الإثنين, مارس 4, 2024
آراء

تركيا ومحاولات طرح نفسها بديلاً لأميركا في محاربة داعش!

لزكين إبراهيم

بالتزامن مع حملات قوات سوريا الديمقراطية ضد الخلايا النائمة لداعش في شمال وشرق سوريا، واعتقالها لعناصر في التنظيم على مستوى القيادات، باتت الحملات الأمنيّة ضد خلايا التنظيم داخل تركيا ملفتة للانتباه، وآخرها إعلان وزير الداخليّة التركي علي ييرلي كايا، في 8 فبراير/ شباط 2024، القبض على 147 مشتبهاً بانتماء إلى تنظيم “داعش” الإرهابي، وذلك بعد تنفيذ الأخير هجوماً على كنيسة في اسطنبول، في 28يناير/ كانون الثاني 2024.

إن هذه التحركات التركية الأخيرة تثير العديد من التساؤلات حول أسباب ودلالات التصعيد التركي ضد خلايا التنظيم، والبروباغندا التي تمارسها في هذا الشأن، وتزامن تلك الحملات مع عمليات قسد ضد خلايا داعش في شمال وشرق سوريا، في ظل الحديث عن احتمال انسحاب القوات الأمريكية من سوريا والعراق في الإعلام؟

رسائل ضمنيّة للتحركات التركيّة

بعد أن أطلقت قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي، في 25 اغسطس/ آب 2022، المرحلة الثانية من حملة “الإنسانية والأمن” في مخيم الهول، وألقت القبض على العشرات من خلايا التنظيم فيها، واستحوذت على الكثير من الوثائق، أعلن الرئيس التركي بعدها بعدة أيام بأنهم، و”بعملية استخباراتية ناجحة”، ألقوا القبض على قياديٍ بارزٍ للتنظيم، وهو المدعو “حجي زيد العراقي”. ليعكس توقيت إعلان أردوغان حينها مخاوفه من تداعيات حملة التمشيط في مخيم الهول، واحتمالية أن تكشف قسد، عبر اعتقال خلايا داعش وضبط وثائق ومعلومات في المخيم، عن أسرار خطط التنظيم لاستعادة نشاطه، بالإضافة إلى تحركات قادته بين سوريا وتركيا، وعلاقاتهم مع الحكومة التركية.

وفي سيناريو مشابه، وبالتزامن مع إطلاق قسد المرحلة الثالثة من حملة “الإنسانية والأمن” في مخيم الهول بتاريخ 27 يناير/ كانون الثاني 2024، شهدت تركيا بعدها بيوم واحد هجوماً من قِبل خلايا داعش، استهدفت كنيسة “سانتا ماريا” الإيطالية في منطقة ساريير وسط إسطنبول، مما يثير الشّك حول توقيت هذه العملية، ودور الاستخبارات التركية في تنفيذها.

لكن يبدو أن هذه التحركات التركية تحمل عدة مؤشرات ورسائل ضمنيّة موجّهة للتحالف الدولي ضد داعش، وأولها: الإشارة إلى أن تنظيم داعش في سوريا يشكّل تهديداً للأمن القومي التركي، وأن قسد غير قادرة على المدى البعيد- سيّما في حال قررت أميركا الانسحاب- ضبط الحدود ومخيمات عوائل داعش، ومراكز اعتقال عناصر التنظيم وسط منطقة غير مستقرة؛ تشهد نشاطاً لخلايا داعش بشكلٍ مستمرٍ، وبالتالي، شرعنة التدخل التركي في مناطق شمال وشرق سوريا بحجة محاربة داعش.

والثاني: إقناع أميركا بأن استلام تركيا ملف محاربة خلايا داعش ومهام الإشراف على المعتقلات والمخيمات بدلاً منها، يمكن أن يؤدي إلى تهيئة الظروف لها (لأمريكا) في حال قررت الانسحاب من سوريا في المستقبل، وبالتالي ضمان بقاء تلك المعتقلات تحت سيطرة دولة “حليفة” لها ضمن حلف الناتو، والتحالف الدولي لمحاربة التنظيم.

والثالث: الاستفادة من هذا المقترح لإزالة مخاوف أميركا والغرب من تسليمها طائرات إف -16، والادّعاء بأنها ستستخدم هذه الطائرات في إطار التحالف الدولي لمحاربة داعش.

