حقوق الإنسان

رأس العين/سري كانيه: غياب سيادة القانون يُعزز انتهاك الحق في الحياة

مقدمة:

بتاريخ 28 أيار/مايو 2023، اغتيل “نجيب الشيخ” القيادي في لواء “صقور الشمال” التابع للجيش الوطني السوري برصاص مجموعة مسلّحة في بلدة تل حلف غربي مدينة رأس العين/سري كانيه، التي تحتلها تركيا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019.

سرعان ما تبين أنّ القيادي في “الجيش الوطني السوري” قد قُتل على يد مسلحين من قبيلة العكيدات، بسبب قضية ثأر سابقة تعود لعام 2021، على خلفية مقتل أحد أبناء القبيلة تحت التعذيب في سجن أمني تابع للمجموعة التي كان “الشيخ” يقودها.

عقب الجريمة مباشرةً، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً وسط مدينة رأس العين/سري كانيه، يُظهر احتفال مجموعة من الشبان المسلّحين بمقتل “الشيخ” عبر إطلاق النار في الهواء، وترديد شعار “عيال الأبرز” في إشارة إلى قبيلة “العكيدات”. بدا جلياً تفاخر المحتفلين بالجريمة وإعلان مسؤوليتهم عنها، في رسالة إلى أنهم حققوا العدالة بأيديهم، ولا يتوقعون المساءلة على ذلك، إذ أنّ الآلاف من أفراد قبيلة العكيدات يقاتلون في صفوف فصائل “الجيش الوطني السوري” المُعارض.

تعكس هذه الجريمة تردي الوضع الأمني وغياب سيادة القانون في المناطق التي تحتلها تركيا، على عكس ما روّجت له بأن عمليتها العسكرية “نبع السلام” ستنشئ “منطقة آمنة”، إذ أن فوضى السلاح وانعدام الأمان هما السمة الأبرز لواقع الحال في منطقتي رأس العين/سري كانيه وتل أبيض.

ورغم صدور تعميم من وزارة الدفاع في “الحكومة السورية المؤقتة” التابعة للائتلاف السوري المُعارض، بتاريخ 12 نيسان/أبريل 2022 حول ضبط السلاح في مناطق سيطرتها وحصر تواجده في المعسكرات وخطوط المواجهة مع العدو والنقاط الأمنية، إلا أنه لا يزال منتشراً وبكثرة، ودائماً ما يتحول أي شجار إلى الاستخدام الفوري للسلاح، سواءً عبر إطلاق النار في الهواء لنشر الهلع والخوف، أو بشكل مباشر لتحقيق إصابات، دون وجود رقابة أو محاولات ضبط للسلاح المنفلت.

التعذيب حتى الموت:

قابلت “تآزر” شاهداً على الجريمة وناشطيّن مطلعيّن على حيثياتها، وتقاطعت إفاداتهم حول أنّ القيادي في لواء صقور الشمال “نجيب الشيخ” قُتل بسبب قضية ثأر سابقة، على خلفية مقتل “حكمت خليل الدعار” (45 عاماً) تحت وطأة التعذيب، في أيلول/سبتمبر 2021، أثناء احتجازه في سجن أمني تابع لـ “لواء صقور الشمال” في مدينة رأس العين/سري كانيه، حيث كان “الشيخ” مسؤولاً عنه.

ترك “الدعار” خلفه أرمله وطفليّن، وينحدّر من بلدة الطيانة بريف دير الزور الشرقي، وهو من قبيلة العكيدات، كان نازحاً في مدينة رأس العين/سري كانيه، وعمل كراعٍ للأغنام وكذلك سائقًا لحافلة نقل داخلي في مناطق نفوذ الجيش الوطني بعد سيطرة الأخير على المنطقة.

