الأحد, أبريل 21, 2024

الدرباسية ماضياً وحاضراً

القسم الثقافي

الدرباسية/ نيرودا كرد

تُعد مدن ونواحي إقليم شمال وشرق سوريا من المدن القديمة نسبيا، حيث يعود بناء بعضها إلى ما يُقارب القرن، ومنها يعود تاريخها إلى أكثر من ذلك، إلا أن هذه المدن لا تزال تُحافظ على عراقتها وأصالتها حتى يومنا هذا.
تُعد ناحية الدرباسية، التابعة لمقاطعة الجزيرة في إقليم شمال وشرق سوريا، من أوائل مدن هذا الإقليم، والتي يعود بناؤها إلى عام 1931، والتي بُنيت أثناء الانتداب الفرنسي لسوريا، بعد استقرار أهلها فيها قادمين من بلدة القرمانية. وقد بُنيت على شكل رقعة الشطرنج وتُقدر مساحة الدرباسية بـ52 هكتاراً. وتقع على الخط الفاصل بين روج آفا وباكور كردستان. كما توجد في الدرباسية بعض المعالم، التي بُنيت في العهد الفرنسي، مثل، صوامع الحبوب، والذي بُنيت عام 1943، ولا تزال موجودة حتى يومنا هذا. وتُقسم ناحية الدرباسية إلى قسمين رئيسيين، وهما الحارة الغربية، والحارة الشرقية.

عنوان المادة أعلاه، “الدرباسية ماضيا وحاضرا” هو عنوان كتاب للكاتب إبراهيم يامين، حيث يتناول الكتاب أبرز المحطات التي مرت بها الدرباسية منذ نشأتها، والتي من المفيد تسليط الضوء عليها كجزء من تاريخ هذه المدينة. في هذه المادة، سنعتمد إلى الكتاب المذكور كأحد مصادر المعلومات، كما أننا سنورد حديثاً لشخصية من أهالي ناحية الدرباسية، عاصرت حقبتين متتالين من تاريخ هذه المدينة.

أصل اسم الدرباسية ومعالمها

هنالك روايتان فيما يتعلق بمصدر اسم الدرباسية، الرواية الأولى، يتألف الاسم من شطرين، الأول مشتق من درب آسيا، أي طريق آسيا، وذلك بعد مرور الجنرالات الفرنسية منها إبان انتدابهم لبلدان آسيا، ولكن حتى اليوم لا توجد أي وثيقة أو مصدر تؤكد صحة هذه الرواية.
أما الرواية الثانية، فتقول: إن الدرباسية كانت أرضا جرداء واسعة، ويعود ملكيتها إلى شخص يُدعى درباس، وهو مؤسس عائلة درباس، التي لا تزال موجودة، وقد قام درباس ببيع هذه الأرض على شكل قسائم، لتُسمى بعدها باسم الدرباسية نسبة لمالكها الأصلي، وهو درباس، وتبدو هذه الرواية أقرب إلى المنطق، والتصديق من الرواية الأولى.

نشأة ناحية الدرباسية

يفتتح الكاتب إبراهيم يامين كتابه بأسماء العشائر التي سكنت الدرباسية في نشأتها، فيقول: تطوق الدرباسية عشيرة الكيكية، وهي عشيرة كردية قوية ذات نفوذ وكثرة عددية تتجاوز حاليا الخمسين ألفاً. ويمتازون بكرمهم وشخصيتهم المميزة، وأخلاقهم، وعاداتهم السموحة والمتطورة.
وحسب العادات العشائرية التي تتميز بها المنطقة، فإنه ينحدر من هذه العشيرة سبعة أفخاذ، وهي: عزيزان – وأومران – وسروخان- ورماكة – وكوسكان – وسمعيلة – وهزكان.
وإلى جانب العشائر الكردية، هناك بعض العشائر العربية أيضا التي سكنت ناحية الدرباسية، وهم: شمر- والبكارة- وحرب- والشرابيين- وبني السبعة- والسادة- والمعامرة. إضافة إلى الأديان الموجودة في الدرباسية، الإسلام والمسيحية، والقصورانية – والمنصوراتية. إلى جانب الشعب الإيزيدي.
كما توجد بعض المعالم الدينية التي تشتهر بها الدرباسية، كجامع خالد بن الوليد، والذي يُعد أقدم جامع في ناحية الدرباسية، وتلاه بناء خمسة جوامع أخرى، ليبلغ اليوم عدد جوامع الدرباسية ستة جوامع. كما توجد في ناحية الدرباسية ثلاث كنائس أيضا، وهي: كنيسة مار آسيا الحكيم، والتي تُعد من أقدم الكنائس في الناحية، ويعود بناؤها إلى عام 1935. أضف إلى ذلك، وجود بعض العائلات الأرمنية، التي هجرت من باكور كردستان إبان المجزرة، التي ارتكبتها السلطات العثمانية بحق الأرمن في تلك المنطقة عام1915.


