الإثنين, مارس 4, 2024
 
القسم الثقافي

حكاية زيدان في زمن الفرمان – صباح كنجي

 

الاسم الكامل زيدان خلف مشكو مواليد 1975 سنجار / حي النصر/ المهنة تاجر / الدراسة متوسطة / طالب رابع عام إعدادية من مجمع سيبا شيخ خدر.. والده مطوع سابق في الجيش العراقي.. حالياً نائب ضابط متقاعد جرح مرتين ومنح أوسمة لثلاثة مرات.. راتبه التقاعدي 600 ألف لكل شهرين..

له شقيق واحد أصغر منه بعشر سنوات من والدته.. يدعى سمير خلف مشكو.. هو الآن في هانوفر مع ثلاث شقيقات في العراق في مخيمات النازحين وأخ غير شقيق من زوجة ثانية لأبيه.. عمره سنة يدعى هفال.. وأخوات هن.. غالية وعالية..

القسم الأسير بيد داعش من عائلته يوم سقوط سنجار في 3/8/2014 هم:

1ـ خلف مشكو سلي والده مواليد1950

2ـ بيبون خلف زوجة أبيه

3ـ هفال أخيه

4ـ غالية أخته

6ـ دالية أخته

 

 

وقد تم أخذهم من الدار في حي النصر.. يروي عن سقوط واحتلال سنجار من قبل داعش انه:

كان في مركز قضاء سنجار يوم 3/8/2014 يزاول أعماله التجارية.. بالرغم شعورهم بالمخاطر المحدقة بهم وقد جاءه أبيه قبل يومين.. ليؤكد له:

إنّ الوضع صعب ولا يدري ماذا يفعل.. إذ كانت والدتي مريضة وخرجت للتو من المستشفى بعد إجراء عملية جراحية لها لإزالة حصاة من الحالب.. وهي بالإضافة إلى هذا عجوز في السبعين من عمرها.. إذ تكبر أبي بستة سنوات.. وحاول أبي أن يقنع نفسه.. بانه مستقل.. ولم يمارس السياسة.. وليس محسوباً على أي طرف.. لا في الحكومة المركزية.. ولا في كردستان.. ولا مع أية جهة سياسية.. ومن المحتمل أن لا يتحرشوا به وبأبنائه.. كان ينطلق من كونه مستقلا وبريئاً.. وليست لديه مشاكل.. مع أي طرف سياسي أو اجتماعي أو ديني..

دخلت آليات داعش المسلحة مركز قضاء سنجار ـ البلد ـ فجر يوم 3/8/2014 في الرابعة وعشرون دقيقة فجراً بالضبط.. وتمكن عدد كبير من العوائل من الخروج والإفلات.. بالرغم من أنّ الآسايش كان يمنع الناس من الخروج.. إن أرادوا قبلها للنزوح والهروب.. أو حتى المغادرة المؤقتة.. من باب الاحتياط والابتعاد عن قبضة داعش..

كذلك قامت أجهزة حكومة إقليم كردستان التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني من آسايش ولجان حزبية وضباط الجيش من سحب السلاح الذي بحوزة الأهالي والمواطنين قبل أيام في سياق عمل وإجراءات مبرمجة وفق مخطط معد له مسبقاً لغاية اليوم الذي سبق دخول داعش لمركز قضاء البلد.. أيْ سنجار وان شئت بالكردية شنكال..

في الساعات الأخيرة من الفجر.. مع بداية الشروق.. قلت لأبي الجميع من حولنا خرجوا إلى الجبل.. قال: لا نستطيع نقل الجميع بسيارة الكوْلفْ الوحيدة التي بحوزتنا.. فقرر البقاء وطلب مني المغادرة..

عند الساعة الثامنة والنصف صباحاً.. دخلت قوات داعش إلى مركز قضاء سنجار واحتلت مدينة البلد بالكامل.. بقينا عائلتين إيزيديتين من حيّنا فقط.. لم نتمكن من الخروج.. بالإضافة إلى عائلة تركي من حي الشهداء.. وتم أسره لاحقاً هو الآخر.. ونقل معنا ليودع في بودي السيارة التي حشرنا فيها.. كما سيتضح في الأسطر القادمة..

كان عدد العوائل الإيزيدية داخل قضاء سنجار يتجاوز الـ 100 عائلة.. بقي منها من لم يتمكن من الخروج حوالي عشرة عوائل فقط.. كنا نحن من ضمنهم.. لم يكن أعداد قوات داعش المقتحمين للمدينة كبيراً.. دخلوا قادمين من جهة مقر الفوج الأول.. في مفرق أم الشبابيك.. الذي تجاوزوه من بوابة حي النصر دون قتال منذ البداية..

حيث يتواجد مقر فرع للحزب الديمقراطي الكردستاني.. ومبنى المجلس البلدي.. والقائمقامية.. ومديرية شرطة سنجار.. ومقر البارستن.. بالإضافة مقر قيادة شرطة يتبعه فوجين.. الأول في مفرق أم الشبابيك.. والثاني داخل مدينة سنجار.. مع قوة فوج للتدخل السريع.. تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني.. من خلال مديرية شرطة سنجار.. مع أعداد هائلة من البيشمركة..

طلبت من الأطفال أن لا يخرجوا من الدار.. اتصلت بوالدي من جديد في حي روژ هلات/ الشرق.. قلت له: سأجي لنقلك لحي النصر/غرب المدينة.. قال: تعال.. لكن انتبه الدواعش دخلوا حيّنا.. وما زالوا ينتشرون بين أزقته وشوارعه.

قلت لأكبر أبنائي آزاد مواليد 1992.. هيا معي لذهب للمحل..

في الطريق لم نرى كائناً.. كانت الطرق فارغة من البشر والدواعش.. فتحنا المحل كان لي وثائق جلبتها وقفلت المحل من جديد.. متوجهاً لحي النصر.. حيث مسكن أبي وأمي وبقية أخوتي.. دخلت للحي من جهة المنارة الآثارية القديمة.. لم يكن هناك شيء.. بعد الاستدارة لليمين تمكنت من مشاهدة الفارين من الايزيديين محجوزين على الطريق الملتوي المؤدي لفتحة الجبل..

كانت السيارات تتالى وتتجمع كأننا في يوم نوروز عبر الالتواء في الممر الجبلي الذي يرتفع ملتفاَ للقمة كأنه ملوية.. كان الدواعش قد قطعوا الطريق.. حيث توقفت إحدى السيارات في مقدمة الرتل والأخرى في نهايته..

اقتربت منهم.. شاهدت مئات السيارات في طريقي.. فتوقفت لم أستطيع تجاوزهم قلت لأبي عبر التلفون.. لنْ أستطيع الوصول إليكم.. الطريق مقفلة بسلسلة من السيارات المحتجزة..

قال: انتهى كل شيء.. نحن محجوزون في الدار.. أنت خلص نفسك مع الأطفال لا تهتم بنا..

عدنا للبيت.. كان بمقدور آخرين أيضا العودة معنا للخلف والخروج من الطرق الأخرى المؤدية للجبل مشياً على الإقدام.. حيث لم تكن هناك إلا سيارة واحدة لداعش تناور بالتحرك بين تلك الجموع المحتجزة وتنتقل من طرف لأخر بصعوبة بسبب الازدحام..

تأكدت من عدم قدرة سيارة داعش لملاحقتي بسبب الازدحام.. عدت لداري.. في العودة أيضا لم أجد كائنا في طريقي.. كانت زوجتي أم آزاد تجمع الملابس وتتهيأ للمغادرة.. ناديتها اتركي كل شيء.. سنسعى للخلاص والنفاذ انْ تمكنا فقط بجلدنا.. لا حاجة لأي شيء.. قالت: لعلك تستطيع الوصول لأبيك وبقية العائلة من خلال طريق السايلو وشقق فيان دخيل.. عددها 30 عمارة شاهقة.. كانت تشيدها لنفسها.. بعد أن أصبحت عضوة برلمان..

خرجنا جميعاً من الدار (عائلتي كاملة 16 نفراً مع كنتي زوجة آزاد) بسيارة واحدة بعد أن تم تفريغها من المقاعد.. كي تتسع للجميع.. 6 من البالغين و10 أطفال.. توجهنا بسرعة نحو السايْلوْ..

في موقع السيطرة.. الذي كانت فيه سيارات الآسايش الرسمية ترابط موازية للسايلو كما هو معتاد.. وجدت سيارة لداعش انطلقت متوجهة نحونا من تلك النقطة.. التي تركها البيشمركة لهم.. في الساعة الرابعة وعشرون دقيقة فجر ذلك اليوم..

شاهدتهم يتحركون ليقطعوا الطريق بالعرض.. كي لا أتمكن من تجاوزهم وأتوقف.. وخرج منها فوراً داعشي مسلح بـ (بي.. كي.. سي) صوب سلاحه نحونا من بعد 200 متر تقريباً..

استدرت فوراً.. كدت أن انقلب من سرعة المفاجأة.. دخلت فرعاً.. كانوا يطلقون النار نحونا دون توقف.. للأسف كان البيشمركة والآسايش قد وضعوا في الطرق الفرعية والدرابين مجموعات من قطع الكونكريت والبراميل لعرقلة السير وتخفيف السرعة فاصطدمت ببرميل..

أثناء إطلاقهم النار علينا كان طفلي الرضيع أرشد ذو الشهرين في حضن شقيقته شهناز البالغة 18 عاماً.. اخترقت إطلاقة رأسه.. فجرته ليطشر علينا.. بدأ من الجميع الصراخ والعويل.. قلت تماسكوا..

 

نفذنا من خطر الموت.. لم يتمكن الدواعش من ملاحقتنا.. ومن حرسين في السايلو.. كانا صامدين في أماكنهم.. بدء إطلاق النار عليهم.. حينما بادروا لردع الدواعش.. وأطلقوا عليهم النيران من بنادقهم.. للأسف علمت فيما بعد.. وأنا في زاخو أنهم.. أي الحراس.. قد استشهدوا بعد نفاذ عتادهم..

عموماً والحق يقال.. منحونا أول فرصة للنفاذ من براثن الموت على يد داعش.. وساهموا في إنقاذنا في تلك اللحظات من موت محقق.. بالرغم من مواجهتنا لمخاطر أفظع منها لاحقاً.. وهو ما سأرويه في الأسطر التالية..