بتاريخ 16 أيلول/سبتمبر 2021 اعتقل “الدعار” بشكل تعسفي من قبل عناصر من لواء “صقور الشمال” بتهمة التعامل مع الإدارة الذاتية، وتحديداً مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتسهيل مرور الشاحنات المفخخة إلى المنطقة؛ أحد أكثر التُهم شيوعا والتي يتم توجيهها للمعتقلين، وتم اقتياده إلى أحد مراكز الاحتجاز التابعة للجيش الوطني في مدينة رأس العين/سري كانيه.

بعد أيام من اعتقاله، تلقت عائلة الضحية في 20 أيلول/سبتمبر 2021، بلاغاً من فصائل “الجيش الوطني السوري” بضرورة مراجعة المشفى العام في مدينة رأس العين/سري كانيه، ولدى وصولهم المشفى علمت العائلة بوفاة ابنهم نتيجة التعذيب وفق ما تم نشره من صور لاحقاً، وقد تسلّمت جثمانه في اليوم التالي، وقد أظهرت مجموعة من الصور والمقاطع المصورة التي تمَّ تداولها، بشكل واضح، تعرّض الضحيّة للتعذيب حتى الموت بطريقة وحشية.

صورة رقم (1)، مأخوذة من شريط فيديو تمّ نشره من قبل نشطاء، تُظهر جثة “حكمت الدعار” وعليها آثار ضرب وتعذيب، بعد تسليم جثته إلى عائلته بتاريخ 21 أيلول/سبتمبر 2021.

الاحتكام للثأر:

بتاريخ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2021 تم تبرئة “حكمت خليل الدعار” من التهم الموجهة إليه من قبل لواء “صقور الشمال” والتي اعتقل وعُذّب حتى قُتل على إثرها، وقرار تبرئة “الدعار” جاء من اللجنة الشَّرعيَّة التي تمَّ تشكيلها بتاريخ 26 أيلول/سبتمبر 2021، بناءً على طلب عشيرة “القرعان” وهي أحد أفرع قبيلة “العكيدات” لمتابعة حيثيات القضية. لم يعلق لواء “صقور الشمال” حينها على قرار تبرئة الضحية، ولم يقم بإجراء أي تحقيق حول الجريمة المرتكبة ضمن أحد سجونها في مدينة رأس العين/سري كانيه.

احتكم أقرباء الضحية من أبناء قبيلة “العكيدات” للثأر، ونصبوا كمينا لسيارة يستقلّها “نجيب الشيخ” في بلدة تل حلف بريف مدينة رأس العين/سري كانيه الغربي، بتاريخ 28 أيار/مايو 2023، وقاموا بإطلاق النار عليه، ما أسفر عن مقتـــله علـى الفور. تلا مقتل/اغتيال القيادي خروج أبناء عشيرة “القرعان” من قبيلة العكيدات النازحين في مدينة رأس العين/سري كانيه إلـى الشوارع وهم يطلقون النار في السماء احتفالاً بما أسموه أخذ الثأر.

وتحققت “تآزر” من صحة مقطع مصور تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، بتاريخ 29 أيار/مايو 2023، صوّر في حي “الخرابات/روناهي” وسط مدينة رأس العين/سري كانيه، يوم مقتل “الشيخ” بتاريخ 28 أيار/مايو، يُظهر احتفال مجموعة من الشبان المسلّحين بمقتل “الشيخ” عبر إطلاق النار في الهواء، وترديد شعار “عيال الأبرز” في إشارة إلى قبيلة “العكيدات”.

صورة رقم (2)، مأخوذة من مقطع الفيديو الذي صوّر بتاريخ 28 أيار/مايو 2023 ونُشر في اليوم التالي، وتُظهر احتفال مجموعة من الشبان المسلحيّن من أبناء قبيلة “العكيدات”، وسط مدينة رأس العين/سري كانيه، بقتل “نجيب الشيخ” القيادي في لواء “صقور الشمال”.

كما تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقطعاً بتاريخ 29 أيار/مايو، لم يتسنَ لـــ “تآزر” التأكد من صحته، حيث يتحدث فيه شخص يدّعي بأنه شقيق الضحية “حكمت الدعار” ويوضح أن عائلته قامت بقتل القيادي في لواء صقور الشمال “نجيب الشيخ” ثأراً لمقتل أخيه تحت التعذيب في سجن تابع  للواء “صقور الشمال” بعد أن تبين تبرئة أخيه من التهم الموجهة إليه.