وتتوزع هذه العشائر على مركز ناحية الدرباسية، والقرى التابعة لها، ومنها: القرمانية، والتي تحولت فيما بعد إلى بلدية – الغنامية – وجطل – وكركند – وكربتلي- وتل كمبر- والخاص – وتل أيلول – وبابا محمود – وبركفرى – وخربة غزال – والسيحة، وغيرها من القرى.

الزراعة مهنة الأجداد وميراث الأحفاد

تشكل الزراعة في الدرباسية عصب الحياة، لأنها تمتاز بأراضيها الخصبة ومزارعيها المخضرمين في الزراعة، من الفدان، وحتى المكننة الحديثة. فما بين عامي 1948 و1954، اكتملت مزارع أهالي الدرباسية كل حسب طاقته، وباشروا بالتوسع، حيث اتجهوا غربا إلى حدود سرى كانية، وتحديدا منطقة الباشات، أحفاد إبراهيم باشا، وأراضي أصفر ونجار، وأراضي عدوان، فمنهم من تملك ومنهم من استأجر، ثم توجهوا شرقا إلى حدود مدينة عامودا، وجنوبا إلى قريب بلدة السيكر، وبهذا الشكل توسع الريف التابع لناحية الدرباسية، ليستوعب هذه الكثافة السكانية. فتحتوي اليوم ناحية الدرباسية والقرى التابعة لها 2000 بئر ارتوازي.

شتات أهالي الدرباسية

في أحد فصول كتابه، يتحدث الكاتب عن موسم زراعة عام 1955، حيث كان من المواسم السيئة التي حلت على أهالي الدرباسية، والذي لا يزال يُذكر حتى يومنا هذا، للضرر الذي لحقه بالأهالي، فيقول الكاتب: في عام 1955 مر بالبلاد موسم من أسوأ المواسم الزراعية، حيث كانت سنة قحط ومحل، ولما كان أهالي ناحية الدرباسية من كبار المزارعين في البلاد ساءت أحوالهم بشكل كبير، فبدؤوا يتجهون إلى الهجرة طلبا لحياة أفضل والرزق والعيش، ومنهم من هاجر من أجل التعليم، حيث لم تكن المدارس موجودة في ناحية الدرباسية سوى للمرحلة الابتدائية. فقد توجه البعض إلى الحسكة، والبعض الآخر إلى سرى كانية، ومنهم إلى حلب.


كما أن ناحية الدرباسية شهدت في تاريخها بعض الأحداث المأساوية، وأبرزها، كان حريق سجن الحسكة في عام 1993، والذي راح ضحيته 23 شخصا من أهالي ناحية الدرباسية، وكانت الدرباسية في تلك الفترة قد غاصت بالحزن والألم، وفتحت بيوت التعازي أنحاء الدرباسية بشكل محزن وأليم. وكذلك قدمت الدرباسية عشرات الشهداء والمعتقلين أثناء انتفاضة قامشلو، التي اندلعت في 12آذار عام 2004.

