الثلاثاء, فبراير 27, 2024
آراء

خلفيات الصمت الأمريكي حيال الاعتداءات التركية على غرب كوردستان – محمود عباس

تصدر الإدارة الأمريكية بين فينة وأخرى تصريحات واهية وأحيانا غوغائية، على أنها تتعامل مع مجريات الأحداث لئلا تتوسع ساحة الصراع الجاري في المنطقة، ولتظل محصورة بين دولة إسرائيل وحركة حماس، وفي الواقع مصالحها الإستراتيجية هي التي تدفعها إلى أخذ مثل هذه المواقف المريبة من الاعتداءات المتكررة على القوى الكوردية المتحالفة معها في المنطقة، من قبل تركيا وإيران وأذرعهما، وبهذا التلاعب السياسي تحافظ على مصالحها التي لم تتعرض حتى اليوم إلى الخطر.
هذا السكوت المريب على التجاوزات التركية الإيرانية ترجح مفهوما على أن أمريكا والدول المتحالفة معها يعملون على استراتيجية بعيدة المدى من ضمنها تغيير خريطة المنطقة، والتي تدركها أنظمة الدول المعنية وهي ما تدفع بها على مجابهتها ومحاربة الدول الداعمة للفكرة ومن بينها روسيا ذاتها بطريقة ما، وكل الأطراف تفضل التغاضي عن هذه الإستراتيجية المثارة من قبل قوى وإعلام غير رسمي مشكوك في مصادرها، والتغيير حتما سيطال تركيا وإيران وبعض الدول الأخرى في المنطقة والتي تحتل جغرافيات الشعب الكوردي وشعوب أخرى.
المنطقة في شبه حرب شاملة، معظمها ملتهبة على مدار السنة، تركيا وأدواتها مثلما إيران وأذرعها في صراع مستمر مع أمريكا ودول التحالف، رغم ذلك جميع ردودها على هجماتهم تنحصر في هذا التكتيك العسكري السياسي الباهت، تحت منطق الإستراتيجية البعيدة المدى، إلى درجة أصبح المحللون السياسيون يقيمون أمريكا ليست كإمبراطورية ذات القطب الواحد، والدول التي كانت تتبعها كتركيا وبعض دول الشرق الأوسط، أصبحت في مرحلة التراجع، خاصة وأن الإدارتين الأخيرتين (ترمب وبايدن) التي اتبعت إدارة باراك أوباما الهزيلة، رجحوا استراتيجية الخسارات المادية في حالة الرد قبل الفوائد المعنوية والعسكرية والسياسية، والتي عادة الإمبراطوريات تقدم الكثير للهيمنة وكسب الهيبة والأرباح.
وعلى خلفية مواقفها من تركيا التي لا تتوانى من أرسال رسائل تهديد متتالية، وحيث تصريحاتها الباهتة على ذلك تعكس هذه الحقيقة، وفيما لو درسنا أمريكا كدولة ذات نظام إمبريالي تهمها ميزان الربح والخسارة المادية قبل أي شيء أخر، وجميع حروبها وتحالفاتها في العقدين الأخيرين تندرج ضمن هذه الجدلية، ستظهر على أنها إما تغير من الإستراتيجية التي بنيت عليها الإمبراطورية وحيث مسيرة الحرب الباردة، أو لم تعد تهمها الهيمنة العسكرية بقدر ما تهمها أرباح شركاتها الرأسمالية، بحيث تسود وتقف في وجه تمادي الصين الاقتصادي المتسارع، وتمنع عنها الاعتداءات الخارجية، الإشكالية التي دفعتهم لترجيح استخدام العاملين الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي على العسكري-الاقتصادي كما كانت تفعله في السابق، وبدأت تطبق أسلوب إيران في ردودها على الاعتداءات الخارجية على الرد العسكري الشامل كما تم في العراق، رغم معرفتها التامة بأن الردود الرخوة لن تنفع مع تركيا ولا مع إيران ولا مع أدواتهما الذين مهما تفاقم الصراع فلا يملكون شيئا يخسروه، البنية التحتية مدمرة أصلا، الإنسان لا قيمة له، الأسلحة لا يدفعون ثمنها، المعيشة هي في الحضيض في حالتي السلم والحرب، والثقافة التي تروج جلها تحرضهم على أن أمريكا هي السبب في الواقع المزري، وأن الإسلام هو الحل.