دخلتُ الأفرع المؤدية لدارنا.. عدت للبيت بعد أن تأكدت من عدم إمكانية وجود طريق للخلاص.. إذ كانوا قد أكملوا الطوق على المدينة من جميع الجهات.. دخلنا الدار.. كانت شهناز قد أصيبت بانهيار عصبي من جراء ما حل بنا ومشاهدتها لرأس أخيها الصغير يتفجر ويتطاير نتفاً من بين يديها.. فأصيبت بالذهول وحالة من الصرع والتشنج.. أدت إلى شلل أطرافها وتخشبها.. لفلفت جسد رضيعي الصغير ببطانية.. وضعته في ركن من أركان الحديقة.. طلبت من البقية التوجه للطابق الثاني من الدار الذي يُمكننا من رؤية المدينة وحركة الدواعش بشكل أفضل.. ومشاهدة ما حولنا ومتابعة ما يحدث عبر النوافذ بصمت وتأني..

بعد ربع ساعة.. وصلت أول مجموعة من الدواعش لحينا.. برفقة عدد من العرب من قبيلة المتيويت.. بينهم مسلحين من الأطفال كانوا يطلقون النار في جميع الاتجاهات.. وبدأنا نسمع الزغاريد والهلاهيل من جيراننا المنتسبين للمتيوت في شارعنا.. الذين اخذوا يهللون ويطلقون الزغاريد تعبيراً عن فرحهم بوصول الدواعش للمدينة..

من هذه اللحظات التي ترافقت مع هذا الدخول والوصول لحينا.. بدأت معالم حالة الفوضى.. حيث كان قد التجأ إلينا قبل أيام.. عدد من عوائل التركمان الشيعة من أهالي تلعفر.. التي سقطت بيد الدواعش في 16 حزيران.. ممن توجهوا إلى سنجار واستقبلناهم ليتوزعوا بيننا قبل أن يغادروننا لاحقاً إلى بغداد والنجف وكربلاء والحلة وبقية المدن بسيارات نقل لقاء أجور 500 دولار لكل عائلة.. ولم يكن بحوزة الكادحين والفقراء منهم تحديداً هذا المبلغ.. فبقوا مجبرين في سنجار لغاية هذا اليوم الأسود.. الذي داهمنا فيه المجرمون الدواعش.. ونفذوا أول جريمة لهم.. بحق أفراد ثلاثة عوائل من التركمان الشيعة في شارعنا.. في هذه اللحظات الكئيبة بعد دقائق من فقداني لطفلي.. شاهدتهم للآسف يجمعون هؤلاء النازحين.. بمن فيهم الأطفال في هيكل فارغ.. يطلقون النار عليهم جميعاً بلا شفقة.. قلت محدثاً نفسي بألم.. قد يكون مصيرنا كمصيرهم بعد ساعات أو دقائق..

اتصلت بأبي من جديد.. قلت له: قل لأمي أن تبدل ملابسها وترتدي ملابس شبيهة بملابس المسلمين.. وطلبت منه أن يرتدي ملابسه المدنية.. وأنْ لا يقول انهم ايزيديون.. بعد ربع ساعة أخبرني بسخرية تحمل مرارة تلك اللحظات التعيسة.. إنّ والدتك تقوم بتفصيل ملابس لها لا تشبه ملابس الايزيديين!

كان يضحك بمرارة.. ولم أخبره ما حدث لنا وخسارتنا لأبني..

بقينا في الدار لغاية ما بعد الظهر من ذلك اليوم.. جاءني ابن خالي مرزا راكضاَ وهو يبكي.. قال:

ليس لدينا سيارة.. اخذوا والدتي من باب الدار.. (هي ذات المرأة الشجاعة التي وجدت بعد إطلاق سراح عدداً من الايزيديين والإيزيديات الذين وصلوا إلى سيطرة كركوك متماسكة تتحدث بقوة مع أجهزة الاعلام ماسكة ابنتها آسيا التي أصيبت بحالة من الصدمة العصبية التي أفقدتها النطق) وطلب السيستاني لقائها فيما بعد متأثراً بحالها..

خففت من وطأة الحال لدى مرزا.. طلبت منه أن يجلب عائلته، رغم خطورة ذلك.. إذ كان موقع بيته على الشارع العام.. الذي أصبح تحت سيطرة الدواعش، مع ذلك تمكن مرزا من نقل أفراد أسرته المكونة من 23 فرداً على دفعات ووصلوا جميعا إلينا بسلام..

اتفقت مع زوجتي والأطفال أنْ لا نشعرهم بما حل بنا.. كي لا يصابوا بالخوف والذعر.. عزلت الجثة عنهم.. حاولت أن نبدو طبيعيين.. طلبت من أم آزاد أن تعد لنا وجبة طعام وتطبخ الدجاجة التي كنت قد جلبتها بالأمس.. كأن شيئاً لم يكن.. وتناولنا الطعام معاً..

استفسرت أم آزاد عن الماعز.. إذ كان لدينا ثماني معزات وأربعة جديان مع خروف واحد..

قلت لها: إنهم هناك بالقرب منا.. شاهدت أيضا مجموعة من الدواعش.. فقررت أن أغامر قلت لزوجتي وابن خالي.. سأذهب إليهم لأفديكم كي تسلموا وتهربوا مع حلول الليل إن قتلوني.. عسى أن أناور معهم واجد طريقاً للخلاص..

ذهبت إليهم كان معهم شابين من الأكراد السنة في حينها.. وثالث من أهالي الموصل.. تسكن عائلته في سنجار.. وشخص رابع من عشيرة المتيوت العربية.. كنا نعرف بعضنا كجيران..

عندما وصلت إليهم تفاجئوا واندهشوا.. سلمت عليهم بهدوء فردوا علي.. صافحت داعشي واجهني وحاولت أن اتصنع البسمة مستفسراً منه.. ماذا سيكون مصيري؟!، قال ـ لماذا؟، قلت

ـ لأني إيزيدي!

قال: ليس لنا شغل بك.. وان لم تكن مع الحكومة والأحزاب الكردية ليس لنا موقف منك.. واستفسر أين مسكنك؟، أشرت بيدي نحو داري.. قال اذهبوا لبيوتكم.. وقبل أن نتركه اسمعنا آمراً ومحذراً..

لدينا أوامر من الحجي.. يقصد البغدادي.. ممنوع أي امرأة تخرج من البيت.. ولو شاهدنا امرأة مفرعة بالقرب من باب الدار.. لدينا أمر بقتلها.. طلقة بالكصة والبنات ممنوع لبس البنطلون وصبغ الأظافر ومن لا تكون محتشمة ومحجبة تقتل فوراً..

عدنا لبيوتنا.. أبلغت عائلتي وعائلة ابن خالي بالوضع والتوجيهات بالرغم من إني لم أخبر الدواعش بوجود عائلتي ومن معنا في الدار.. قلت لهم عليكم بالتحجب ورفع صبغ الأظافر.. قالوا من أين نأتي بالحجاب؟!.. أوضحت سأجلب لكل واحدة منكن حجاباً من مخزن أسواقنا ومحلاتنا كنت قد جلبتها للبيع إلى نساء العرب وبقي كارتون منها في الدار..

بعد دقائق جلبت عدة أحجبة للجميع.. في الوقت الذي قامت كل واحدة منهن برفع الأصباغ عن أظافرهن.. بدأنا بالتفكير بخطة للهروب والخلاص.. قالوا: سنلتزم بما تقرره ونفعل ما يتطلبه العقل والحكمة في هكذا ظروف.. حيث لا مجال للمقاومة ولا طريق للخلاص..

قلت للجميع:

إذا داهمونا قولوا.. نحن من عشرين سنة ننتظركم.. كي نتخلص من ديننا لنسلم على أياديكم..

في الرابعة عصراً وصلت سيارة لداعش.. توقفت عند باب دارنا.. طلبوا من الرجال الخروج.. خرجنا 6 رجال ليبعدونا عشرة أمتار عن الدار.. طالبين وضع أيادينا على الحائط.. لأجل إطلاق النار علينا.. توقفت عند أميرهم.. قلت له: سأسلك سؤال واحد فقط قبل أن تقتلونا..

قلت له: من عشرين سنة ننتظركم لنسلم وأنتم تأخرتم!

قال هل تقول هذا من إيمانك وأعماقك؟ قلت نعم والله.. سؤالي لأي سبب تقتلونا؟!

السبب واضح إنكم جميع الايزيديين مع البارزاني

قلت نحن لسنا برزانيين ولسنا معهم

قال هذا غير معقول..

وطلب أن نجلب له شاهد

قلت له الشاهد داخل داري.. مخزني.. أنا تاجر وليس لي علاقة بالسياسة.. ومد رأسه ليشاهد محتويات مخزني من الشباك.. وبالصدفة وجد آيات قرآنية.. كنت قد جلبتها للبيع في المحل إلى الزبائن العرب.. قال أليست هذه آيات قرآنية؟ قلت بلى.. قال: هل أنت متأكد من كونك إيزيدي؟.. قلت أنا من عشرين سنة انتظر الفرصة لأعلن إسلامي.. فما كان منه إلا أن يرمي نفسه نحوي ليقبلني.. سألني هل ستسلمون؟ وكان من معه مستعد لإطلاق النار علينا منتظراً الآمر منه.. بعد أن سحبوا أقسام سلاحهم متأهبين لإطلاق النار حال أمرهم..

لكنه أشر لهم بالتوقف.. فاستغليت الفرصة وقلت له.. أبي وأمي في حي آخر.. ولدينا طفل قتل بيد أحدكم وأوضحت له رغبتي في الوصول لحي النصر.. طلب مني دفن الرضيع القتيل..

دفناه بالقرب من مدخل الدار أمام باب الحوش.. وطلب من الرجال التوجه للجامع.. طلبت منه عدم التحرش بعائلتي.. أخذنا للجامع بالقرب من محطة كهرباء سنجار.. التي أصبحت نقطة رئيسية لتجمعاتهم.. وتحولت إلى مقر لقيادتهم.. سأل عن الحجي وأجلسنا لمدة ساعتين.. كانوا يتعاملون معنا بشكل طبيعي كأننا مسلمين.. جلبوا سيارة كية لأجل نقل الايزيديين إلى الموصل للمحكمة الشرعية كي يسلموا بشكل رسمي.. حشرونا في بودي كية ماشورس 2 طن.. وبعد أن وصل عددنا لأكثر من 25 شخص.. جلبوا سيارة ثانية لتستوعب العدد الأكبر.. كان فيها عدد من العسكريين العرب المحسوبين على حكومة المالكي مكلبچين بالسلاسل لأجل نقلهم معنا للتوبة..

بقينا لغاية الساعة 12 ليلاَ في السيارات واقفين دون حركة.. كانوا قد أخذوا التلفونات منا ولم يبقى لدينا أية وسيلة للاتصال مع بقية الأهل.. أكد الأكبر سناً من بين المحتجزين معنا.. أن هذه الإجراءات هي بوادر عن نيتهم لتصفيتنا وقتلنا.. حال خروجنا من حدود المدينة.. لذلك أخذنا نفكر معاً بالخلاص بأية وسيلة ممكنة.

