الثلاثاء, أبريل 23, 2024

خباثة تحريف أردوغان لتاريخ الكورد 1/2 – محمود عباس

آراء

لم يكتفي أردوغان طوال السنوات الماضية بمحاربة القضية الكوردية بأساليب سياسية وعسكرية، وتحت حجج متنوعة، فبدأ العبث بالتاريخ الكوردي، مستندا على تحريفات الباحثين العروبيين والفرس والترك، للطعن في جيوسياسية الوجود الكوردي التاريخي ضمن جغرافيتهم كوردستان.
ففي حديثه قبل شهر، على خلفية مجريات الأحداث الأخيرة في كركوك ما بين الكورد والمستوطنين العرب والتركمان، بعد الاتفاقية التي تمت بين بغداد وأربيل على عدة قضايا، ومنها السماح للحزب الديمقراطي الكوردستاني بإعادة فتح مكاتبه في المدينة، والتي جاءت معاكسة لأهداف أردوغان، وطموحاته في أحياء الدولة الطورانية الملية، فحاول الطعن في كوردية مدينة كركوك والإثبات على أنها الموطن (الأصلي) للتركمان، قائلا: أن الكورد كانوا مجرد مقاتلين خدمونا (يقصد الإمبراطورية العثمانية، فهو يقدم عثمانيته على إسلامه، ويتناسى تركيته لأنه يعرف بأن الجميع يعلم بأنه لا ينتمي إلى العرق التركي) خلال غزونا لبلاد فارس وجلبناهم معنا ليستقروا بالمنطقة وسوف يبقون كذلك، لا شيء أكثر. كلام خطير، يحاول أن يلغي الوجود الكوردي من على جغرافيته كوردستان، متناسيا أن صدام حسين ومعظم الذي سبقوه من رؤساء العراق حاولوا وبكل الأساليب وفشلوا، وأنه الأن يعيد إحياء الماضي الكارثي بخباثة مختلفة.
فيقوم أردوغان بإضفاء صفة بلاد فارس على جغرافية الإمبراطورية الصفوية، والتي كانت تمتد أحيانا حتى منتصف تركيا الحالية، أي أن كوردستان كانت تدخل بمجملها تحت هيمنة الإمبراطورية الصفوية أو العثمانية، وتتراجع على خلفية إسناد الإمارات الكوردية لأي منهما، متلاعبا بهذه الحقائق، دون أن يملك جرأة العودة إلى تاريخ الإمبراطوريات القديمة وخاصة إمبراطورية الخلافة العباسية، مكتفيا ببدايات الامتداد العثماني، أي ما بعد القرن الرابع عشر الميلادي.
والأغرب هو وضعه هذه المعادلة التاريخية الساذجة على الطاولة السياسية، دون خجل من ضحالتها، معادلة جلب سكان منطقة بلاد فارس ملغيا جغرافيتهم كليا، الجغرافية التي يسكنها على الأرجح نسبة من الفرس حسب الاسم، فهل جلبوا من هناك الكورد فقط، ألم يكن فيها الفرس وهي بلاد فارس، ليصبحوا أيضا من سكان مدينة كركوك؟ ربما لا يدرك بأنه حينها لم تكن هناك بلاد فارس، بل الإمبراطورية الصفوية تزامنت مع العثمانية حتى ظهور القجارية، وإيران الحالية تزامنا مع التركية، والجغرافية التي يتحدث عنها كانت جزء من كوردستان الحالية، أي منطقة الشعب الكوردي، وضمنها كانت كركوك وما حولها. والكورد هم سكان كركوك الأصليين، والعرب استوطنهم نظام البعث وصدام فيها بالقوة، والتركمان مهاجرون أو أحفاد المماليك.
متناسيا حقيقة تاريخ مكونات كركوك هذه، وخاصة التاريخ الضحل للوجود التركماني، والذي لا يتجاوز حضوره في المنطقة القرن التاسع الميلادي، معظمهم كانوا من الأطفال، جلبوهم أثناء الغزوات التي طالت مناطق التركمان، على أطراف شرق الصين الحالية، تم تربيتهم وتدريبهم لتكوين جيوش الخلفاء العباسيين والسلطنة الأيوبية وكانوا يعرفوا بالمماليك، تيمننا بالعبيد الذي كانوا يجندون في جيوش الإمبراطوريات العظمى كاليونانية والرومانية. ومنهم تشكلت مماليك البحرية والبرية في مصر الأيوبية.
أتبعتهم عشائر هاربة من الدمار المغولي في القرن الحادي عشر، وحتى بدايات القرن الثاني عشر قبل سقوط بغداد، ولا يمكن مقارنة هذا التاريخ الضحل للتركمان والترك في المنطقة بالتاريخ الكوردي العريق، أبناء الجغرافية ذاتها منذ الحضور البشري فيها، حتى ولو كانوا على تنقل ضمنها في مراحل الصراع بين الإمبراطوريات المتتالية؛ إما المتكونة من أبناء المنطقة أو الغازية من خارجها.
الكورد شاركوا كشعب في ظهور وسقوط معظم الإمبراطوريات والحضارات في البقعة الجغرافية ذاتها، أو كانوا أصحابها مع الشعوب الأخرى المجاورة لهم، والعشائر كانت تنتقل من منطقة إلى أخرى، على خلفية الحروب والظروف المعيشية، لكنهم ورغم القلة السكانية في تلك المراحل الزمنية، كانوا أصحاب الجغرافية التي يسكنونها حاليا، ومن بينها كركوك كمدينة ومنطقة، وهي قلب كوردستان كما قالها القائد الخالد ملا مصطفى برزاني.
وإشارة أردوغان وبخباثة ميكيافيلية، على أن الكورد هم من بلاد فارس، ناسخا حديث بعض الباحثين العروبيين والفرس والترك الذين يحاولون التلاعب بالتاريخ والجغرافية، مستندين على أضحل وأحدث مرجعية جيوسياسية للدول اللقيطة في المنطقة، والتي ولدتها بريطانيا وفرنسا، في بداية القرن الماضي، لتصبح أشباه أوطان افتراضية، هي للطعن في تاريخ الشعب الكوردي عامة وليس فقط في كركوك، فتذكيره ببلاد فارس كمنطقة جغرافية واسعة تشمل الكورد الذين استخدموهم في الجيش وأسكنوهم فيما بعد في كركوك، على أن التركمان سكانها الأصليين، متناسيا أن ربع كوردستان كانت تسمى بلاد فارس، وهي تجمع لعدة قوميات، وأن كركوك من أحد اقدم مدن الحضارات القديمة وذلك قبل ظهور التركمان في المنطقة بقرابة ألفي سنة.
يتبع…
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
24/10/2023

شارك هذا الموضوع على