السبت, يوليو 13, 2024

انتخابات البلديات.. ضروراتها والمواقف المختلفة منها

منبر التيارات السياسية (بيانات)

-1-

في خطوة هامة نحو بناء المؤسسات الديمقراطية ضمن الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال شرق سوريا – روجآفاي كردستان، أعلنت المفوضية العليا للانتخابات عن إجراء انتخابات للبلديات بتاريخ 11/6/2024 في جميع مناطق الإقليم المؤلف من /7/ مقاطعات، وإثر ذلك وعلى المستوى الداخلي فقد ظهرت عدة مواقف من هذه الانتخابات، منها مواقف التأييد وإعلان المشاركة، وفي هذا الإطار فقد تشكلت العديد من القوائم الانتخابية، وبدأت هذه الكتل الانتخابية استعداداتها للعملية الانتخابية، بما في ذلك إقامة المهرجانات الانتخابية؛ ومنها مواقف عدم المشاركة مع ترك الحرية لأنصارها بالمشاركة في التصويت، والموقف الثالث هو موقف المقاطعة ومحاربة هذه الانتخابات ببيان، وكان هذا هو موقف المجلس الوطني الكردي /ENKS/.

وأما على المستوى الخارجي، مستوى الدول التي تقتسم كردستان والمستوى الأمريكي والأوروبي، فقد أعلنت حكومة دمشق (النظام) موقفها العدائي منها، واعتبرت هذه الانتخابات موقفاً انفصالياً، وأما تركيا فقد اعتبرت هذه الانتخابات بمثابة تأسيس كيان انفصالي للكرد على حدودها الجنوبية، وأعلنت عداءها لهذه الانتخابات لأنها تهدد أمنها القومي على حد زعمها، وهددت بالعدوان على مناطق الإدارة الذاتية إذا تمت هذه الانتخابات، وكذلك كان موقف المعارضة السورية وبشكل خاص موقف الائتلاف السوري، وكان الموقفان الإيراني والعراقي مشابهاً للموقف السوري رافضاً وعدائياً، وأما الولايات المتحدة فقد أعلنت على لسان مسؤول في خارجيتها بأن هناك شروط يجب أن تتوفر في هذه الانتخابات، منها أن يشارك في الانتخابات جميع سكان الإقليم، وأن تكون شفافة، وأن هذه الشروط غير متوفرة فيها، ورأت أن هذه الانتخابات يجب أن لا تتم الآن، وبالطبع فإن الموقف الأوروبي مشابه للموقف الأمريكي مع وجود بعض التباينات، وجدير بالذكر أن موعد هذه الانتخابات كان يسبق موعد انتخابات النظام السوري لمجلس الشعب التي ستجري في 15/7/2024، ويسبق كذلك موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستجري في شهر تشرين الثاني من هذا العام، والرئيس الأمريكي وفريقه الانتخابي، بل كل الولايات المتحدة مشغولون بكليتهم بهذه الانتخابات.

-2-

الانتخابات البلدية عمل مهم جداً، وبخاصة في البلدان المتقدمة، لأن البلديات تقوم بأعمال تنظيم المدن والبلدات ونظافتها وحماية البيئة وتنظيم الحدائق، وتقدم خدمات كثيرة تتعلق بتحسين ظروف معيشة المواطنين، وتأمين المستلزمات الضرورية كالماء والكهرباء والخبز والطرق وغيرها وهي خدمات ضرورية لا بد منها في الحياة العصرية، وبسبب أهمية هذه الانتخابات تقدم الأحزاب شخصيات مهمة علمية واجتماعية محبوبة من الشعب، فمثلاً جاك شيراك خرج من بلدية باريس إلى رئاسة جمهورية فرنسا، وخرج أردوغان من رئاسة بلدية استنبول إلى رئاسة الجمهورية في تركيا، إضافة إلى أهميتها السياسية البالغة بكون هذه الانتخابات مقياس لقوة الأحزاب السياسية وجماهيريتها ومدى قبول الشعب لها، وكذلك مقياس لقوة المجتمع المدني ولقوة الحكومة والمعارضة وشعبيتهما، والكل راقب الانتخابات البلدية في تركيا منذ أشهر وكيف أنها زلزلت عرش أردوغان وحزبه الحاكم، وبكلمة مختصرة يمكن القول إن هذه الانتخابات تعكس إرادة الشعب.

لكل تلك الأسباب فإن الانتخابات البلدية الحالية في إقليم شمال وشرق سوريا – روجآفاي كردستان ترتدي أهمية كبيرة من النواحي السياسية والاجتماعية والخدمية، فمن الناحية السياسية أن هذه الانتخابات ترسخ الإدارة الذاتية بكونها كيان سياسي في مرحلة مهمة من تاريخ تطور سوريا، إدارة ذاتية تستند إلى إرادة الشعب، يدير فيها الشعب نفسه بنفسه، وتتيح للشعب الكردي ولجميع المكونات الأخرى في نطاق الإدارة الذاتية من العرب والسريان والأرمن والتركمان والآشوريين والشيشان والشركس أن يعبروا عن أنفسهم بشكل حر وديمقراطي، وتؤكد على ضرورة أن يتمتع الشعب الكردي بإرادته الحرة بحقوقه القومية والديمقراطية في سوريا ديمقراطية، تعددية، لامركزية سياسية، ومن الناحية الخدمية فهي تؤسس لبلديات تقوم بخدمة الشعب وتحسين ظروف معيشته، إضافة إلى أنها بداية لبناء المؤسسات الديمقراطية التي طالما حرم منها الشعب السوري بعامة والشعب الكردي بخاصة.