كان العرب في سنجار مجتمعين بالقرب من قاعدة داعش.. في محطة الكهرباء.. وجامع الرحمن في حي اليرموك.. يؤدون طقوس الفرح والغبطة.. من مشاهدتهم لعوائل الايزيديين المحتجزين في الطريق.. الذي تحدثنا عنه سابقاً مع ساعات الصباح.. حيث تم جلبهم جميعاً كأسرى بسياراتهم.. وكانت عربة لداعش تسبقهم.. وعربة أخرى تقفل عليهم من الخلف.. كانوا يمرون ويمرقون من عندنا ونحن نشاهد الجميع..

شاهدت عائلة ايزيدية في سيارة لداعش بدون رجل.. فتاتين مع طفلين بعمر 8-9 سنوات.. مع أمهم في بودي عربة داعش.. متكورين بين أرجلهم متطأطئين الرؤوس.. والدواعش يضحكون ويقهقهون منهم..

في تلك اللحظات اقتنعت برأي الذين معي في البودي وحديثهم عن احتمال تصفيتنا.. والقضاء علينا بالجملة.. لذلك قررت الهروب.. بدأت التفكير برسم خطة للخلاص.. كانت السيارة التي فيها أسرى التوبة تسبقنا.. أمّا سيارتنا فقد غادرها سائقها.. وذهب للتمتع والمشاركة بالضحك على بقية الأسرى.. تابعت الموقف بتأني وقلت لأبني آزاد.. انتبه وألقي بنفسك من السيارة فوراً لتنقذ نفسك.. وفي الحال رمى بنفسه وبدأ يسير بعدما مسك بيد طفل عربي.. شاهدته يخترق الحشد ويسير بثقة باتجاه الجامع ليفلت وينجو بنفسه مستغلا غفلة السائق وحالة الفوضى التي تعم الجميع.. بعد دقائق طلبت من ابني الأصغر صباح نفس الشيء لكنه تردد وخاف فقرر مرزا الهروب بدلاً منه بنفس الطريقة.. نفذ هو الآخر من الموت.. أعقبه شاب آخر لا أتذكر اسمه تمكن من النزول والهرب.. لكن اعرف أبيه تركي السنجاري.. بهذا أصبح عدد الفارين الناجين ثلاثة..

قلت لأبني صباح مرة ثانية.. اهرب وشجعته.. لكنه قبل أن يقفز من العربة أغمي عليه من الخوف فأصبحنا في مشكلة بعد أن سقط بين أيدينا. بدأنا بصب الماء على وجهه كي يستفيق.. ناديتُ داعشي.. طلبت منه مساعدتنا.. قلت له ابني سيموت..

قال ببرود أعصاب:

ـ ليمت..

بعد الواحدة ليلا عاد الدواعش.. وقالوا أين هم كرفاننا الايزيديين جاءكم عفو من الحجي.. ليذهب الجميع إلى جامع الرحمن في سنجار من اجل استكمال مشروع الإسلام.. لن تذهبوا إلى الموصل.. كما كان مقرراً.. بسبب صعوبة الوصول إلى الموصل في مثل هذه الأوضاع..

توجهت السيارات بنا نحو مدخل الجامع.. فتحت الأبواب لنا.. كان ابني صباح في حالة لاوعي من تأثير الإغماء الذي تعرض له أثناء حثي له للهروب.. تقدم نحونا داعشي.. يدعى أبو عبد.. حمله على ظهره إلى أن أوصله للجامع..

وطلب مني أن أذهب لجلب سيارتي لنقل ابني كي لا يموت.. هكذا عدت للبيت بدلاً من دخول الجامع.. كما كان مقرراً.. لم أرى أحداً من أفراد أسرتي في الدار..

فاجأني الموقف.. شعرت بالعجز والحيرة.. لكن انتبهت لعدم وجود كسر في الأبواب.. قلت قد يكون آزاد ومرزا هم من نقلوا الباقين في الدار لمنزل مرزا من باب الاحتياط والحذر خاصة وان المسافة بين الدارين لا تتجاوز المائة متراَ فقط..

توجهت لبيت مرزا.. طرقت الباب.. لم يفتح لي أحد.. ناديت عليهم.. انتبهوا لصوتي.. فتحوا الباب.. قال لي مرزا.. نقلتهم للحذر والتحوط من احتمال كشفهم لهروبنا.

أخذت مفتاح السيارة من أم آزاد.. توجهتُ نحو الجامع.. قبل أن أصل بعشرين متر قال لي رجل داعشي من داخل سيارته: قف أبا صباح وعد لدارك.. لكن لم أتبينه بسبب الظلام وحالة القلق التي انتابتني.. فواصلت طريقي للجامع.. قبل أن أطفأ السيارة تقدم نحوي شاب ليقول.. أذهب لقد غادر ابنك مع أبو عبد إلى الدار.. أدركت من جديد إن الذي طلب مني العودة هو أبو عبد ذاته.. لكن لم أتمكن من تشخيصه بسبب الإرباك والقلق الذي لا زمني.

عدت للدار من جديد.. وجدت صباح ومحسن شقيق مرزا هناك بعد أن أوصلهم أبو عبد.. طلبت منهما الركوب فوراً وذهبت لبيت مرزا.. كانت الساعة حينها بين الثانية والثالثة بعد منتصف الليل.. الجميع ممدد على السطح.. علمت أنهم وصلوا بسلام.. بمجموعات صغيرة متتالية.. بنفس الطريقة تباعاً.. دون أن ينتبه لهم الدواعش.

لم نستطيع أن نحدد موقفاً حاسماً أو محدداً بخصوص وضعنا.. بسبب العفو الذي أعلنه الحجي كما يقولون.. كنا فوق السطح.. بعد أن غادرنا آزاد متوجهاً لحي الشهداء لبيت عمه.. للبقاء بالقرب من زوجته التي كانت تمر بمخاض الولادة..

في الصباح بحدود الساعة الثامنة تقريباً.. هاتفنا من خلال تلفون ابن مرزا.. ليؤكد إن زوجته ستلد وهو حائر لا يعرف ماذا يفعل في مثل هذه الأوضاع العصيبة.. قررت التوجه إليهم لمساعدتهم لكن أم آزاد منعتني قائلة أخاف عليك.. قلت لها لن اترك كنتي حتى لو قتلوني.

توجهت إليهم بالسيارة.. في الطريق شاهدت جثة مرمية على الشارع بالقرب من معرض السيارات.. لرجل إيزيدي مقتول.. كان بالغاً ومتجاوزاً الـ 50 سنة.. يبدو انه قد قتل قبل ساعات.. واصلت السير لغاية الفرع الرئيسي لحي الشهداء بالقرب من دكان جلال لبيع الدواجن.. شاهدت أمام مدخله جثة رجل آخر قد يكون من حراس عبد القادر بطوش عضو البرلمان عن القائمة الكردية.. كانت جعبته ما زالت معه ومضروب في رأسه بإطلاقه.. واصلت السير في الطريق لم أشاهد أحداً كان فراغاً وكابوساً مرعباً..

دخلت لأتغلغل بين الفروع.. وجدت عائلة تركي الذي كان معنا في البودي ليلا.. سلمت عليهم.. وتوقفت أمام دار عم آزاد.. الذي كان قد أحضر كمية من البنزين لينطلق نحو قرية نصرية.. التي لم يدخلها الدواعش بعد لوجود قابلة فيها.. هكذا افترقت معهم ليذهبوا هم مع كنتي وابني.. ونبهتهم لوجود جثث على الطريق.. كي لا يتوقفوا عندها ويعبروا بسلام.. عند العصر أبلغوني إن كنتي ولدت بنتاً أسموها (روژهات).. ومن باب السخرية والمرارة والألم قلت: سموها داعش.

كانت النصرية عبارة عن قرية صغيرة.. بيوتها من طين.. تبعد كيلو متراً واحداً فقط عن سنجار.. بقي فيها بحدود 20-30 عائلة حسب تلفون آزاد وناسها محسوبين على الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة عائلة دقو من الجوانا.. لم يتحرش بهم الدواعش ومروا من أمامهم دون أن يشتبكوا بهم.

عدت لزوجتي وبقية أطفالي في بيت مرزا.. الذي نبهني لوجود سيارة بي أم جديدة متروكة بالقرب من دارنا.. سألني أن كنت أستطيع تشغيلها للاستفادة منها.. توجهنا نحوها حاولت كسر المفتاح وعمل جطل لتشغيلها لكن الكير كان مكسوراً فتركناها.

بقينا لغاية الثامنة والنصف ليلا.. قررنا العودة لدارنا بمجموعات صغيرة من 3-4 أشخاص.. على آن يبقى الكبار والمسنون..

هكذا استكملنا الانتقال وبقينا في الدار ليومين متتالين.

شاهدت.. في اليوم الثالث.. جاراً وصديقاً من قبيلة الكيچل في المحل.. كانت عائلته قد خرجت بالطريق المؤدي للموصل في موكب كبير تجاوز عدد سياراته الـ 300 مائة مركبة.. فوجئ بوجودي.. قال: اتصلت بك عشرات المرات.. كان يرد عليّ شخص من الدواعش وأكد لي..

لقد وصل الدواعش إلى دار مراد علو كبير قبيلة الكيچلان ومختارها.. فأعطيته رقم خالي أبو مرزا للاتصال بنا.. وقد رنّ التلفون بعد ربع ساعة ليؤكد لي خلص نفسك.. سوف يقتلون جميع الايزيديين.. فقد قرروا القضاء عليكم.. لهذا أنقذوا أنفسكم.. من براثن الموت.. بأية طريقة ممكنة ومتيسرة في أقرب فرصة قادمة.. وأعلمني بموعد خروج عوائل الأكراد السنة.. وطلب مني الانخراط في صفوفهم والسعي للخروج معهم دون تردد.. شرحت الموقف لأهلي وطلبت منهم عدم الخوف ومساعدتي وفقاً لمتطلبات الوضع.. وقلت لهم: تماسكوا واصبروا مهما واجهنا من مخاطر وصعوبات.. اخترت ابني شيرزاد الذي كان يجيد العربية ليجلس بالقرب مني على الكير وطلبت منه.. إنْ أوقفنا الدواعش في أية سيطرة.. أنْ يقول لهم:

ـ إن شاء الله نراكم في بغداد يا حجاج.. في هذه الحال سينسى من يطلب الهوية منا.. ولن يدقق في وضعنا ويسأل عن الدين والطائفة وغيرها من الأسئلة..

وان سأل عن العشيرة والقبيلة سنقول من الكيجلان السنة.. (الغريب في الأمر لقد وصل كافة أفراد هذه القبيلة إلى دهوك بمساعدة الدواعش عبر طريق الموصل ولم يتعرض أحداً من أفرادها للسوء علماً أنهم من كوادر ومنتسبي الحزب الديمقراطي المعروفين.. وهذا لغز من الغاز أحداث سنجار التي تتطلب البحث والتقصي)..

