الإثنين, أبريل 22, 2024

العوائد السياسية لتقارب الرياض مع دمشق

آراء

أحمد رحال

كثيراً من التسريبات والتخمينات طالت ملف العلاقات بين الرياض ودمشق خلال السنوات الخمس الأخيرة، وكثيراً من تلك التسريبات المتعلقة بلقاءات الجانبين، وإن كان نظام الأسد يقف خلفها، كانت تتأكد حقيقتها فيما بعد بأنها حصلت.

منذ ثلاث سنوات جرى الحديث عن لقاء استخباراتي، تم بمساعدة عاصمة عربية، حيث التقى اللواء علي مملوك، مستشار الرئاسة السوري الخاص لشؤون الأمن ومدير مكتب الأمن الوطني، بمسؤولين سعوديين بالعاصمة الرياض، ورغم النفي حينها من قبل البعض، لكن اللقاء عُقد وثبت حصوله فيما بعد، لكن يبدو أن نتائج اللقاء المتوقعة من الرياض لم تعكس الأهداف والتوقعات، ثم عقدت لقاءات أخرى كان إحداها في اجتماع عربي علني بين اللواء حسام لوقا الذي أصبح مسؤولاً عن ملف العلاقة بين المملكة العربية السعودية وسوريا (بإشراف من اللواء علي مملوك) والفريق خالد بن علي بن عبد الله الحميدان الذي يرأس الاستخبارات السعودية العامة واللقاء جاء على هامش “المنتدى العربي الاستخباري” في العاصمة المصرية، ثم في بداية ديسمبر/كانون الأول 2022 كانت هناك زيارة أخرى للواء لوقا إلى العاصمة الرياض عبر مطار بيروت، واستمرت لأكثر من ثلاثة أيام، ويبدو أنها أحدثت خرقاً في تقدم عملية المصالحة أو التطبيع أو التيسير بمختلف الصفات التي تريد الرياض إسباغها على العملية.

لكن كل المحاولات لم ترسم طريقاً خالصاً لمصالحة سعودية سورية، أو عربية سورية، لأن التدخل الإيراني بمفاصل الملف السوري كان يُشكل نقطة ارتكاز متخالف عليها بين المتحاورين، وبنفس الوقت كانت ما تزال ورقة ضغوط العقوبات الأمريكية تُرخي بظلالها على أية نتائج محتملة لتلك اللقاءات.

مع التخلي الجزئي الولايات المتحدة عن حلفائها في الخليج، ومع سحب واشنطن لمنظومات الدفاع الجوي العاملة بالخليج (منظومة ثاد ومنظومة باتريوت)، والخلافات الأمريكية- الخليجية- السعودية حول ملف إيران وحرب اليمن وحول الحرب الروسية_ الأوكرانية، والأزمة التي تفجرت بين واشنطن والرياض بشأن أسعار النفط في منظومة أوبك، واتهام واشنطن للرياض باتخاذ إجراءات من شأنها دعم الموقف الروسي، ومن ثم رفض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرد على أكثر من اتصال هاتفي من الرئيس الأمريكي جو بايدن، بدأنا نتلمس تغيراً استراتيجياً بمنحى السياسة الخارجية للمملكة، توّجت بالإعلان من العاصمة بكين، مطلع آذار/مارس الفائت، عن ورقة تفاهم سعودية_ إيرانية، توضع موضع التنفيذ بعد ستين يوماً من إعلانها.

اللقاء السعودي الإيراني يعني النقاش والتفاوض والتفاهم على عدة ملفات سياسية وعسكرية, صحيح أنها ليست على مستوى واحد من الاهتمام لكلا الطرفين لكنها بالتأكيد كانت جميعها على طاولة النقاش، من الملف اليمني إلى الملف السوري إلى ما يحدث في لبنان وقد يكون ملف العراق حاضراً في تلك النقاشات، ولن يغيب عن النقاش أيضاً الوضع الأمني في مياه الخليج وبحر العرب وخطوط التجارة العالمية وتموضع القواعد الأمريكية في الخليج. كلها ملفات هامة تهم طرفي التفاوض السعودي والإيراني وكانت حاضرة بمفرداتها العامة وببعض التفصيل بين المتفاوضين.

