ في التنمية السكانية والاستقرار الاجتماعي للعاملين في الفلاحة. هذه الشريحة المنتجة والمؤسسة لعمران الجزيرة الفراتية منذ فجر التاريخ، فوجودها مرتبط مع جملة من العوامل ومتفاعل معها، بما فيه عامل الثقل الديمغرافي، فالحياة الريفية تتطلب مشاركة جماعية لتحقيق التكامل الاقتصادي والوفرة في السلع والخدمات. وقد تحقق ذلك لمجتمع فلاحي كردستان، ضمن رقعة جغرافية مميزة قدمت برهاناً على قدرة المجتمعات الفلاحية للتنمية والاستقرار والعيش بسلام.
إن احترام الفلاحين المنتجين وعدم اللجوء إلى منطق القوة القبلية سواء مع سكان آليان أو المناطق الكردية المجاورة. دعم وعزز ترابط النسيج الاجتماعي في ريف آليان، كما ساهم في نجاح هذا التماسك الفلاحي الصرف اجتماع أسر عديدة متنوعة ومتباينة الأصول القبلية في كل قرية، حيث لم ينتمي كامل سكان أي قرية الى قبيلة واحدة فقط، إلا باستثناءات قليلة.
قصة تقسيم ومعاناة مجتمع آليان تعد نسخة مصغرة من مأساة الأمة الكوردية، فقد توقفت فيها دورة النمو الحضري والإداري والاقتصادي – الاجتماعي بسبب التقسيم الجائر لمجتمعات كوردستان المحلية بين عدة دول مستحدثة، لم تحترم خصوصية هذه المجتمعات التاريخية، بل ساهمت في تدميرها. إن حالة منطقة آليان نموذج وعينة عن مأساة تقسيم وتحطيم العديد من مناطق كوردستان المزدهرة عبر العصور.
كانت المجتمعات الفلاحية مجتمعات وفرة واستقلالية اقتصادية، مما ساهمت في الحفاظ على ثقافاتها المحلية بكافة الأوجه. فيمكن ترجيح الرأي في أن العلاقة العضوية بين التنوع – الوفرة قوية وفاعلة، كما يساهم الإنتاج المحلي الوفير في توفير بيئة للتعايش الاجتماعي والديني.
حياة البداوة هي تجسيد لحياة العوز والحاجة للخيرات المادية، لذلك مجتمعاتها هي عكس مجتمعات الوفرة والتنوع. لدرجة أن ساهمت الغزوات البدوية العربية القادمة من الجنوب في تحطيم البنى الفلاحية المنتجة في آليان بدءا بالقرن التاسع عشر، حتى توجت بسياسة حكومية شوفينية في النصف الثاني من القرن العشرين، أنهت تماماً خصوصية آليان التاريخية بأركانها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

———–

المراجع:

جاك كوفان. الألوهية والزراعة، ثورة الرموز في العصر النيوليتي. تقديم: د. سلطان محيسن. ترجمة: موسى ديب الخوري. دمشق -1999
ميلات. أقدم الحضارات في الشرق الأدنى. ترجمة: د. سلطان محيسن. ومحمد طلب. دمشق – 1990،
فؤاد عبد الرحيم الدويكات. الأحوال الزراعية في إقليم الجزيرة الفراتية في العصر الأموي. المجلة الأردنية للتاريخ واللآثار. المجلد 7. العدد 1، 2013م.
ابي القاسم بن حوقل النصيبي. كتاب صورة الأرض. مكتبة دار الحياة. نسخة معدلة عن طبعة ليدن الأصلية. بيروت لبنان. 1992م
أفرام برصوم. تاريخ طور عبدين. ترجمة: بولس بهنام. بيروت – 1963
إسكندر داؤود. الجزيرة السورية بين الماضي والحاضر، دمشق 1959
د جمال رشيد أحمد. ظهور الكورد في التاريخ. أربيل 2005
ايرينا سميليانسكايا. البنى الاقتصادية والاجتماعية في المشرق العربي على مشارف العصر الحديث. ترجمة: يوسف عطا لله. بيروت – 1989، ص 286
رحلة في البادية ـ من مذكرات: الشيخ يوسف الحايك. الطبعة الأولى سنة – 1936 م. لبنان. ص195
رستم عبدو، بهور جولي، م. حسين يوسف. الطواحين المائية في إقليم الجزيرة السورية. تدقيق علمي: د. آزاد أحمد علي. قامشلي – 2020
عبد الرقيب يوسف. حضارة الدولة الدوستكية – بغداد – 1975     
د. حسن شميساني. مدينة سنجار. بيروت -1983،
د. آزاد أحمد علي، زمن الأنظمة الاستبدادية، (2019) أربيل؛ مركز رووداو للدراسات
د. عبد الله فايز حنا. ملامح من تاريخ الفلاحين في الوطن العربي ونضالهم في القطر العربي السوري، دمشق، دار البعث للطباعة والنشر والتوزيع. المجلد الرابع.
دراسة الحدود الدولية بين سوريا وتركيا. وزارة الخارجية الأمريكية. ترجمة: عمر رسول. مدارات كورد. على الرابط:

https://www.medaratkurd.com/2015/01/06/987/

بيوار ابراهيم. ضرائح الحكايا حوار مع سيدات من آليان. موقع عامودا نت، 71-6- 2003 .على الرابط:

http://www.amude.net/erebi/nerin/bewar-shemse-emina.html

لقاءات منهجية مطولة مع مجموعة من الرواة والشخصيات من أبناء منطقة آليان طوال سنوات: 1992 – 2008

[1] عبدو. الطواحين المائية – ص69

[2]    حسب روايتي خليل محمد وسعدون سيد ياسين، من أهالي القرية

شارك هذا الموضوع على