مع التأكيد.. أن الكيجلان قد ساهموا في ما حلّ بالإيزيدية في سنجار من دمار في هذا الفرمان الأسود!!.. علماً إنّ عزيز ملا علو أمير داعش.. الذي قتله الأمريكان في غرفة نومه بسنجار.. كان من المحسوبين على الحزب الديمقراطي الكردستاني..

وتم الاتفاق على تبديل الأسماء الكردية بالعربية.. وهكذا أصبح شيرزاد ماجد.. وقررنا إخفاء الهويات..

في التاسع من آب خرجت بحدود 10 سيارات تابعة للأكراد السنة من الكيجلان والقطو.. انخرطنا معهم لغاية مفرق أم الشبابيك.. كان معنا مختار حيّنا مردان الشيعي.. الذي قرر الهروب بنفس طريقتنا.. وانخرط هو الآخر في الرتل مع السيارات الخارجة في تلك الساعة..

كنا نحن في سيارتين حينما قال لي أبي:

اذهب وخلص أولادك مع ابن خالك.. وطلب مرزا أن اعصيه السيارة ليخرج بها.. بالرغم من وجود عطل فيها إذ كانت تشتغل تك.. كان عددهم 12 فرداً.. وبقي منهم أربعة خارج السيارة ثلاثة أولاد وبنت واحدة بالغة 20 عاماً.. كان آزاد في النصيرية وقال لي أبي.. سوف اذهب إلى آزاد الذي قرر البقاء هناك..

ركب الأربعة الباقون من عائلة ابن خالي معنا.. كانت العربة تحتك بالشارع من فرط الحمولة.. عند الدوار الأول الذي واجهنا فيه الدواعش واستفسروا عن هوياتنا قلت لهم للأسف.. الهويات تحت الأجساد هكذا سمحوا لنا بالخروج والتجاوز قائلين:

ـ ما شاء الله الكيجلان كثيرون..

خرجنا من بلدة سنجار نتوجه عبر طريق الموصل للمجهول.. لا نعرف ماذا سيكون مصيرنا في المحطات القادمة وأين سنقتل.. كانت الطريق من سنجار إلى مفرق أم الشبابيك عبارة عن حلقة متواصلة من سيارات الدواعش والرجال الراجلين في أرتال كبيرة ومتواصلة لغاية تلعفر.. بالقرب من معمل السمنت أوقفنا أحد الدواعش ليطلب الهويات..

بادر شيرزاد/ ماجد ليقول له:

ـ إن شاء الله نراك في بغداد يا حجي..

انشغل الداعشي بالصبي وقال.. إن شاء الله.. إن شاء الله.. وقبل الداعشي الصغير واستفسر عن القطعة البيضاء المعلقة بالسيارة.. قلت له علقها الصغار للخير.. قال هذه للكفار الإيزيدية يستعملونها.. سألني من أية عشيرة نحن.. قلت من الكيجلان..

قال على رأسي وفتح القطعة البيضاء.. وتحركت بأمر منه.. لكنه عاد ليوقفني مجدداً وفزع الأطفال.. ويقول.. هذه صرة حلويات.. رماها على الأطفال مضيفاً.. إن شاء الله نرى بعضنا في بغداد.. وعبرنا بسلام..

لكن للأسف في هذا المعبر بالذات افتقدنا ابن خالي ومن معه في السيارة الثانية.. بعد أن استوقفه الدواعش.. إذ شاهدته من خلال المرآة يوقفونه ويحتجزونه بسبب هيئة خالي ومعالمه الكاشفة عن أصوله.. أجل في معبر مقابل الصولاغ على بعد 5 كيلومترات من سنجار افترقنا.. كان فراقاً بلا وداع..

بعد تجاوزنا لهذه المحطة الخطرة.. واجهتنا مشكلة أكثر خطورة.. تمثلت بكيفية الإفلات من الطريق المؤدي إلى الموصل.. حيث كان رتل الكیچلان يسير إليها دون خوف.. أخذت أفكر بطريقة للنفاذ من أي معبر ممكن.. فيما القافلة تواصل سيرها لغاية مفرق أم الشبابيك..

هناك في مفرق أم الشبابيك.. شاهدت جموع الدواعش من كافة القوميات والأجناس.. باكستانيون.. أفغان.. عرب.. عراقيون..  تلعفريون من سُنة التركمان.. عند وصولنا إليهم طلبوا التوقف.. سألنا أحدهم.. من أنتم؟.. قلت من كيچلان.. قال: اعبروا

توجهت وحدي من بين الرتل إلى مفرق أم الشبابيك لطريق يؤدي لناحية سنون الذي فيه منفذ للجبل وأيضا يمكن الوصول إلى ربيعة ودهوك من خلال الأراضي السورية..

بعد انفصالي عن بقية السيارات التي توجهت للموصل.. واصلت السير في طريق خالية وبعد عشرة دقائق وجدنا ثلاث سيارات خلفنا كانت تقترب منا وأثناء وصولهم إلينا انتبهت لجهة السائق لأجد في موازاتي جاري.. فارس قطوي وهو من عائلة ايزيدية سابقة كانت أعلنت إسلامها في فرمانات سابقة.. سألني عن وجهتي قلت إلى سنون أو خانصور..

أعلمني أن بقية السيارات تعود لأشقائه مع عوائلهم.. وان داعش له قاعدة في سنون ولن تستطيعون العبور إلى الجبل من هناك..

قلت ماذا افعل قال اتبعني.. أصبحنا خمس سيارات مع إخوانه صلاح وفائز وابن عمه الياس وشريكه في المحل لغاية وصولنا السيطرة الرسمية القديمة.. التي كانت بإمرة الپيشمركة وأصبحت بيد الدواعش..

طلبوا من فارس الهويات.. سألوه من الذي خلفك قال أشقائي.. من عائلة قطو السنية.. قالوا لنا اذهبوا بعد أن استفسروا من فارس عن وجهتنا.. فقال لهم إلى كري زركة وكانت تحت سيطرة الدواعش..

واصلنا سيرنا لأكثر من ربع ساعة.. سبقني صلاح.. لحقت بنا سيارة داعش فيها أفغان وتلعفريون تجاوزونا ولحقوا بصلاح.. استوقفوه.. طلبوا منه الهويات قرأوا مسلم سني.. سألوه عن سبب السرعة.. وأكدوا.. لو لم تكونوا سنة لقتلناكم جميعاً.. السنة عليهم أن لا يسرعوا في قيادة عجلاتهم ويطمئنوا بوجودنا..

كانت هذه المرة الرابعة ننجو فيها من الموت لغاية هذه الساعة.. والخامسة جاءت في مفرق كري زركة.. لكن الياس وزوجته أنقذونا حينما قالت لهم زوجة الياس.. أن سائق السيارة التي خلفهم شقيقي.. وصلنا إلى كري زركة التي فيها أكراد مسلمون ما زالوا متأثرين بتاريخهم وصلتهم بالإيزيدية والإيزيديين.. دخلنا كري زركة التي فيها الدواعش..

كان أهالي القرية قد هربوا إلى زاخو.. وبقي فيها عدد محدود من الأشخاص.. مع عائلتين فقط إحداها لملا الجامع..

وصلنا بيوتهم.. كنا خمس سيارات قد توقفت دخلوا هم في بيوتهم.. وبقينا نحن في الشارع لا ندري ماذا نفعل والدواعش لا يقبلون أن يبقى أحدا خارج البيوت.. حينما خرج فارس ليتأكد من وجودنا طلبت منه حلاً.. قال أنا أيضا مثلك لا أدرى ما هو الحل.. خرج صلاح ليؤكد إن خاله يرفض دخولنا دورهم وهو أي خاله مع الدواعش.. وأضاف.. هناك بيوت فارغة هجرها سكانها تعالوا لنكتشف إحداها لتدخلوها وتبقوا فيها.. كانت البيوت فارغة.. دخلنا بيتاً فيه رجل مسن هيأ لنا الطعام.

عدتُ لأفكر من جديد بمصيرنا في هذه المحطة المخيفة من هروبنا.. قررت إبلاغ والدي من خلال تلفون صلاح كي لا يغدروا بنا.. قال أبي.. نحن في الدار في سنجار ولم نتمكن من الوصول إلى النصيرية.

قلت له أنا والعائلة مع صلاح أولاد ختو.. وهذا تلفونهم أخبرك من خلاله كي تطمأن علينا نحن في عهدتهم الآن.

بعد ساعة جاء أشقاء صلاح.. كانوا يتشاورون مع بعضهم بشكل مريب.. اتخذت موقفاً حذراً منهم.. قررت أن ابدأ باتخاذ إجراءات احتياطية لمواجهة مواقف غير محتملة منهم.. قد تصل للغدر بنا في هذا المنعطف الخطير.. في ذات الوقت جاءت زوجتي لتؤكد.. إنّ نساءهم يتجنبوها ويرفضن التحدث إليها واستفسرت ماذا سنفعل؟!!

أبلغتها بتفكيري بخطة للخلاص..

قلت لصلاح.. أسلمنا وقبل بنا أبو عبد.. فلماذا تخافون؟ نحن الآن مسلمون مثلكم.. وفقاً لشريعة ديانتكم.. وإذا لم تصدقوا لنذهب إلى الجامع.. لكن فائز لم يقتنع.. كان مرتعداً.. أصرّ على خروجنا من القرية ومغادرة بيوتها.. أما صلاح فقد أعلن استعداده لمرافقتنا إلى الجامع.. حاول فائز منعه مكرراً القول.. لا.. لا.. لا تذهب معه.. وحاول سحبه ليخرجه معه.. لكني بقيت ممسكاً بيد صلاح.. كي لا يتركنا ويأتي معنا للجامع.. تمكن صلاح من سحب يده من أخيه وقال: هذا خير سوف اذهب معه إلى المُلا..

لم يكن الملا متواجداً في الجامع فذهبنا إلى داره.. قال الملا.. بعد أن تحدث معه صلاح: إذا هم قد أسلموا فقد اقتربوا من الله.. وأعلن فرحه بوجودنا وأضاف.. خلاص أذهبوا إلى المدرسة معززين مكرمين.. كان في المدرسة ثلاث عائلات من المنجرفين مع الدواعش.. غادرنا صلاح ليجلب لنا العشاء من بيته.. سألونا عن القبيلة التي ننتسب إليها.. قلنا من قطو.. وبقينا إلى اليوم التالي في المدرسة لغاية مجيء شخص يسكن بجوار المدرسة ويمدها بالماء من بيته ليتعرف على العائلة الجديدة.. تفاجأ بوجودنا..