عوامل تشجّع تركيا على طرح نفسها بديلةً عن أميركا

إن المحاولة التركية في تقديم نفسها كبديلة للولايات المتحدة ليست بجديدة؛ إذ تم تداول الفكرة عام 2019، حين أعلن الرئيس السابق دونالد تراب الانسحاب من سوريا، إلا أنّها فشلت نتيجة تراجع الولايات المتحدة عن هذا القرار، لكن يبدو أن السياق السياسي والأمني الحالي، وخاصةً مع قرب الانتخابات الرئاسية الأمريكية وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والميليشيات الإيرانية في سوريا، يشجع تركيا على إعادة طرح هذه الفكرة مجددًا. بالإضافة إلى ذلك، هناك مخاوف متزايدة بين دول التحالف بشأن مصير السجون في شمال شرق سوريا، وتزايد التقارير حول ارتفاع مستويات التطرف والعنف في مخيم الهول، مما يدفع بتركيا إلى استغلال هذه الظروف لتعزيز دورها، وتقديم نفسها كبديل للولايات المتحدة في مكافحة داعش.

وما يعزز هذه الفرضية الأخيرة هو إعلان السلطات التركية، في 10 أغسطس 2023، عن أن “شرطة مكافحة الإرهاب” في إسطنبول تمكنت من الاستحواذ على قاعدة بيانات تحتوي على أسماء ومعلومات تفصيلية حول 9 آلاف و952 «ذئباً منفرداً» في «داعش»، بحسب تقرير نشرته صحيفة «صباح» المقربة من الحكومة التركية. ووفق التقرير، فأن قاعدة البيانات هذه “هي الجزء المركزي للبحث الدولي لفترة طويلة، حيث تحتوي على جميع المعلومات حول الإرهابيين من الذئاب المنفردة في الولايات المتحدة، كندا، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، هولندا، السويد، النرويج، الدنمارك، سويسرا، النمسا، وإسبانيا، الذين هم أعضاء في خلايا «داعش» النائمة في جميع أنحاء العالم”. ويبدو أن تركيا تحاول عبر الكشف عن امتلاكها لهذه البيانات الخطيرة والهامة إيصال رسائل ابتزاز لتلك الدول، بشكل غير مباشر، لدفعها إلى دعم المقترح التركي، في حال جرى النقاش عليه بشكل رسمي بين دول التحالف، مقابل مشاركتهم المعلومات في هذه البيانات.

وما يرجّح أن تركيا لديها هكذا نوايا ابتزازية، أنها حينما أعلنت حصولها على هذه البيانات، ادّعت بأنها “كشفت عن مفاوضات كانت تجري بين عناصر «داعش»، الذين يمتلكون قاعدة البيانات، والمخابرات الإيرانية لتسليمهم تلك البيانات، مقابل مبلغ 8.5 مليون يورو (9.33 مليون دولار)”. وكشف تركيا عن هذه المعلومات يشير إلى أنها تحاول من جهة الإيهام بأن استخباراتها أنقذت أميركا وأوروبا من كارثة وقوع هذه البيانات بيد إيران، وبالتالي فإن تلك الدول مدينة لتركيا بهذا الإنجاز، وعليها دعم تركيا لتقود عمليات محاربة داعش في شمال وشرق سوريا وحتى شمال العراق. ومن جهة أخرى التلميح بأن الاستخبارات الإيرانية تقف خلف تحريض داعش ضد الكنائس والمسيحيين، واليهود في تركيا.

تركيا تحاول ربط نشاط داعش في البلاد بالاستخبارات الإيرانية

إن محاولات تركيا ربط نشاط داعش في البلاد بإيران في هذا التوقيت التي يتصاعد فيها الصراع بين ميليشيات الأخيرة وأمريكا في سوريا والعراق، خاصة بعد مقتل الجنود الأمريكيين في “برج 22″، تشير إلى احتمالية أن تحاول تركيا طرح ورقة دورها، بالتعاون مع الفصائل السورية الموالية لها، في تفكيك بنية التنظيم وملاحقة قادته وعناصره بين سوريا والعراق. خاصة أن تركيا تحاول دائما تقديم “الفصائل المسلحة” الموالية لها على أنها تمثل المعارضة السورية المعتدلة، وإظهارها كطرف مناهض لداعش، وبالتالي استغلال الصراع الأمريكي-الإيراني في سوريا لتطرح على أمريكا إعادة تعويم فصائل المعارضة وإدخالها إلى شمال شرق سوريا تحت اسم “محاربة داعش”، على أن تكون تحت الطلب في حال قررت أميركا إطلاق عملية عسكرية ضد الميليشيات الإيرانية، بدءاً من الحدود العراقية-السورية، حتى منطقة التنف على الحدود مع الأردن. خاصة أن قوات سوريا الديمقراطية ليست بوارد أن تنجر إلى حرب بالوكالة بين أميركا والميليشيات الموالية لإيران في سوريا، وتأكيدها في عدة مناسبات أن مهمتها الرئيسية هي محاربة داعش.