بناء على ما تقدم فإننا ندعو جماهير شعبنا في إقليم شمال وشرق سوريا – روجآفاي كردستان إلى المشاركة بكثافة في هذه الانتخابات ومساندة ممثليها بقوة لأنه عمل حضاري يخدم جميع المكونات بكل أطيافها، بالإضافة إلى أنها ممارسة ديمقراطية تعمق حماية المكاسب والإنجازات التي حققها شعبنا.

-3-

نحن نفهم موقف تركيا والنظام السوري، كما نفهم موقف إيران والعراق على اعتبار أنها تقتسم كردستان ولا تقبل أي تطور في أي جزء من كردستان يقع في خدمة قضية الشعب الكردي، ونفهم كذلك موقف ما يعرف بالائتلاف السوري المعادي على طول الخط لتطلعات الشعب الكردي، ونفهم أيضاً الموقف الأمريكي الذي يحاول في هذه المرحلة إرضاء تركيا وثنيها عن القيام بأي عمل عسكري في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا – روجآفاي كردستان والتداعيات التي يمكن أن تترتب عليها، كما نفهم أيضاً بأن الولايات المتحدة وأوروبا لن تتخليا عن تركيا العضو في حلف الناتو، ولن تسمحا بذهابها باتجاه روسيا والصين، وأن مشكلتهما هي مع النظام الحالي في تركيا، نظام أردوغان، وأنه من الممكن أن يرحل هذا النظام في أي وقت، وأما تركيا كدولة فستبقى صديقة وموالية لهما.

وأما بالنسبة لموقف المجلس الوطني الكردي فكنا نأمل أن لا يكون بمقاطعة هذه الانتخابات تحت أية حجج كانت، ولقد كان عدم المشاركة وترك حرية التصويت لأنصاره أفضل للمجلس وللشعب الكردي، لأنه وفي النهاية وبجميع المقاييس أن هذه الانتخابات ستؤدي في المحصلة إلى التأسيس لبناء مؤسسات ديمقراطية ليس انتخابات البلديات بأولها، ولأن بناء هذه المؤسسات المنتخبة هي في المقام الأول والأخير أحد أهداف شعبنا وحركته السياسية، ولنتذكر أننا جميعاً أيدنا استفتاء عام 2017 في إقليم كردستان العراق كحاجة قومية كردية وكردستانية بالرغم من أن الولايات المتحدة وجميع الدول التي تقتسم كردستان، وبما في ذلك المعارضة العراقية قد رفضت ذلك الاستفتاء واتخذت منه مواقف عدائية، ولم تقل أية جهة كردية أن ذلك الاستفتاء يجب أن لا يتم بالنظر إلى الرمزية التي يتمتع بها ذلك الاستفتاء، وبالرغم من أن استفتاء عام 2017 والانتخابات البلدية في إقليم شمال وشرق سوريا – روجآفاي كردستان لا يرتديان نفس الرمزية فإنه يمكننا القول أن هذه الانتخابات البلدية تأتي كخطوة على طريق بناء المؤسسات الديمقراطية كحق لشعوب هذه المنطقة في التمتع بحريتها وبقراراتها من أجل التعبير عن نفسها وتحسين ظروف حياة ومعيشة هذه الشعوب، ولهذا فإنه لا يوجد أي مبرر قومي أو وطني أو ديمقراطي لمقاطعة المجلس الوطني الكردي لهذه الانتخابات، وعليه فإننا نأمل أن يقوم المجلس بمراجعة موقفه بروح المسؤولية سواء بالمشاركة أو الانسحاب دون المقاطعة، والمساهمة في بناء المؤسسات الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا بطريقة الانتخابات وصناديق الاقتراع، وهذا ما يدعم المفاوضات الجارية بهدف وحدة الصف والموقف الكرديين، ووضع حد للانقسام الكردي – الكردي.

-4-

بسبب عدم استكمال الأعمال التي تقتضيها إنجاح عملية الانتخابات لضيق الوقت، ولدراسة المواقف الدولية والإقليمية والداخلية، فقد ناقشت الأحزاب في إطار الإدارة الذاتية والتي قررت المشاركة في الانتخابات الأوضاع من كل جوانبها بهدف إنجاح هذه الانتخابات بما يعود بالفائدة على إقليم شمال وشرق سوريا – روجآفاي كردستان، وفي المحصلة فقد توافقت تلك الأحزاب على تأجيل الانتخابات إلى وقت آخر، ووافقت المفوضية العليا بالفعل على تأجيلها إلى شهر آب القادم.

في هذه الفترة ستقوم الإدارة الذاتية بالعديد من المهام، بما في ذلك الاتصال مع العديد من دول العالم، والإجراءات في الداخل لتمهيد الطريق أمام إنجاح هذه الانتخابات، وإفشال المخططات والتهديدات المختلفة التي تطلقها العديد من دول الإقليم، وبخاصة التهديدات التركية الصريحة، وفي كل الأحوال فإن الإصرار باقٍ ومستمر على بناء المؤسسات في الإقليم بما في ذلك الانتخابات البلدية الحالية حتى ولو تأجلت مرة أخرى.

افتتاحية جريدة طريق الشعب  للحزب اليساري الكردي في سوريا

شارك هذا الموضوع على