كان كريفاً لنا في سنجار.. التي سكنها لمدة عشرين عاماً.. وابنه نوزاد مختون في حضن أبي.. صاح من بعيد:

ـ هلا بكريفي..

خشيت من كشفه لنا.. لذا سارعت لتنبيهه.. كي لا يستخدم كلمة كريف.. قلت له غامزاً أسلمنا.. قال: بارك الله فيك.. أسرع ليخبر زوجته بوجودنا..

كان ابنه نوزاد بلحية رثة غير مهذبة على طريقة الدواعش.. أخذ يتهجم على الحيوانات الإيزيدية أصحاب الرؤوس اليابسة.. وأكد انه كان قبل يوم في عزيمة للأمير الداعشي (دخيل كتي).. الإيزيدي سابقاً.. من عشيرة العيسى وهم من أقرباء خديدا خلف شرو وشقيقه الياس شرو..

وأكد نوزاد نقلا عن دخيل كتي انه قد صرح:

ـ لو عثرت على إيزيدي حتى لو كان عمي خديدا لأحرقته حياً.. وكرر نوزاد تأكيده يوم أمس كانوا عندنا وأوصاهم دخيل كتي بالتأكد من احتمال أن يعلن البعض من الايزيديين إسلامهم لانقاد أنفسهم فاسألوهم سؤالين:

الأول عن الصلاة وعدد الركع في اليوم الواحد.. فإذا عرفوا إنها خمس ركعات فهذا يعني انهم مسلمون سنة بحق.. في إشارة إلى أن الشيعة يؤدون أربع ركعات.. بهذا لا يعتبرون مسلمون حقيقيون وفقا لهذا التفسير..

الثاني من الأسئلة.. عنْ الآية التي يرددها في الصلاة وإذا قال: أنا أمي لا أحفظ الآية.. هناك اختصار هي أن يقول.. صلاتي عباتي والحمد لله.. وهي خاصة بالأميين..

قلت له:

ـ علمني ماذا يقولون عند الصلاة.. قبل أن يجيب أسرع لإحضار ورقة وقلم وكتب العبارات التالية.. (بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين.. مالك يوم الدين.. إياك نعبد وإياك نستعين.. فأهدنا الصراط المستقيم.. صراط الذين أنعمت عليهم.. ليس المغضوب عليهم ولا الضالين).. حفظتها في الحال ومزقت الورقة.. تناولنا بمساعدتهم وجبة عشاء وبقينا ليلة أخرى في المدرسة..

في اليوم التالي هرب جميع أهل القرية.. طلبت من صلاح معرفة السبب.. قال وصلنا تهديد من قاسم ششو بالتلفون يقول فيه أنتم باقون لسرقة ممتلكات الإيزيدية وتنسقون مع داعش.. وعليكم مغادرة القرية خلال 24 ساعة والتوجه إلى زاخو عبر الأراضي السورية.. وإلا ستندمون وتتحملون مسؤولية ممتلكاتنا ودم من يقتل من الايزيديين..

قلت لصلاح سأذهب معكم.. وهكذا غادرنا كري زركا عبر طريق ترابي لمدة ساعة ونصف تجاه الحدود السورية.. كنت خلفهم في طريق ربيعة وصلنا قرية (إسارة) العربية التي تتربع فوق تل ترابي كبير والشارع فيها يؤدي إلى معبر ربيعة الرئيسي من خلف القرية..

بعد أربع دقائق فقط قطعنا مسافة كيلومتر واحد تقريباً.. لاحت لنا من بعيد سيارات للدواعش.. توقف الجميع للتفتيش المشدد.. والمسافة بيني وبينهم كانت بحدود 400 متر فقط..

كان الشارع يمرق من خلال بساتين تابعة للإيزيديين اعرف أصحابها الذين هجروها وتركوا ما فيها من أشجار فواكه وبقية المزروعات.. توجهت لأحد البساتين العامرة التي فيها كافة المستلزمات.. أوقفت السيارة بين الأشجار وأخذت أراقب سيطرة الدواعش من بين شتلات عباد الشمس وقلت للعائلة لا مفر إلا بالعبور من خلال داعش أو إيجاد حلا آخر..

وضعت بلاجكتور كبير في السيارة.. بعد ساعة ونصف قررت في لحظة جنون التحرك عائداً لـ كري زركا.. عدت للمدرسة من جديد وطلبت منهم وجبة طعام كنا في غاية البؤس والجوع..

الغريب أن القرية أصبحت مهجورة بالكامل تقريباً.. بعد أن غادرتها بقية العوائل من الخاتونية الذين قرروا الرحيل وترك بيوتهم.. لذلك لم نجد أحدا فيها.. اتصلت بصلاح قال: هناك طريق بالقرب من المدرسة على بعد 200 متر منها يؤدي لقرية ايزيدية تسمى دهولي ملتصقة ببيوت كري زركا وفيها ايزيديون مختلطون بالمسلمين.. فتحت باب المدرسة وحسب توجيه ووصية صلاح ذهبت للشارع وعلى بعد أمتار وجدت رجلاً ايزيدياً لوحده في البيت.. قلت له نحن من سنجار.. وتحدثت له عن معاناتنا وهروبنا باختصار وصراحة.. فزع من وجودنا وقال.. للأسف لا أستطيع أن أساعدك كان مرتعداً وخائفاً للغاية.. لكنه أكد وجود ثلاثة أشخاص آخرين سيساعدونني حتماً..

أحدهم كهل معمر من أصحاب الكصائب كذائله تتمايل مع رأسه كالأفاعي مع زوجته المعوقة هو الآخر رفض مساعدتنا.. بقيت أتفاوض معه لكنه لم يستجيب لحين ظهور الشخص الثالث.. كان يؤشر بيده لأذهب إليه.. سألني بود وحنان بتعبير يستخدمه السنجاريين عند الشدائد مع بعضهم (بابو تو إيزيدي… يعادل في العربية قول.. بوية هل أنت إيزيدي).. قلت نعم ومعي أطفالي وزوجتي.. قال اذهب اجلبهم بسرعة قبل أن يشاهدك الدواعش.. لكن اترك السيارة بعيداً عن الدار.

عملت بنصيحته.. تركت السيارة في البعد وأدخلت عائلتي لداره.. قال لم استخدم التلفون نهائياً.. وأكد كل يوم ثلاثاء يأتي عدد من الايزيديين من الجبل ليأخذوا مواد غذائية.. بإمكانكم البقاء هنا لحين مجيئهم.. وجهز لنا الحمام لنستحم ونغتسل من التراب العالق في ملابسنا وعلى أجسادنا.. وأخذ البنات معه ليهيئ لنا الشاي اغتسلت بسرعة.. وذهبت أم آزاد لتستحم بدورها..

سمعنا صوت رصاص قال يومياً يأتي الدواعش للسرقة وهم سلابة من جيراننا العرب.. قلت له اقفل الباب في حالة خروجك من الخارج.. وقال لي لو جاء جماعة ي. ب. ك.  قل لهم أنا إيزيدي ولا تخاف سيساعدونك..

قلت ساخراً.. استغفر الله كيف أقول أنا كافر.. وأوصاني بالاهتمام والحرص على أهلي وأطفالي الصغار.. لم يخطو إلا خطوات قليلة.. إذا بصوت يناديه واسمعه من خلف الباب كريف.. كريف.. جمعوا الأربعة.. صعدت إلى البيتونة لأراقب ما يحصل من الشباك..

شاهدتهم يجمعون الأربعة.. يقودون لحتفهم.. سمعت صوت أربع إطلاقات.. لم أستطيع الوصول إلى الحمام لإبلاغ أم آزاد بالموقف.. كنا صامتين.. لكني جمعت الهويات والوثائق ورميتها في البئر.. كي لا تكون شهادة إثبات تؤدي بنا للموت.. بحكم تثبيت الدين فيها.. كما هو معمول في الوثائق العراقية..

بعد دقائق دخلوا الحوش.. سألتهم من أنتم؟ فلم يجيبوا.. بل سحبوا عليّ أقسام بنادقهم قلت لهم.. نحن سنة مثلكم.. وأنتم تنتهكون بيوتنا ومثلت بدوري عليهم معلنا غضبي من تصرفاتهم..

طلبوا منا الهويات.. قلت لهم.. أنا من سنجار.. بيتي خلف جامع الرحمن.. ضربنا بصاروخ وتهدم الجامع.. لذا هربنا بسرعة دون أن نأخذ وثائقنا التي تركناها لننقذ أنفسنا من الصواريخ اللاحقة.. وقد جئت لهذه الدار بالصدفة.. قال أحدهم ويبدو انه مسئولهم.. لا تخف أنت على رأسنا.. في هذه الأثناء خرجت زوجتي من الحمام لتندهش بالموقف.. قلت لها مستدركاً.. الأخوة من المجاهدين السنة.. كان معهم داعشي من تلعفر قال: أنتم لستم بمسلمين.. قلت له بل مسلمون.. سألني عن عدد الركعات في الصلاة فقلت له خمسة.. أعقبها بالسؤال عن آية الصلاة.. رددت له آية الحمد لله.. الخ.. تأكد من حفظي للقرآن فتركنا..

كان لي حفيد من ابني آزاد عمره شهر واحد.. اخرج الداعشي التلعفري من جيبه (5) آلاف دينار أهداها للطفل ومنحه لقب عبد الله.. وقال لنذهب للأمير لنمنحك وثيقة عدم تعرض.. خرجت معه.. كان في الشارع الفرعي أكثر من 130 سيارة للدواعش قادني من بينها لسيارة نيسان دبل قماره عسكرية اللون.. بعد السلام والتحية الإسلامية قال له: حجي هذه عائلة سنية من عشيرة القطويا خرجت من سنجار بعد قصف جامع الرحمة القريب من دارهم.. سألني كم يوم أنت هنا قلت من خمسة أيام.. سألني عن المواد الغذائية.. قلت متوفرة.. قال اذهب واجلب لهم مواد غذائية مع نساتل وكولا وسحب ورقة وكتب عليها..

بعد التحقيق ثبت انه عائلة مسلمة سنية من سنجار وختمها بالأسود بعلم داعش وأعطاني إياها.. مؤكداً.. قد يأتي غيرنا اعطيهم هذه الورقة.. ولا تتحدث إليهم.. وان لم يقتنعوا هذه أرقام تلفونات كورك أبو غيده وأبو صدره..

قبل أن يذهب الحجي قال له شخص: ماذا نفعل بجثث هؤلاء الكلاب؟ فأجابه روح نقشهم وارميهم للكلاب.. وشاهدت الرجل يخرج من جيبه شفرة حادة وذهب.. وقبل أن يغادروا سألتهم ألا تراكم طائرات أمريكا؟ أجاب يا معود ماكو أمريكا وودعوني..

