دجوار أحمد آغا
المدخل
تُعد الفنانة الكردية الراحلة عيشة شان من أبرز رموز الغناء الكردي التقليدي، وبصوتها الحزين المشبع بالعاطفة الجياشة، استطاعت أن تنقش لنفسها مكانة فريدة في وجدان المجتمع الكردي. فهي ليست مجرد مطربة؛ بل ذاكرة حيّة حملت على كتفيها إرثاً موسيقياً ظلّ محاصراً لعقود، فحوّلته بصوتها إلى تراث مسموع وصل إلى كل بيت كردي.
الميلاد في آمد… بداية الحكاية
مقالات قد تهمك
وُلدت عيشة شان عام 1938 في مدينة آمد (ديار بكر)، أهم معاقل الثقافة الكردية في باكور كردستان. نشأت في بيئة شعبية بسيطة، لكن الغناء كان جزءاً من الحياة اليومية في الأزقة والأعراس والمناسبات، فكانت النسوة يتبادلن الأغاني والمواويل التي تحمل تاريخاً ووجعاً مكبوتاً. في تلك البيئة تشكّل صوتها، وتحوّل الغناء من هواية طفلة إلى احتراف امرأة ستصبح رمزاً خالداً لشعبها.
نشأة الصوت… من البيوت الشعبية إلى الإذاعة
بدأت عيشة شان الغناء في المناسبات المحلية، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى فضاء أوسع. كان صوتها مختلفاً: جهوريّاً لكنه رقيق، يحمل شجناً متوارثاً من أمهات الأغنية الشعبية. لفت حضورها اهتمام الموسيقيين في المنطقة، فبدأت رحلتها الإذاعية في الستينات، حين كانت الأغنية الكردية مقموعة ومحظورة في تركيا. ومع ذلك، استطاعت تسجيل أغنياتها في أرمينيا وفي أماكن أخرى كانت تتيح مساحة للغناء الكردي. لم تكن الميكروفونات آنذاك متاحة لامرأة كردية بسهولة، لكن ثقتها وصمودها سمحا لها أن تشق طريقاً في مساحة ذكورية محاصرة سياسياً ومجتمعياً.
صوت المرأة التي كسرت الصمت
كانت عيشة شان واحدة من أوائل الأصوات النسائية التي خرجت من القبر المنزلي إلى الحياة العامة. سمحت للمرأة الكردية أن تكون مبدعة وفاعلة، لا مجرد متلقٍّ. غنّت عن الحب والحنين، لكنها أيضاً غنّت عن الألم والاغتراب والقهر، لتصبح أغنياتها صوت نساء لم يستطعن الكلام. في زمن كان فيه الظهور الفني للمرأة مغامرة اجتماعية صعبة، كانت عيشة شان تتنفس على المسرح وتغني بزيها الكردي: إن المرأة ليست ظلاً، بل مصدراً للضوء الفني.
الأغنية الكردية بين الشفاهية والإذاعة
شكلت أغانيها جزءاً من سلسلة طويلة من التراث الشفهي الكردي. قبل ظهور التسجيلات الواسعة، كانت الأغنية تنتقل عبر الألسن وبالذاكرة. لكن عيشة شان أنقذت هذا التراث حين وضعته على الشريط والصوت الحافظ. أغنيتها الشهيرة Lo Lawo تحولت إلى نشيد شعبي يرافق الفرح والحزن والأعراس، فيما أصبحت Dayê Lo Dayê جزءاً من مشهد الأمومة الكردية في الذاكرة الجماعية. لم يكن صوتها فقط ناقلاً للحن؛ بل كان حاملاً لسردية شعب مقسّم بين أربع دول، محروم من أبسط حقوقه، والتكلم بلغته، فأصبح الفن شكلاً من المقاومة والصمود.
حضور فني متألق رغم القيود
على الرغم من تضييق السلطات التركية على الثقافة الكردية، فإن صوت عيشة شان تمكن من الوصول إلى جمهور واسع داخل تركيا وخارجها. كان الكرد ينقلون تسجيلاتها سراً، وتنتشر ألبوماتها عبر نسخ بسيطة تُنتج على نحو شعبي. داخل تركيا كانت الأغنية الكردية محرمة في الإعلام الرسمي، لكنها كانت تُبث في الإذاعات الأجنبية، لتعود عبر الأشرطة وتغدو جزءاً من الوعي الكردي بذاته. وهكذا، كانت عيشة شان رمزاً لفن محاصر لكنه مقاوم.
الهجرة والتغريبة… صوت الوطن في المنفى
انتقلت عيشة شان للعيش في أوروبا في مراحل لاحقة، مثل غيرها من الفنانين الكرد الذين اصطدموا بالمنع الثقافي. بقيت قريبة من جمهورها في الشتات، تغني لهم عن الأرض والعودة والإخلاص، وترافقهم في حفلات صغيرة حيث كان الجيل الجديد يتعلم منها ما يعنيه أن تكون الأغنية ذاكرة وطن. لم تكن غريبة عن الغربة نفسها؛ إذ حملت صوت المنفيين وعبرت به إلى أماكن لم يكن للكرد حضور ثقافي معلن فيها.
الرحيل الذي لم يطفئ الضوء
رحلت عيشة شان في 18 كانون الثاني 1996 في المنفى بعد حياة فنية طويلة ومريرة. ودفنت في مدينة إزمير التركية، بعيداً عن آمد التي رأت فيها النور لأول مرة. لكن المفارقة أن رحيلها كان بداية جديدة لصوتها، فقد بدأت إعادة نشر تسجيلاتها على نطاق واسع، وظهر تأثيرها على جيل جديد من الفنانين والفنانات الذين يقلدون النبرة الشجية لصوتها أو يستلهمون ملامحها الحزينة.
إرثٌ يتجاوز الفن
إن تأثير عيشة شان لا يكمن فقط في عذوبة وجمال صوتها الشجيّ، بل في قدرتها على جعل الأغنية الكردية مساحة للهوية والاعتراف. كانت مدرسة للغناء الكردي، تعلم منها الآخرون كيفية شدّ الجملة اللحنية وإيقاع الفلكلور، وكيف يكون الصوت حاملاً للحكاية لا مجرد أداة طرب. كما أن تأثيرها النسوي كبير؛ فقد فتحت الباب أمام المرأة لتكون صانعة ثقافة، لا مجرد موضوع لها.
ذاكرة لا تموت
بعد ما يقارب ثلاثة عقود على رحيلها، لا تزال أغاني عيشة شان تتردد في كل بيت كردي، وكأنها جزء من الحياة اليومية. وفي الأعراس والمهرجانات الشعبية، يعلو صوتها كأنها لم تغادر. ليس لأنها صاحبة أداء جميل فقط، بل لأنها غدت صوت أمة تبحث عن ذاتها، وعن حقها في أن تغني بلغتها وتروي وجعها وذاكرتها. عيشة شان لم تمت؛ فهي حاضرة كلما انطلق لحن كردي عتيق، وكلما رفعت امرأة صوتها متحدية الصمت، وكلما تذكّر الكرد أن للأغنية روحاً تحفظهم من العدم.
صحيفة روناهي
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=81550






