الإثنين, مارس 4, 2024
آراء

بير رستم: حكاية عملاء تركيا من “الانكشاريين”

وأنا أتابع المسلسل التاريخي عن “بزوغ الإمبراطورية العثمانية” وتحت الاسم نفسه -طبعاً ضغطت بشدة على نفسي لأقدر أن أتابعه بصراحة- وجدت كم يومنا شبيه بما كانت عليها أيامهم وأقصد تحديدًا بخصوص ما يتعلق بهؤلاء الذين يرضون على أنفسهم أن يكونوا أذيال وعبيد لدى “الأسياد” حيث نجد بأن العثمانيين اعتمدوا في كل غزواتهم على الجواسيس والعملاء والخونة من داخل صفوف أعدائهم من الدول والإمارات المسيحية حيث الفرقة والتشتت يجعل هؤلاء المسيحيين يضعون أنفسهم تحت أقدام السلطان العثماني بكل ذل وخنوع، ذاك من جانب والآخر؛ اعتماد الإمبراطورية الجديدة “العثمانية” على ما سمي ب”الجيش الانكشاري” وهؤلاء أيضًا مرتزقة جلبوا وهم أطفال صغار من الدول التي احتلتها العثمانيين حيث أخذوا الفتيات ليصبحن جواري وخدم في الحرملك لتلبية رغبات السلطان وأبنائه والحاشية الحاكمة، بينما الأولاد من الذكور تم تدريبهم كمرتزقة لارسالهم إلى غزو دول أخرى، كما تفعلها تركيا اليوم مع بعض مرتزقتها.. نعم حقًا التاريخ يعيد نفسه في بعض مراحله ولو بأشكال وأسماء مختلفة، لكن بنفس المضامين والمحتوى وها هم أبناء “الانكشاريين” يخدمون أبناء “السلاطين” مجدداً ويتبعهم جيش من الخونة والمرتزقة ومن مختلف الطوائف والجنسيات وهم يقدمون فروض الطاعة ل “السلطان الجديد؛ أردوغان”.

وكمثال عن هؤلاء الانكشاريين والعملاء في المرحلة العثمانية سنأخذ حكاية “حكام الأفلاق” في منطقة البلقان الحالية حيث بلغاريا ورومانيا إلى حدود المجر، فقد كانت تتنازعها عدد من الأمراء، كما حال أوروبا والعالم المسيحي وقتها، مما سهل على العثمانيين أن يمدوا نفوذهم على تلك الإمارات المتنازعة ويفرضوا عليهم الأتاوات والجزية ولكي لا يخون أي أمير من أمرائها، كانوا يحتفظون ببعض أبنائهم في قصر السلطان ب”أدرنة”، طبعاً قبل أن يحتلوا قسطنطينية؛ عاصمة الدولة البيزنطية بقيادة “محمد الفاتح” أو الغازي سنة 1453م، وكان من بين أولئك الأولاد الذين تم حجزهم في قصر السلطان مراد الثاني؛ والد محمد الفاتح، ابني أمير الأفلاق وهما فلاد الثالث والذي سيتم تسميته بلقب “فلاد دراكولا” أو “الملك المخوزق” وشقيقه الأصغر؛ رادو حيث أخذهم السلطان مراد كرهائن ليحافظ على ولاء والدهم؛ حاكم الأقلاق له وللدولة العثمانية وبعد أن يكبر الطفلان يعين الابن الأكبر أميراً على مملكة أبيه، كون الأخير وبحسب الرواية العثمانية يخون السلطان ويحاول الاتفاق مع المجر ويبقى الابن الآخر رادو في عاصمة الخلافة.

وهكذا وبعد أن يستقر الأمير فلاد الثالث على عرش أبيه ويحاول الخروج من تحت النفوذ العثماني ويرفض دفع الجزية للسلطان محمد والذي خلف والده مراد الثاني، فيقرر السلطان الجديد والذي تربوا معاً في القصر أن يعيد اخضاع تلك البلاد “الأفلاق” لتحت نفوذ وسيطرة السلطنة وفعلاً يشكل جيش قوامه مائة ألف، أغلبهم من الانكشارية والأشد مرارةً هو أن شقيق فلاد الثالث؛ أي الخائن ليس فقط لشعبه، بل كذلك لشقيقه؛ المدعو رادو، يكون أحد قادة ذاك الجيش تحت قيادة محمد الفاتح ويجتاز الجيش الانكشاري العثماني نهر الدانوب لتنشب قتال مرير بين الجيش الغازي وجيش الأفلاق بقيادة فلاد الثالث ولكن وبحكم التفوق بالعتاد والعدد والعدة للعثمانيين يتم التغلب على جيش فلاد بعد أن يكبد في العثمانيين خسائر فادحة ورغم ذلك يدخل العثمانيون عاصمة الأفلاق وينصبون عميلهم “رادو” حاكماً عليها! ما يحزن أكثر في هذه الحكاية المأساوية الحزينة هو أن يتم نعت المتمرد المطالب بحرية شعبه وكرامته بنعوت وصفات من مثل “فلاد دراكولا” أو “الملك المخوزق” مع أن ثقافة الخازوق اكتسبها في قصر السلطان العثماني؛ أي من “الثقافة العثمانية” والتي كانت جزء من تراث العثمانيين وربما أكثر ما تركوه خلفهم كرمز لهم وعن همجيتهم ووحشيتهم، وبالمقابل نجد بأن شقيقه الخائن والعميل للعثمانيين؛ رادو الانكشاري يلقب ب”الوسيم والمليح” وللأسف.

طبعاً هناك الكثير من هذه الحكايات المأساوية في تاريخ كل الشعوب التي خضعت للمحتلين، قديماً وحديثاً، مثل حكاية الملكة الأمازيغية؛ دهيا، والتي رفضت الخضوع للاحتلال والغزو العربي الاسلامي الأموي وقادت شعبها ضد الغزو فلقبت ب”الكاهنة” وغيرها من النعوت السلبية، وهناك آخرين كثر.. ولو عدنا لحاضرنا اليوم، لوجدنا بأن أبناء أولئك الانكشاريين الخونة ومن مختلف القوميات والأعراق ما زالوا يخدمون أبناء أولئك “السلاطين”، كما في يومنا مع جماعات الفصائل السورية المرتزقة عند تركيا وعدد من “السياسيين والمثقفين والكرد الجيدين”، لكن ما يشفع ل “رادو” الخائن، يفتقر إليه الإنكشاريون الحاليون، فعلى الأقل إن ذاك جلس على العرش، بينما الإنكشاريون الذين في وقتنا ليس لهم من جلوس حتى على عروش مكاتب حزبية في مناطق نفوذ واحتلال أسيادهم؛ يعني لو جلس الانكشاري حكيمو مثلاً على عرش عفرين، كنا قلنا بأن “الرجل” صحيح خان شعبه وبلده وشقيقه ولكن استلم العرش بدل أخيه، مثل رادو الخائن، أما أن تكون عميلاً صغيراً فقط لتبرير جرائم “السلطان أردوغان” وبالأخير لا يكون لك عرش تجلس عليه ولو بحجم خازوق عثماني فتلك والله قاع العمالة والنذالة والخيانة.. نعم ربما كان الخازوق قليل علينا وكان على العثمانيين ابتكار ما هو أفظع من الخازوق ليخرج من أقحاف البعض منا، فلربما تتحرك تلك الأدمغة والعقول.