أخذنا نلتهم الشكولاتة.. لكن الفزع لم يغادرنا.. بقينا نواجه مصيرنا المجهول على أمل أن يأتي أحد من طرف قاسم ششو أو أية مجموعة في الجبل لنرى حلا.. كنا لا نستطيع النوم من الخوف.. بكينا كثيراً على الرجل صاحب الدار الذي آوانا رغم معرفتنا القصيرة به..

عند السادسة صباحاً غادرنا القرية.. لكن إحدى عجلات سيارتنا عطبت ولم يكن معي جك لتبديل البنجر فشققت إطار السيارة واستخدمت مع الآخرين البلوك بدلا من الجك أثناء تبديل العجلة المعطوبة..

وعند مغادرة آخر البيوت حينما انعطفت قليلاً لأجد الكلاب تنهش وتأكل من الجثث.. بينها جثة صاحب الدار.. وعاد بنا الوضع من جديد لأجواء فقداننا لطفلنا الرضيع.. انتكست أوضاع ابنتي التي أصيبت بانهيار.. عادت إليها التشنجات من جديد..

كنت رغم المأساة أغذ السير عسى أن أصل لمحطة أمان.. بعد سير تجاوزت مدته الربع ساعة وجدت سيارة عاطلة متروكة.. قررت اخذ عجلة منها لتكون احتياط لسيارتي.. رمينا الملابس منها لنخرج العجلة التي في الصندوق كانت سيارتنا لا تتحمل حشر أشياء زائدة فيها فوضعت العجلة فوق رؤوس وصدور المحشورين فيها..

في الطريق وجدنا تراباً قادماً من بعيد.. فانعطفت إلى مدخل لمغادرة الطريق حاول ثلاثة أشخاص إطلاق النار علينا من بستان قريب عرجنا باتجاهه كانوا مختبئين فيه..

صحت بهم نحن ايزيديون.. وحينما وقفت بالقرب من أبيهم المسلح قلت له ماموـ عمو) نحن ايزيديون.. شرحت له ما شاهدته من الدواعش وأعطيته معلومات عن قوة الدواعش وعدد سياراتهم.. قال.. لن نهرب.. ولن نغادر موقعنا.. سنموت في بستاننا.. ولن نتنازل عن معتقداتنا.. وأوضح ابنه.. هذه قرية أيسارا العربية أمامكم تعبرون من نصف القرية بعد أربعة دقائق تصبح على الشارع الرئيسي المؤدي لسوريا.. وأضاف.. سوف تسلك بعد عشرة دقائق الطريق من اليسار نحو محطة فيها مجموعة تابعة لـ ب. ك. ك. وقل لهم.. نحن ايزيديون كي يساعدوكم ويفتحون الطريق لكم للعبور نحو سوريا..

شجعني مؤكداً.. لا تخف من القرية العربية.. ليس فيها إلا النساء.. ولا يوجد مسلحون عرب أو دواعش فيها..  يوم أمس عبرت عائلة ايزيدية.. فارتفعت معنوياتي وواصلت السير حسب توجيهاته..

بعد عشر دقائق وصلت لحاجز ترابي يقطع الطريق.. فتوقفت مجبراً لألقي نظرة على رابية قريبة يرفرف فيها علم من بعد كيلومتر.. لم أستطيع تمييز لونه والجهة التي يرمز لها.. فقررت العودة باتجاه ربيعة..

أثناء الاستدارة فكرت.. قد لا يكون علماً.. بل صورة لـ عبد الله أوجلان.. عدت من جديد لأستدير نحوهم بعد أن وضعت قطعة كلينكس بيد الأطفال.. توجهت نحو الموقع المذكور..

تقدم نحونا رجلان.. قبل أن أصل إليهم ناداني أحدهم.. أبو آزاد هذا أنت؟.. قال: هناك معبر بموازاة الساتر للعبور بمقدورك تجاوزه بسهولة.. نسيت نفسي.. تقدمت نحوهم..

كان الوصول لنقطة يتواجد فيها البيشمركة في هذا المكان بالذات معجزة.. لم اصدق نفسي إني ما زلت حياً.. شعوري بالأمان خدرني وجعلني أغيب عن الوجود.. كدت أغمض العين وأسلم الروح من شدة الفرح.. وأنا أتابع بقية انفراد عائلتي.. اللذين أنقذتهم من براثن الموت وانتزعتهم من مخالب الدواعش.. ساعة بعد ساعة في تلك الأيام التي مرت.. وستبقى عالقة في ذاكرتنا للأبد بالرغم من وصولنا بر الأمان بسلام.. رغم خسارة أكثر من نصف عائلتي بين قتلى وسبايا ومحتجزين.. وهم أبي وأمي التي أطلق سراحها بعد تسعة أشهر.. وهي تعاني من آثار جلطة قلبية أصيبت بها أثناء السبي ولم يعالجوها.. وكانت ضمن المجموعة الثانية التي وصلت إلى سيطرة كركوك في حينها.. وزوجة أبي الثانية وأخواتي غالية ودالية وأخي هفال الذين لا نعرف شيئاً عن مصيرهم للان.. فقط علمنا أنه نقل خبراً غير مؤكداً عن أخذهم الأطفال الثلاثة من قرية خدر الياس في تلعفر في نهاية أيار 2015.. وهو مكان احتجاز عائلتي مع آخرين.. لا نعرف شيئاً عن مصيرهم لليوم ونحن نقترب من الذكرى الأولى للحدث الشنيع.. وسنبقى نقلب صفحات الفرمان الأسود.. يوماً بعد آخر.. لكي ندرك ماذا حصل بعد تلك الساعات التي سقطت فيها سنجار بيد الدواعش الهمج..

 

****

 

في اللقاء الثاني بتاريخ 12/6/ 2015 لاستكمال الحديث مع زيدان خلف الذي توقفنا فيه عند وصوله إلى نقطة آمنة فيها مسلحين من الثوار الكُرد بالقرب من الحدود السورية تابعنا الاستماع له عن بقية الفصول وقد واصل حديثه بالقول..

نزلنا من السيارة.. وضعت مناديل ورق بيضاء بيد الأطفال.. وتوجهنا نحوهم بعد مغادرتنا السيارة.. شاهدنا اثنان يتقدمان نحونا توقف أحدهم والآخر تقدم إلينا.. عرفني ونادى بلقبي أبو آزاد هل هذا أنت؟

قلت: نعم.. وأخذ يستفسر مني عن الوضع.. ومن أين جئت.. قلت له من قرية (إشارة) بعد أنْ هجرها أهلها وأصبحت خالية من الدواعش.. أوصلني لمسئول النقطة.. وأخذ مفاتيح السيارة ليجلبها إلى الموقع..

بعد أن جلسنا في باحة المركز وجدنا صورة للمناضل المعتقل عبد الله أوجلان ترفرف فوق الموقع وتأكدنا أنهم من أتباع حزبه وحركته السياسية.. جلبوا لنا المياه الموضوعة في علب بلاستيكية.. وقدموا لنا ما عندهم من طعام.. وخففوا من أحزاننا.. خاصة الفتيات المقاتلات اللواتي كُن معهم.. وكان أكثر من نصفهم ايزيديون وإيزيديات.. التحقوا بالقوات القادمة من سوريا.. لمواجهة الدواعش لإنقاذ المحاصرين في الجبل..

قلت لهم.. أرجوكم انقلونا إلى موقع آمن في أسرع وقت.. اشروا لنا إلى معالم وجود قواتهم على طول الطريق المؤدي إلى سوريا.. حيث كانوا قد فتحوا منفذا للعبور الآمن بعيداً عن قوات داعش التي كانت قد قدمت من سوريا عبر نفس الطريق لمحاصرة سنجار دعماً للقوات القادمة من الموصل.

بعد نصف ساعة.. غادرنا الموقع تحسباً لاحتمالات قصفه بالمدفعية والهاونات.. انطلقنا عبر الطريق المؤدي إلى تجاوز الحدود نحو سوريا.. بعد سير أكثر من ثلاث ساعات إلى أربعة تقريباً.. ولا اعرف عائدية الموقع.. هل هو في الأراضي السورية أم العراقية لحد الآن.. وصلنا إلى مفرق يتواجد فيه پيشمركة من كردستان العراق.. تقدم نحونا أحدهم يرافقه مصوراً يحمل كاميرا لتصويرنا.. استفسر منا.. إذ كنا أكثر أربع عائلات قد وصلت في أوقات متقاربة..

أحداها عائلة (خيرو مجو) من أكراد سنجار المسلمين.. كان بحوزته وصلا كشفه للپيشمركة المذكور مع الصور للمصور مؤكداً.. إنّ مسؤوله الحزبي في الحزب الديمقراطي الكردستاني في سنجار قد سحب منه سلاحه بالإكراه.. قبل يوم من وصول الدواعش.. واضطر لتسليمه مجبراً ومكرهاً.. بعد أن استلمت الوصل منه بتاريخ 2/8/2014.. أي قبل الهجوم بيوم واحد.. وهذا الإجراء شمل الآخرين بمن فيهم المواطنون أيضا الذين تعرضوا للتجريد من السلاح.. وفقاً لهذه الإجراءات التي سبقت دخول داعش إلى سنجار..

سألت الپيشمركة عن كمب نوروز.. الذي التجأ إليه الايزيديون الفارون من مدن سنجار وقراهم.. قال لي أحدهم مؤشراً على اليسار من هذا الشارع.. سرت في الطريق الذي اشره لي وفقاً لاستفساري.. بعد ساعة ونصف أو أكثر وجدت نفسي بالقرب من معبر وجسر ديربون المؤدي إلى زاخو.. اكتشفت إن الپيشمركة قد كذب عليّ ووجهني وجهة خاطئة كي أصل إلى زاخو بدلاً من كمب نوروز في سوريا.

بعد عبورنا للأراضي العراقية.. من خلال أربع سيارات لم يستفسر منا أحد.. ولم تثبت أية معلومة عن وصولنا.. فقط استفسروا عن السلاح إنْ كان بحوزتنا.. وانْ كان موجوداً لدى البعض.. كان يجري استلامه دون وصولات.. على كل حال دخلنا ديربون.. بقينا ليلة عند خليل بوكو السنجاري من أهالي كرزرك.. الذي كان مستقراً في ديربون بعد انتفاضة عام 1991..

في اليوم التالي توجهنا لموقع فيه ماء.. ووضعنا بطانية كانت بحوزتنا كغطاء لعمل ضل للأطفال لغاية العصر.. لم نكن نعرف كم تبعد عن زاخو.. عند العصر جاءنا شخص يدعى دليرْ يقود سيارة سيدان بيضاء.. قدم لنا ماءً مقطراً.. قلت له نريد الوصول إلى زاخو.. قال اتبعني علمت منه إننا قريبون جداً والمسافة لا تتجاوز العشرين دقيقة بالسيارة.. توقفنا قبل الوصول في محطة تعبئة بنزين.. فول الرجل سيارتنا على حسابه.. وأخذ رقم تلفوني وأعطاني رقمه للاتصال به عند الحاجة..