الدرباسية اليوم

تُعدُّ ناحية الدرباسية من المدن المهمة والمتميزة في مقاطعة الجزيرة، حيث تُعدُّ من المناطق الأولى في زراعة القمح والقطن، وهما زراعة ناجحة بشكل منقطع النظير.
تعداد أهالي ناحية الدرباسية يتجاوز الستين ألفا، ويعمل غالبيتهم في الزراعة، إلى جانب الصناعة وصبغ الجلود، وكذلك في الصياغة كالفضة والذهب.
تم هدم غالبية المنازل التي كانت مبنية من اللبن والطين، لتحل محلها أبنية سكنية متعددة الطوابق، وتحولت بعض أراضي الكروم فيها إلى فيلات حديثة، وذلك بعد زيادة التعداد السكاني فيها. وقد اُفتتحت فيها المدارس بمختلف مراحلها، كالابتدائية والإعدادية والثانوية.
كما لعبت الدرباسية دورا محوريا في ثورة التاسع عشر من تموز في شمال وشرق سوريا، حيث قدمت آلاف الشهداء والجرحى، وقد بُني فيها مزار الشهيد رستم جودي الواقع في قرية بركفرة غرب ناحية الدرباسية.


كما افتتحت فيها العديد من المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، والتي تقوم على تحسين ظروف المدينة وتلبية احتياجات مواطنيها.

شاهد على العصر

لا تزال تعيش في ناحية الدرباسية العديد من الشخصيات التي عاصرت حقب مختلفة من تاريخ هذه المدينة. ومن أبرز هذه الشخصيات هو عبد الباقي علي، مدرس الفلسفة، والذي ولد في الدرباسية عام 1942.


وفي حديث لصحيفة روناهي، يقول عبد الباقي علي: “لقد شهدت ناحية الدرباسية تطورا مُلفتا على الأصعدة كافة، ففي السابق لم يكن في الدرباسية أطباء ولا صيادلة، كنا نضطر إلى السفر إلى قامشلو، وأحيانا إلى حلب للعلاج، كما أن الأدوية كانت تعتمد على الأعشاب والطب العربي، نتيجة لعدم وجود صيدليات لبيع الأدوية. أما اليوم يوجد في الدرباسية عدد كبير من الأطباء والصيادلة، إضافة إلى وجود مشفيين في المدينة، أي أن المدينة شهدت تحسنا طبيا ملحوظاً”.
وأضاف: “على الصعيد الاجتماعي، كانت هنالك ألفة بين أهالي الناحية، فهم يتشاركون معا السراء والضراء، فنرى المسيحي يقف إلى جانب المسلم، والكردي إلى جانب العربي، والعكس بالعكس، ولا يمكننا أن نقول إن هذه الألفة أُزيلت، ولكن نتيجة الانشغالات، التي ينشغل بها الأهالي، فإنها لم تعد كما كانت من قبل”.
وزاد: “مع الأسف، هناك تراجع للوضع الاقتصادي اليوم، وهذا حال البلد بشكل عام، وليست الدرباسية وحدها، حيث في السابق كان هناك اعتماد على الذات، سواء كان من ناحية تربية المواشي أو الدجاج أو في زراعة البساتين. ولعب الحصار المفروض على سوريا عامة وعلى إقليم شمال وشرق سوريا في تعميق المشكلة الاقتصادية وتراجع المستوى المعيشي ودخل الفرد، رغم المحاولات الحثيثة من قبل الإدارة الذاتية لتقديم خدمات أفضل وتحسين الدخل، ولكن اليوم كل ذلك قد تراجع، وبات اعتماد الأهالي كله على السوق وحده، مع ما يُرافق ذلك من ارتفاع أسعار وتراجع القدرة الشرائية للناس”.
عبد الباقي علي أنهى حديثه: “إن مدينة الدرباسية ذات تاريخ عريق، فقد مر عليها أحداث ووقائع عديدة، بعضها أليم وبعضها مفرح، ولكن بالرغم من كل ذلك، حافظت ناحية الدرباسية على تناغم وتآلف نسيجها الاجتماعي، الذي عُرفت به في المنطقة، حيث نستطيع القول: إن الدرباسية هي أكثر المدن التي تضم شعوب مختلفة، ولكنها تعيش في ألفة ووئام حتى يومنا هذا”.

شارك هذا الموضوع على