الإثنين, أبريل 22, 2024

إن لم تستطيعوا إيقاف الزلازل.. فأوقفوا الحرب!

القسم الثقافي
قامشلو/ عبد الرحمن محمد –
لم يكن الزلزال المدمر، الذي ضرب مناطق واسعة من سوريا وتركيا مجرد حدث عابر، ولن يكون، فقد تداعت له دول وحكومات ومنظمات دولية إنسانية، وثقافية وطبيه، لهول الكارثة وعظيم ما تركته من خراب ودمار، وتداعيات اقتصادية وصحية، وخاصة إن هذه الكارثة قد وقعت في مناطق من سوريا، التي تعاني منذ قرابة اثني عشر عاما ظروفاً كارثية جراء ما حل بها من أزمة سياسية، وحروب واقتتال، وخاصة تلك المناطق، التي ترزح تحت وطأة الاحتلال التركي ومرتزقته.
وهكذا يقف الفن واصفا الكوارث، شأنه في ذلك شأن الأدب والعلوم، ولأن المسرح كان أمّ الفنون، وأعرقها وأكثرها تفاعلية وتأثيرا، فقد كان من ضمن المشاركات في نشاطات المؤتمر العام للهيئة الدولية للمسرح (شبكة المسرح في مناطق الصراع) متمثلاً في الرسالة، التي بعث بها مدير مركز التأهيل المسرحي في قامشلو “عبد الرحمن إبراهيم” الخاصة بكارثة الزلزال، الذي ضرب سوريا، وكانت ضمن النشاطات:
“تحية طيبة لكم جميعاً: كُلّفت بكتابة رسالة لوصف الكارثة، التي حلّت ببلدي سوريا، لكنني فشلتُ بإيجاد الكلمات، التي تُعبِرُ عن المأساة التي يعيشها السوريون؛ لذا قررت أن أستنجد بالجثث، التي لاتزال تحت الأنقاض.
قلت لها: إنّ هناك طاولة مستديرة تعقدها شبكة المسرح في مناطق الصراع، وشبكة حقوق الفنانين، وطلبوا مني الكتابة عن مأساتكِ، فلم يفهموا ما قلته لهم!
فقلت: هو مؤتمرٌ دولي، فرفضوا التحدث، ولكنّي أقنعتهم، بعد أن قلت لهم، إنّ من يستمع كلماتكم هم فنانون لا يمتلكون أسلحة، ولا ينوون سرقة وطنكم، ولا زيتونكم.
فقالوا: اكتب إذاً ما نقول:
منذُ عقدٍ من الزمن، والأرض تتزلزلُ تحت أقدامنا، وتبتلعُ أجسادنا الهشة، جرّبنا أصناف الموت كلها… وها نحن نموت بفعل الزلزال.
أخبرهم: أننا حاربنا نيابةً عن العالم أجمع أكبر تنظيم إرهابي (داعش)، وبعد أن قضينا عليه، بدأ الجميع قصفنا، الحكومة تقصف، والمعارضة تقصف، والروس يقصفون، والأتراك يقصفون، نحيا مع الزلازل منذ أمد… كلٌّ لديه سلاح، وقد جرّبه في أجسادنا.
من قال، إنّ الموتى لا يحسّون، نحن نحسُّ ببعضنا… من قال، إنّ الموتى لا يتألّمون، نحنُ نتألّمُ كثيراً… نتألّم عندما ننزفُ تحت الأنقاض، وهم يتفاوضون من أيِّ المعابر الحدودية يمكنهم أن يأتوا لإنقاذنا!!
كلُّ المعابر باتت مغلقة إلّا معابر الجثث، التي تأتي من الطرف الآخر من الحدود؛ أينما وُجِد سوريٌ، فهو مهددٌ بالموت والخذلان.
أخبرهم، كم هو بشع أن يصبح الإنسان مجرد رقم.
لم أستطع إكمال الحديث معهم، فخرجت؛ وإذ بامرأةٍ عجوز تحتضن طفلةً رضيعةً ودموعها شريط متجمد على خديها من شدة البرد، عيناها أخبرتني أن أفراد أسرتها لا زالوا تحت الأنقاض، وهي جالسةٌ تنتظر أن يأتيها أحدٌ ما، من السماء لينتشلَ لها جثث أبنائها، وأحفادها لتدفنهم… ومن رجفة شفاه الرضيعة، فهمت أنّ الجوع أنهكها، وهي تنتظر أمها الميتة تحت الأنقاض، أن تخرج، فترضعها.
يا إلهي…
صديقي العزيز فابيو:
في أيّ بئرٍ من التراجيديا أغرقتني، لم أعد أتحملها.
سأذهب إلى مخيم الشهباء للنازحين من أرضهم، فلي هناك زملاء مسرحيون نصبوا خيمة لنشاطاتهم المسرحية… علّني أجد بعض الدفء هناك.
انظروا يا أصدقائي حتى خيمة نشاطات المسرح أصبحت مركزاً لإيواء المنكوبين من الزلزال، رغم أنهم أصلاً مهجّرون ومحاصرون… ها هم يستقبلون المنكوبين في خيمهم.
قالت لي طفلة من ممثلات المسرح في المخيم، والتي تبلغ أربعة عشر عاماً، الفنانون يمتلكون السلاح، ولكن سلاحهم لا يقتل ولا يُهجِّر الناس، سلاحهم مؤثّر وجميل.
أخبرهم، أننا نريد منهم أن يكفّوا عن صمتهم… نعرف أنهم لا يستطيعون إيقاف الزلازل، فليحاولوا إيقاف الحرب… نحن أيضاً نحبُّ الحياة.
عبد الرحمن إبراهيم/ سوريا”.

​الثقافة – صحيفة روناهي  

شارك هذا الموضوع على