كانت جموع الايزيديين من أهالي سنجار منتشرة في الشوارع.. وتحت ظلال الأشجار في الحدائق.. المدارس.. واصلنا سيرنا وسط هذه الحشود.. اتصلت في ساعة متأخرة من عصر ذلك اليوم بصديق من معارفنا.. كان قد وصل إلى زاخو قبل أسبوع أو أكثر.. قال: هناك زاوية على الرصيف تابعة لفناء المدرسة يمكن الانزواء فيها.. وبدأ هو وزوجته يعدونها لنا كمأوى..

بقينا هناك لمدة أسبوع.. تم تسجيل أسماءنا.. كانتْ الوجبات الغذائية المقدمة لنا لا تصلح للتناول للأسف.. الطعام مطبوخ من رز معفن تعافه النفس مع صمونْ و”مركة هوا”.. كما يسميها العراقيون.. واستمرينا على هذه الحال مدة أسبوع.. كل يوم وجبة من هذا الطعام المعفن.. كما قدمت لنا كمية من المواد للتنظيف والاستحمام بما فيها الشامبو..

في اليوم التالي رنّ التلفون.. كان دلير زاخولي هو المتحدث.. استفسر مني عن أعمار الأطفال من أجل أن يجلب لهم ملابس جديدة.. وأكد إنّ بيته ضيق وحشر فيه عدة أشخاص من قبلنا.. ولا يساعد على استضافة آخرين.. كان قد اشترى للأطفال حاجيات بمائة دولار تقريباً..

قدمت له معلومات عن اعتقال أبي وأمي مع أختين لي وأخ صغير من زوجة أبي الثانية.. في اليوم الثاني وصلت سيارة نجدة لتنقلني إلى دائرة الآسايش في زاخو.. مع كلو القيراني الذي كان لديه 19 أسيراً من أفراد عائلته عند الدواعش في نفس المكان..

استقبلنا ضباط مدنيون.. قلت لهم: عائلتي محتجزة عند الدواعش في قضاء تلعفر.. وتتواجد في مكان يعود لمدرسة من طابقين.. فوق سطحها خمس خزانات حمراء اللون للماء.. اثنتان منها مواجهة للجنوب والثلاثة الباقية على جهة الشمال.. وأكد كلو.. صحة المعلومات التي قدمتها دون أن يضيف عليها. وأكدت للضابط الذي كان يدون المعلومات أيضا.. إن أبي لديه تلفون لم يكتشفه الدواعش ويمكن الاتصال به ليلا فقط للتأكد من هذه المعلومات..

بدلاً من أن يستجيب الضابط لهذه المعلومات علق بسخرية.. لحد هذا اليوم وصل من سنجار إلى زاخو وحدها 11 ألف إيزيدي.. لو حمل كل واحد منكم حجراً وقذفه بوجه داعش لما دخلوا سنجار.. ولما حلّ بكم ما جرى..

هيجني موقف ضابط الآسايش.. شعرت انه يجرحني من جديد.. لهذا عقبت عليه منفعلا: الأول من باعنا وانسحب دون قتال هم.. الپيشمركة الذين لم يطلقوا إطلاقة واحدة بوجه الدواعش.. في الساعة الـ 4,20 دقيقة فجراً شاهدتهم من فوق السطح يهربون.. تركوا مواقعهم الرئيسية المسيطرة على طريق سنجار/ تلعفر/ الموصل/ في أم الشبابيك.. واصلت الحديث.. نحن مدنيون.. داعش كانت تستهدفكم.. لكنكم بعتونا وانهزمتم.. قال: لا تقل هذا مرة ثانية.. لأن هذا الحديث غير دقيق.. بالرغم من وجود شهود آخرين على صحة حديثي والمعلومات المؤكدة عن هروب الپيشمركة دون قتال من سنجار.

في النهاية قال لي.. لا نستطيع أن ننقذهم.. اترك المسألة لنا.. سنتابع الموضوع من خلال هذا التلفون..  ولم يتصل بي بعدها إلى اليوم.. ولا اعرف ماذا فعل بعد ذلك!!

كان لهذا الموقف من ضابط الآسايش دوراً في قراري بالخروج من كردستان العراق والتوجه إلى تركيا.. غسلت يدي من إمكانية التفاهم مع هكذا ناس جردونا من سلاحنا قبل يوم من دخول داعش.. وسلمونا إلى إليهم دون قتال في سنجار وغيرها من المدن.. وهو الآن يستهزئ بنا كأننا نحن الذين يجب أن ندان.. لأننا لم نواجه الدواعش كما يدعي..

علما إنّ أربعة من أولاد عمي هم.. (ولاتي كارس دومو وتمو رشك دومو وماهر مرزا سلي نواف حاجم كارس دومو) استشهدوا في الساتر الأول المواجه للدواعش في كرزرك وهم من عشيرة الخالتي) وكلهم مدنيون ولم يكونوا عسكريين أو منتمين لأية جهة سياسية.. وهذا الضابط يديننا ويقول.. أنتم انهزمتم.. ولم تقاتلوا الدواعش ويسخر منا..

توجهنا إلى تركيا بعد فترة أسبوعين من بقائنا في زاخو.. بعد أن وصلنا ناحية باطوفة عبر الممرات الجبلية المواجهة لهكاري وواصلنا السير لأكثر من 12 ساعة متواصلة مشياً على الأقدام.. عند الحدود التركية استقبلنا الجنود والجندرمة الأتراك مع أكراد مدنيين كانوا يقومون بتسجيلنا وإرسالنا فوراً إلى موقع مؤقت بالشاحنات / قلاب/..

في اليوم التالي نقلونا بالمنشآت إلى نصيبين.. أودعونا في قرية (كري ميرا).. في مكان من طابقين مخصص للعزاء كنا بحدود 54 عائلة.. أي أكثر من 250 فرداً جميعهم من سنجار.. كان أهالي القرية يقدروننا ويحترموننا ويحموننا وقدموا مساعدات كثيرة لا تقدر بثمن للنازحين..

من هناك خططتُ للوصول إلى ألمانيا.. بعد أن غادرت ذلك الموقع الخاص بالعزاء في نيسان 2015 أي بعد ثمانية أشهر من سقوط سنجار واحتلالها.. وبقيت عائلتي لحد الآن هناك بدون وثائق مع ابنتي التي أصيبت بانهيار عصبي.. لا اعرف ماذا سيحل بها.. بالرغم من تأكيد الأطباء في تركيا على عدم مقدرتهم تقديم المساعدات الطبية المطلوبة لها.. لإنقاذها من حالتها وهي أصغر من 18 عاماً..

أما عن طريقة وصولي إلى ألمانيا فيمكن الحديث باختصار عن شبكة المهربين.. التي تستغل الحالة الإنسانية للنازحين.. وتقدم لهم الإغراءات بالوصول إلى أوربا بطرق سهلة.. حيث يجري اصطيادهم هناك..

هكذا كنت واحدا من مجموع 48 رجلا نقلونا إلى (اديرنة) على حدود بلغاريا.. وتم إدخالنا إلى بلغاريا ليلا على شكل مجموعات صغيرة، وتم اعتقالنا من قبل الشرطة البلغارية وسحب المبالغ التي بحوزتنا في حالة العثور عليها.. مع اخذ الهواتف التي فيها كاميرات منا، ووضعونا في سيارات عسكرية ونقلونا إلى مدخل سياج على الحدود التركية ليلا وأخذوا يضربوننا بالعصي ويدفعوننا إلى الأراضي التركية من جديد..

وهكذا عدنا إلى اديرنة من جديد.. بعد أنْ اتصلنا بالمهرب الذي جلب لنا سيارتين للنقل كي يعود بنا إلى الفندق الذي تركناه قبل التوجه إلى الحدود البلغارية للعبور..

بعد ثلاثة أيام جاءنا شخص آخر.. قيل عنه انه أذكى من الأول.. الذي أدخلنا من فتحة فيها كاميرات مراقبة وقيل لنا ان هذا الشخص الثاني.. يعرف أماكن العبور السهلة.. سوف يعبركم بأمان إلى بلغاريا.. كنا أيضا مجموعة صغيرة من نفس الأشخاص نقلونا عبر الغابات لأكثر من ثلاث ساعات وأودعونا غرفة بالقرب من الحدود لانتظار الليل.. وأخذ المهرب يراقب الطريق من موقع آخر..

بعد أربع ساعات من الانتظار عاد إلينا قائلاً.. سنعود.. لن نعبر لأنهم كشفوني وشاهدوني.. اتصل لتأتي السيارات لتعود بنا إلى الفندق مرة ثانية وطلب منا عدم الاستعجال والانتظار لحين إمكانية وجود معبر آمن..

بعد أسبوع تجمعنا بحدود 48 رجلا مع عائلة واحدة وطفلين وانتقلنا بالسيارات إلى منطقة ابعد ومن خلال الغابات الكثيفة.. طلب منا الاستعجال في العبور كي لا يشاهدنا الشرطة الأتراك أولاً.. وبعدها الاختباء في الغابة لحين الليل سيكون في انتظاركم مهرب بلغاري يدخلكم عبر الغابة إلى العاصمة صوفيا..

في الليل استلمنا المهرب البلغاري من زميله التركي.. قادنا في الظلام عبر الغابة بسرعة إلى مناطق آمنة وكان عدد الواصلين فقط 18 شخص ممن نجوا من هذا الطريق الأعجوبة.. وقد جرح عدد منا بالأغصان وأصيبوا في وجوههم.. أما الآخرون فعلمنا إنهم قد عادوا لتركيا للمرة الثالثة..

في بلغاريا مشينا 23 ساعة متواصلة بعد ثلاث توقفات للراحة القصيرة بالرغم من هطول الأمطار المتواصلة.. لغاية الطلب منا التوقف بين الأشجار من قبل المهرب..

غادر ليعود بعد ساعة ونصف حيث صفر لنا واشر لنتوجه إليه مسرعين.. كان معه سيارة بيضاء وسائق في الجهة الثانية من نهير صغير اضطررنا لخوضه بملابسنا وكانت مياهه تصل إلى صدرنا بعمق 120 سم تقريباً.. هكذا دخلنا السيارة التي كانت عبارة عن صندوق مغلق دون مقاعد.. سارت بنا لمدة ساعة تقريباً.. وكادت أن تنقلب أكثر من مرة بسبب الطين والمطر في الغابة المسببان للانزلاق..