غياب سيادة القانون:

تُظهر جريمة قتل قيادي في فصيل عسكري والاحتفال بمقتله علناً مع شعارات تمجّد الثأر، تردي الوضع الأمني وغياب سيادة القانون في المناطق التي تحتلها تركيا، والتي يعمها فوضى في انتشار السلاح واستخدامه بين المدنيين، دون وجود رقابة أو ترخيص.

لم يصدر أي بيان من قيادة “الجيش الوطني السوري” حول حادثة مقتل القيادي ولا ما يخصّ استخدام السلاح بشكل عشوائي والتي شهدت حالات إعدامات ميدانية إثر خلافات خارج الأطر القانونية.

راسلت “تآزر” الناطق الرسمي باسم “الجيش الوطني السوري” العميد “أيمن شرارة”، بتاريخ 31 أيار/مايو 2023، لسؤاله حول حوادث القتل/الاغتيالات التي تطال قياديين في صفوف فصائل “الجيش الوطني السوري” ومظاهر انتشار السلاح في مناطق سيطرته. لكنها لم تتلقَ إجابة على أسئلتها، حيث ردّ المسؤول في “الجيش الوطني” أن ذلك ليس ضمن مهامه.

وكانت “تآزر” قد وثقت في تقرير لها صدر بتاريخ 26 شباط/فبراير 2023، نشوب 33 حالة اقتتال داخلي بين فصائل “الجيش الوطني السوري” المُعارض في مناطق رأس العين/سري كانيه وتل أبيض، خلال عام 2022، أدّت إلى مقتل مدنيّين وإصابة 20 آخرين، بينهم امرأتان وثلاثة أطفال.

ووثق التقرير خمس حالات قتل/اغتيال نفذها مسلحون مجهولون خلال عام 2022 في منطقة “نبع السلام”، قُتل خلالها 4 عناصر من “الجيش الوطني السوري”، ومدنيان، وثلاثة حوادث لمحاولة قتل/اغتيال، أصيب خلالهما 4 عناصر من فصائل “الجيش الوطني”، بالإضافة إلى توثيق حادثة واحدة تمَّ خلالها إطلاق النار بشكل مباشر من قبل مجموعة مُسلحة تتبع لـ “فرقة الحمزة” على تجمع للمدنيين، ما أدى إلى إصابة طفل بجروح.

كما وثّقت “تآزر” بتاريخ 5 كانون الثاني/يناير 2023 مقتل الشاب “عزام أنور جاويش” من المكون الشيشاني من أبناء مدينة رأس العين/سري كانية على يد عنصر سابق في “الجيش الوطني السوري” يُدعى “عبدو حميد آل عواد” في قرية السفح جنوب مدينة رأس العين/سري كانية.

كذلك تعد قضية الطفل “ياسين المحمود” أحد أبرز الجرائم التي تم التعامل معها خارج إطار القضاء، حيث قُتل المدعو “مصطفى سلامة” المُتهم بجريمة اغتصاب وقتل الطفل ذو العشرة أعوام، في مدينة رأس العين/سري كانيه، على يد مجموعة مسلّحة ميدانياً.

وفي تفاصيل القصّة أنّ “الشرطة العسكرية” قرّرت تسليم المتهم إلى “الشرطة المدنية على وقع احتجاجات الأهالي وتحوّل الجريمة إلى قضية رأي عام، وأثناء خروج سيارة تابعة للشرطة العسكرية وبداخلها المتهم أوقفت مجموعة من المسلحين السيارة وقامت بإنزاله عنوة قرب سوق الفروج في المدينة، ثم أعدمته ميدانياً بإطلاق الرصاص على رأسه مباشرة، وعشرات الطلقات على أنحاء مختلفة في جسده.

 

المصدر: تــآزر