معروف تماماً أنه لا يمكن وضع الملف السوري بمرتبة الملف اليمني بالنسبة للسعودية، نظراً لما تمثله الحرب الدائرة فصولها على الأرض اليمنية من تهديدات للأمن القومي السعودي وما انعكست مجرياته من آثار على المنطقة، خاصة عندما تعرضت منشآن أرامكو لهجمات صاروخية عرضت أجزاء منها للعطل والضرر وتوقف الإنتاج، الهجوم الذي أشارت كل أصابع الاتهام فيه لإيران، لكنه نُسب إعلامياً للحوثيين.

في عملية التبرير، تقول الرياض، حتى الآن، إن ما يحصل بخصوص التقارب السعودي_ الأسدي ما هو إلا عملية تيسير لفتح قنصلية وتقارب دبلوماسي خدماتي إنساني، وقد تكون فيه إعادة عمل للسفارتين في البلدين بقصد تيسير أمور أكثر من 2.7 مليون سوري يتواجدون على الأراضي السعودية ما بين مقيم وزائر، وهؤلاء حُرموا من كل الوثائق التي يحتاجونها بدول اللجوء أو الإقامة نظراً لغياب البعثة الدبلوماسية السورية عن الرياض، أو لتعذّر الوصول لبقية البعثات بالخليج نظراً لارتفاع كلفتها المادية أو للاستغلال الذي تمارسه بعض تلك البعثات لجني مزيد من الأموال من السوريين المرهقين أصلاً من الناحية المادية، وبشق آخر يخدم هذا التقارب موضوع إيصال المساعدات الإنسانية لمستحقيها من الشعب السوري.

لكن المتابع للسياسة السعودية مؤخراً يلحظ أمرين اثنين: الأول أن المملكة لم تعد تأخذ الموقف الأمريكي بعين الاعتبار إزاء أي ملف سياسي أو عسكري، بل باتت تعالج الأمر من منظور خليجي_ سعودي، وهذا التفرّد السعودي يأتي بعد سلسلة خيبات عانى منها الخليج العربي والمملكة من قرارات أمريكية وتصرفات عكست مصلحة أمريكية خالصة بعيداً عن أي اهتمام بمصالح الحلفاء، ووجدنا هذا الأمر بالاتفاق النووي الموقع بين إدارة أوباما وإيران الذي أبطله الرئيس ترامب، ووجدناه في رفع الحوثيين عن لوائح الإرهاب من قبل إدارة الرئيس بايدن، ووجدناه بشكل أوضح في عملية وقف الدعم العسكري الأمريكي للجيش السعودي لبعض الأنواع من الذخائر أثناء الحرب مع الحوثيين، وكان واضحاً بوصف واشنطن لكل ما يحصل باليمن على أنها حرب أهلية وحرب بالوكالة، دون أي اكتراث لوضع الحليف السعودي، إضافة لملفات أخرى تعاملت معها واشنطن بمنتهى الاستخفاف بأمن المملكة ما أغضب الأخيرة.

الأمر الآخر، أن المملكة وانطلاقاً من مشروع “نيوم” 2030 الذي وضع أسسه الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، والذي يرسم استراتيجية سعودية اقتصادية تجعل من المملكة نداً أو بديلاً عن مركز “جبل علي” في الإمارات المتحدة وكامل موانئ الإمارات، ويجعل من المملكة العربية السعودية مركزاً تجارياً يحتل المرتبة الأولى بالشرق الأوسط وبالخليج العربي، ولتحقيق تلك الأهداف فالاقتصاد بحاجة لاستقرار وهدوء وأن تكون المنطقة بعيدة عن الحروب, فرأس المال جبان يغادر المناطق الساخنة، ولتأمين ذلك الاستقرار لابد من اللقاء والتفاهم مع طهران برغم خطورته.

الملف السوري يشكل اهتماماً ثانياً أو ثالثاً بسلم أولويات السعودية، لكن يأتي على رأس قائمة الاهتمام الإيراني، نظراً لما تشكله سوريا من أهمية لمشروع ولاية الفقيه من الناحية السياسية، ونظراً للموقع الجغرافي الذي يمنح سوريا مكانة درة التاج بعقد الهلال الفارسي الذي ترسّخه إيران على الجغرافية العربية من طهران إلى بغداد إلى دمشق فبيروت، وقد يلتف ليعبر عمان ويحط رحاله في صنعاء، بتطويق لكامل المنطقة ووضع أقدام إيرانية راسخة على أكثر من جبهة وأهمها الجبهات القريبة من إسرائيل.