بالإضافة إلى ذلك، فإن لتركيا أهداف استراتيجية تتمثل في مساع سيطرتها على الحدود السورية-العراقية، حيث أن العلاقات التركية-الإيرانية تشهد حالة من التوتر ضمن سياق التنافس بين البلدين على العراق، وخاصة منطقة شنكال التي دخلها “الحشد الشعبي” إلى جانب “قوات حماية شنكال” الكردية، وهذا التواجد للحشد يؤدي إلى نسف اتفاقية “بغداد – أربيل” الموقعة بتاريخ 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2020 التي جرى التوافق عليها بين حكومة بغداد وأربيل نتيجة الضغوطات والتهديدات التركية، والتي كان من أبرز بنودها “وضع إدارة مشتركة بالتعاون بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وإلغاء الترتيبات التي وضعت بعد عام 2017″، وكان من المفترض بموجبها تفكيك “الإدارة الذاتية” في شنكال، وإخراج كافة القوات العسكرية التي تعتبرها تركيا مرتبطة بحزب العمال الكردستاني.

وفي المحصلة، فإن تقديم تركيا نفسها والفصائل الموالية لها في محاربة داعش والميليشيات الإيرانية هو مقابل تقوية موقف الفصائل في أي تسوية مرتقبة في سوريا، وتقديمها على أنها تمثل المعارضة المسلحة المعتدلة والتي تحارب الإرهاب، والتقليل من قيمة الدور الذي لعبته “قسد” في مكافحة داعش، خاصة بعد بروز دور الكرد الحيوي في مكافحة الإرهاب، والذي ساعد في تأسيس إقليم شمال وشرق سوريا في منطقة غنية بالثروات، وهو الواقع الذي تسعى أنقرة لتغييره، عبر شنها مؤخراً هجمات موسعة على البنية التحتية والمنشآت الحيوية في شمال شرق سوريا.

ولكن يبقى السؤال المهم، هل يمكن لأميركا قبول هذا الطرح التركي؟ وهل يمكن تطبيق هذا السيناريو بدون التوافق مع قوات سوريا الديمقراطية أو عبر الالتفاف عليها وسط وجود الروس وإيران في المنطقة؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات تفضي إلى عدة سيناريوهات، ومنها:

أولاً: إن سيناريو أن تصبح تركيا بديلة عن أميركا في سوريا لا يمكن تحقيقه بدون انسحاب أمريكي حقيقي، فيما الظروف والمعطيات الراهنة ما بعد حرب غزة تشير كلها إلى أن أميركا لن تنسحب على المدى القريب.

ثانياً: في حال قررت أميركا الانسحاب فإنها ستواجه عدة إشكاليات، فمن جهة إن تخليها بهذه السهولة عن قوات سوريا الديمقراطية التي تعتبر شريكا موثوقا به في محاربة داعش، وفي منطقة يتربص فيها كل أطراف الصراع السوري للانقضاض على قسد ومناطق سيطرتها الغنية بالثروات، بالإضافة إلى ترك قسد وحيدة في مواجهة خلايا داعش أو تركيا، فإنها كلها ستشعل المنطقة ويثير الرأي العام ضد أميركا، وقد يشهد الداخل الأمريكي نفسه انقسامات حول هكذا قرار لأنه قد يزعزع ثقة حلفاء أميركا في الشرق الأوسط التي هي بحاجة لثقتهم في الوقت الراهن أكثر من أي وقت آخر.

ثالثاً: يبقى أمام أميركا سيناريو أخير؛ وهو محاولة فتح حوار بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، والوصول إلى صيغة للتفاهم بينهما، لمواصلة محاربة داعش. ولكن هذا السيناريو أيضاً يكتنفه الكثير من التعقيدات، لأن لكل من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية شروط معقّدة للوصول إلى مثل هذا الاتفاق.

بالنتيجة… فإن الطرح التركي يحمل من المخاطر والتعقيدات أكثر مما هو الوضع عليه حالياً في شمال وشرق سوريا، ناهيك عن أزمة الثّقة ما بين دول التحالف وتركيا في مسألة علاقة الأخيرة مع التنظيم، خاصة بعد تواجد ومقتل زعماء داعش وقياداتها من الصف الأول كالبغدادي والقرشي وغيرهم في المناطق المحتلة من قِبل تركيا في شمال سوريا. بالإضافة إلى التقارير المحلية والدولية التي تتحدث عن العلاقات الوثيقة بين تنظيم داعش والحكومة التركية، بدءاً من فتح الأخيرة لحدودها أمام عناصر التنظيم للدخول إلى سوريا، ومروراً بمعالجة جرحى التنظيم في المشافي التركية، وانتهاءً بإمداد تركيا التنظيم بالسلاح والعتاد.

المصدر: مركز الفرات للدراسات