بعدها أدركنا من صوت المحرك إننا نسير على شارع مبلط.. بعد أكثر من ساعة ونصف توقف ليطلب منا النزول والدخول لحقل وضعنا فيه مع الأبقار.. وطلب منا تبديل ملابسنا وأحذيتنا المتسخة بالملابس التي كانت بحوزتنا في الحقائب الصغيرة مع الأحذية الاحتياط التي جلبناها معنا من تركيا وفقا لطلب المهرب.. بقينا مع الأبقار لغاية الليل دون طعام وشراب.. لم يقدم لنا شيئاً وطمأننا في الليل سنجلب لكم تكيسات لنقلكم.. لكن تم نقلنا بسيارة واحدة فقط حشرنا فيها.. كاد البعض منا أن يغمى عليه من شدة التعرق والرائحة الكريهة.. بعد أن احكم الزجاج علينا وأغلق الأبواب.. استمر بدون توقف يقود العربة إلى صوفيا التي وصلناها بعد ثلاث ساعات..

عند مفرق طرق توقف ليستدعي تكسي لكل أربعة أشخاص.. نقلونا جميعاً إلى شقة واحدة تابعة للمهربين.. بقينا هناك ليلة واحدة اغتسلنا فيها.. وطلبنا طعام جلبوه لنا بعد أن اخذوا ثمنه منا أربعة أضعاف..

في اليوم الثاني نقلونا بالتكيسات إلى وسط العاصمة لساحة ينتظرنا فيها سائق مع سيارة واحدة أيضاً لنحشر فيها من جديد وننقل إلى حدود صربيا بعد مسير ساعتين أو أكثر..

هناك اختفينا في بيت مهجور وسط غابة لحين الليل.. تركونا ولم يأتوا إلا في صباح اليوم التالي مع وجبة فطور خفيفة وقناني ماء.. وأكدوا أنهم سينقلوننا في اليوم التالي.. وسوف يجلبون لنا الطعام في الليل وذهبوا من جديد..

بعد ساعتين اكتشفنا وجود سيارة شرطة بالقرب من الكوخ.. اختفينا منهم لكنهم فاجئونا.. دخلوا مشهرين مسدساتهم علينا.. أخذونا الى مركز حدودي لطبع بصمات أصابعنا من قبلهم كإجراء مكمل للتحقيق الذي استجوبنا حول هويتنا والغاية من وجودنا.. بعد أن تأكدوا من إننا عراقيون سيتوجهون إلى ألمانيا هرباً من داعش.. نقلونا إلى العاصمة صوفيا.. وأودعونا في كمب مغلق لمدة 14 يوم وطلبوا منا أن نقدم اللجوء عندهم وفقاً لاتفاقيات دبلن الثانية..

قلنا لهم لا نريد لجوء هنا.. نفكر ونرغب بالوصول إلى ألمانيا.. شرحت لهم موقفي وأوضاع عائلتي وبنتي لكنهم لم يستوعبوا الأمر.. قلت لهم سوف اذهب إلى ألمانيا.. ضحك الرجل / الشرطي.. وقال هذا مفتاح سيارتي هيا اذهب إلى جرمانيا.

بعد 14 يوم نقلونا إلى كمب مفتوح.. ومن هناك خرجنا لنواصل التفكير بالوصول إلى ألمانيا.. انتقلنا إلى شقة المهربين في شارع آخر.. بعد ليلة واحدة هناك نقلنا بالسيارات من أجل العبور مباشرة إلى صربيا كي لا نبقى في الحدود.. كانت السيارة مغلفة بالبليت كأنها صندوق.. بعد سير أربع ساعات اكتشفنا إننا نواجه أغصان أشجار تلامس العربة.. أدركنا إننا في غابة من جديد..

بعد دقائق فتحت لنا الأبواب وطلب منا النزول.. كان الثلج يغطي الأشجار مع الأرض.. وهناك سيارة عسكرية تعود لشرطة صربيا فيها شرطي بملابس مدنية استلمنا وحشرنا فيها.. ووضع اثنان منا فوق البودي المكشوف.. واثنان فوق السقف.. أخذ يسير بنا وسط الغابة بصعوبة من كثرة الثلوج والتلال الكثيرة فيها.. كادت لأكثر من مرة أن تؤدي بنا للموت في حالة زحفها وانقلابها للأسفل..

ما زلت مصاباً بيدي من هذه الحادثة لحد اليوم.. بعد أن أطبق الباب على يدي وتوقف السيارة بشكل نهائي.. مما اضطرنا للسير 7 ساعات متواصلة على الإقدام لتجاوز المسافة الباقية حيث تنتظرنا هناك سيارتان أو ثلاث.. وكان هو دليلنا في الطريق بعد أن ترك سيارته..

بعد سبع ساعات وجدنا في انتظارنا ثلاث سيارات لاندكروز جديدة رباعية الدفع متوقفة لتنقلنا إلى عاصمة صربيا.. كان المهرب الرئيسي من تركيا يواصل اتصالاته معنا ويوجهنا للاتصال بزميل له في العاصمة الصربية لأجل ترتيب بقية مشوارنا نحو ألمانيا..

ذهبنا للمقهى التي طلب منا التوجه إليها.. لم يأتي أحد لنجدتنا أو الاتصال بنا ولم تتدخل الشرطة وتستفسر منا عن شيء لغاية المساء.. بعد أن وصل رجل ملتحي اعتقد انه أفغاني.. ادعى إنّ اسمه عليّ وهو سيقوم بتهريبنا إلى هنكاريا بواسطة تكسي.. نقلنا بعد ساعتين إلى منطقة فيها عدة أكواخ يتواجد في أحدها امرأة عجوز استقبلتنا ونقلتنا الى الطابق الثاني من كوخها وقفلت علينا الباب كانت احتياجاتنا كاملة فيه ماعدا الطعام..

في اليوم التالي فتح الباب صباحاً.. كانت ابنتها الشابة المدعوة ديانا وفقاً لما مكتوب على قطعة ترتديها في عنقها.. قالت لنا محاولة إفهامنا.. هناك في الموبايل ترجمة من العربية إلى الصربية كتبت لها نحن جواعة.. استفسرت عن نوع الطعام الذي نريده.. كتبت الدجاج والخبز.. غادرت لتعود بما طلبنا بعد إن استلمت منا الثمن.. بقينا عندهم ليلتين جاءنا تلفون من أقرباء للمهرب كانوا معنا استفسروا منا أين نحن؟ اكتشفنا إننا لسنا عند المهرب.. بل سرقنا من قبل عصابة يقودها عليّ الأفغاني.

بعد أن اتصل بنا المهرب وأكد إنّ عليّ هو رئيس عصابة.. وقال إذا تمكنتم من الإفلات اهربوا وعودوا باتجاه العاصمة بلغراد مرة ثانية بالتكسيات.. في اليوم التالي أعطتنا العجوز المفاتيح وقالت اقفلوا الأبواب من الداخل ولا تخرجوا.. اتصلنا بالمهرب وقلنا له حصلنا على المفاتيح.. قال اهربوا.. شاهدتنا ديانة ابنة العجوز وتابعتنا بسيارتها لتستوقفنا متسائلة عن وجهتنا..

قالت اركبوا وذهبت بنا من جديد لتسلمننا للعصابة المكونة من أكثر من 15 فرداً من الجزائريين والأفغان والباكستانيين.. أخذونا لبيت مهجور وسخ بالقرب من كراج تكاسي..

جاء جميع من شاهدناهم من أفراد العصابة.. وقالو سوف نجلب لكم تكاسي وأخذونا لبار مشروبات معزول يعود لهم.. تعط منه رائحة الحشيشة والمخدرات وجميع من فيه تقريباً مخدرون.. وجاء شخص آخر بيده سكين طلب من كل شخص 100 دولار أو انه سيقتلنا ويذبحنا.. قلنا له ليس معنا نقود.. قال فكروا واتصلوا بمهربكم قبل أن يفوتكم الأوان.

اتصلنا بالمهرب.. قال.. لا تنخدعوا ولا تعطوه شيئاً لن يستطيع أن يفعل لكم شيئاً.. وعاد مرة ثانية ليؤكد.. طالما ليس معكم اتصلوا بالمهرب من جديد ليسلم إلى شخص من عصابتنا في تركيا المبلغ المطلوب وهو 100 دولار عن كل واحد منكم..

قال هذا الشخص الذي اعطيتوني اسمه هو معي.. وهو الآن خارج التغطية ويهرب كروب آخر.. لكن البقية أصروا على طلبهم وتنازلوا عن المئة دولار إلى الثلاثين دولار عن كل فرد.. وجمعنا له المبلغ وسلمناه بيده ولم أعطيه أنا وخرجت مؤكداً له ليس معي..

عدنا الى كراج التكسي لنعود إلى بلغراد.. وجهنا المهرب نحو شخص آخر من بغداد.. اسمه أيضاً عليّ له لحية.. للاتصال به وترتيب أمرنا.. نقلنا الرجل إلى كشك ومطعم صغير على الرصيف وقال.. كلو واشربوا على حسابي ما شئتم في الليل سوف انقلكم إلى هنكاريا..

أكلنا عدة مرات حتى شبعنا لحين مجيء الشخص الذي سيقودنا.. جاء المذكور في الساعة الثانية بعد منتصف الليل لينقلنا إلى حدود هنكاريا.. ودفع علي البغدادي أجور النقل وأوصلونا لغابة بعد ثلاث ساعات.. منها مشينا أربع ساعات أخرى متواصلة لغاية الوصول لمنعطف في غابة على الحدود الصربية/ الهنكارية..

كان فيها درب موازي للغابة سرنا فيه لسبع ساعات أخرى حتى وصلنا نقطة متفق عليها.. لكن الشرطة فاجأتنا قبل وصولنا بعشرة دقائق.. فهربنا أنا وشخص من سوريا هو المهندس بسام وتوقف الآخرون ليقبض عليهم جميعاً من قبل الشرطة الهنكارية.. بقينا أنا وبسام.. كنا نسمع أصواتهم يطلبون من المجموعة دفع 100 دولار لكل واحد.. وكانوا عشرة أشخاص والمطلوب هو 1000 يورو..

لم يكن معهم المبلغ.. اعتقلوهم.. وبقينا نحن نواصل السير.. وقبل ذلك ذهبت للحقائب المتروكة وجلبت الملابس النظيفة والأحذية الجيدة لندخل القرية واعتقد اسمها (سجد).. دون أن نجلب الشبهات..

كنت أعاني من الم في ساقي وتقدمنا للشارع الفاصل بين القريتين بحدود كيلومتر واحد وأصبحنا نواجه مصيرنا بالاعتماد على أنفسنا من هذه اللحظة..

أما أنا فما زلت انتظر الجواب على طلبي اللجوء في ألمانيا منذ أكثر من شهرين في مدينة هامبورغ..

ـــــــــــــــــــ

منتصف حزيران 2015