أيضاً، المملكة العربية السعودية وإيران كانتا ترقبان ملف المصالحة التركية_ الأسدية وكلاهما يريد لهذا الملف أن يتم عبرهما لا من خارج إرادتهما، لذلك اعتبرت عملية تعطيل وإفشال اللقاء بين الأسد وأردوغان تمت بأصابع إيرانية خفيه لم تغضب الرياض، وبتلك الأجواء وجدنا محاولة عربية أرادت جس نبض دمشق من جملة مطالب عربية تنتظر بعض العواصم العربية استجابة دمشق لها لتأمين عودتها للحضن العربي ولمقعدها في الجامعة العربية الذي حُرم منه نظام الأسد منذ بداية الثورة السورية بعد رفضه تطبيق بنود المبادرة العربية للحل في سوريا.

الزيارات واللقاءات التي عقدت بين وزراء خارجية الأردن ومصر مع نظيرهما السوري فيصل المقداد لم تأت بنتيجة، والزيارة التي قام بها الأسد لكل من عُمان والإمارات لم تصل لنتائج ملموسة، ومع اقتراب القمة العربية المقررة بالرياض خلال الأشهر القليلة القادمة، كان لابد من جس نبض عربي أخير لمزاج دمشق، لكن الجلسة الأولى من عملية جس النبض العربي التي حصلت بالقاهرة التي استقبلت وزير خارجية الأسد فيصل المقداد لم تحقق المطلوب بل انعكست موقفاً مصرياً رافضاً لعودة الأسد لمقعده بالجامعة العربية، ويبدو أن الإجماع العربي أراد منح نظام الأسد فرصة أخرى؛ فتقرر عقد لقاء غير رسمي تشاوري لوزراء دول الخليج على مائدة سحور سعودية في مدينة جدة، يرعاه الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية وبحضور وزراء كلّ من مصر والعراق والأردن، واتفق أن يسبق اللقاء منح فرصة جديدة للأسد عبر دعوة المقداد للرياض، ورغم أن البيان الختامي لزيارة المقداد حمل من العبارات الدبلوماسية الكثير من المفردات، لكنه عكس جواً رافضاً لعودة نظام الأسد للجامعة العربية، والسبب المحتمل يعود لرفض دمشق تنفيذ المطالب العربية بعد أن اعتبرتها دمشق تدخلاً بالشؤون الداخلية لسوريا، ناسياً أو متناسياً (نظام الأسد) أن إدخال إيران على سوريا ونشرها لميليشياتها وإنتاجها للمخدرات قد ضرب كل الأمن العربي بمقتل، وتسبب باضطرابات وأدى لعدم استقرار الدول العربية وكامل منطقة الشرق الأوسط.

زيارة وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان السريعة لدمشق والتي تأخذ طابعاً بروتوكولياً كرد لزيارة نظيره المقداد للرياض، قد لا تكون مهمة من حيث النتائج، لكنها حاولت أن تضفي جواً من الهدوء تريده الرياض التي تنتظر انقضاء الستين يوماً التي منحتها السعودية لإيران كمرحلة انتظار لاتخاذ طهران إجراءات تطمئن المملكة, وبالتالي ليس من صالح المملكة تعكير الأجواء بصدام جديد مع دمشق، بل أرادت جعل بيانات تلك اللقاءات مظلة لعودة التمثيل الدبلوماسي بين البلدين كخدمة للسوريين ولترك قناة اتصال قد تحتاجها الرياض يوماً مع دمشق.

بشكل عام لا يمكن وصف ما يحصل من انفتاح سعودي على أنه انفراجة للقضية السورية، ولا يمكن وصفه بالتطبيع السعودي – الأسدي، لأكثر من سبب، منها عدم قدرة الرياض على تجاوز العقوبات الأمريكية المفروضة على دمشق، فيما يقابل ذلك رغبة سعودية بعدم تعكير الأجواء مع إيران، وبالتالي قد يكون التقارب من عدمه مرهوناً بنهاية فترة الاختبار لورقة التفاهم السعودي – الإيراني، ومرهوناً من جانب آخر بقدرة الأسد على الاستجابة للطلبات العربية فيما خص خروج الميليشيات المسلحة من أراضيه ووقف تدفق المخدرات عبر حدوده، وقد يكون للأمريكان والغرب دور لاحق فيما لو صعدت واشنطن من لهجتها الرافضة لأي عملية تطبيع مع الأسد.

المصدر: نورث برس

شارك هذا الموضوع على