المفاهيم الموبوءة ذاتها، كالتي تروجها إيران بين أدواتها، ينشرها حزب العدالة والتنمية بين الشعب التركي وتلقنها حكومة أردوغان لأدواتها في المنطقة؛ رغم الرابط الإستراتيجي ما بينها وبين أمريكا وإسرائيل، وغاياتها متعددة وجلها معروفة وعلى رأسهم عدم السماح للكورد بالحصول على حريتهم، وعليه تركيا وإيران يستخدمان نفس التكتيك العنصري ضد الكورد، مع بعض التباين في الأساليب، فكثيرا ما تعتمد تركيا على قوتها الذاتية في اعتداءاتها الهمجية على غربي كوردستان، المنطقة التي تصرف على أنها محمية أمريكية وحيث قواعدها العسكرية، إلى درجة أن القصف التركي طالت حدود قواعدها في المنطقة، الأسلوب الذي تتبناه إيران ضد جنوب كوردستان بين فينة وأخرى.
وليس غريبا أن تكون الردود الأمريكية على تركيا وأدواتها أضحل من ردودها على أدوات إيران، وتحصر الأولى في بعض التصريحات الضبابية الواهنة لأن مصالحها في المنطقة الكوردية حتى اللحظة لا تتعرض إلى الضرر بشكل مباشر، وتركيا من جانبها تحافظ على هذه المسافة، مثلما تفعلها إيران معها ومع إسرائيل، للحفاظ على الرابط الإستراتيجي في حلف الناتو، وحيث أكثر من ثلثي أسلحتها وقطع غيارها تأتي من المصانع الأمريكية، وتحالفها مع روسيا و18 مؤتمرا ما بينها وبين روسيا وإيران لم تكن سوى لغايتين العمل معا لضرب الصعود الكوردي وقطع العلاقة بينهم وبين دول التحالف، والضغط على أمريكا للخروج من المنطقة الكوردية التي تطمح تركيا باحتلالها، وعملية قصف هولير من قبل أئمة ولاية الفقيه واضحة، فالصواريخ التي أطلقت من إيران على عاصمة إقليم جنوب كوردستان كانت قادرة على أن تصل إلى إسرائيل لو كانت إيران جدية في محاربتها لإسرائيل ودعم حماس، إي عمليا لا غاية للدولتين في هجومهما على أمريكا إلا محاولات لقطع التحالف الكوردي الأمريكي، أي تغيير مسار مصالح أمريكا المتقاطعة حاليا مع المصالح الكوردية.
ومن شبه المؤكد أن إدارة أردوغان لا تقدم على أي اعتداء عسكري على غرب كوردستان بدون أن تكون قد أخبرت البنتاغون بها مسبقا، لتحصل على التغاضي، علما أن خبراء أمريكا الاستراتيجيون يدركون بإن الأمن الأمريكي والأوروبي الداخلي قبل الخارجي ستتأذى في المدى البعيد، وإن الضعف الكوردي في المنطقة ستكون تبعاتها كارثية على الأمن الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي، لأنها باعتداءاتها تسهل عودة ظهور خلايا داعش وستتمادى الأدوات الإيرانية والتي ستزيد من الخطورة على أمنهم الداخلي مثلما ستتعرض حدود إسرائيل إلى الخطر المباشر، الإشكالية التي دفعت بأمريكا قبل عقد من الزمن التحالف مع القوات الكوردية للقضاء على داعش، ليس حبا بالكورد بقدر ما كانت مصلحتهم تتقاطع مع المصلحة الكوردية، الجدلية التي لا تتمكن القوى الكوردية الاستفادة منها بالشكل المطلوب، وتقدم من التضحيات والخدمات أكثر بكثير مما تحصل عليه بالمقابل، القضية التي يجب أن يعاد النظر فيها وتدرس بشكل أعمق داخليا ومع دول التحالف وعلى رأسهم أمريكا، وأن تدرك على أن زوال القوى الكوردية، ونهاية الإدارتين الغربية والجنوبية الكوردستانية، تعني نهاية العديد من الملفات الأمريكية والإسرائيلية، وفي مقدمتها ملف أمنهما الداخلي والخارجي، ولا شك أن استراتيجييهم يدركونها، مع ذلك يتوجب على الحراك الكوردي تذكيرهم بها كلما سمحت لهم الفرص، فالإستراتيجية الأمريكية الحديثة البعيدة المدى لن تجدي استخدام القوة الرخوة مع دول المحتلة لكوردستان بقدر ما ستحد من تجاوزاتهم القوة الصارمة.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
17/1/2024م