الإثنين, أبريل 22, 2024

طائر التلاشي- رواية محمد رشيد الشمسي – الدكتور صادق إطيمش

القسم الثقافي

 

رواية من ستة فصول، بمئتين وثمان صفحات من القطع المتوسط، عن دار ليسزتومانيا،البصرة، عراق، 2023

للروائي الكاتب محمد رشيد الشمسي

يبدو لي ان وضع الكاتب لمقولة تولستوي ” الشخص الذي لديه فكرة خاطئة عن الحياة، ستكون لديه دوماً فكرة خاطئة عن الموت” في فاتحة روايته، انما اراد بها الإشارة الى طبيعة الحياة في تلك الجزيرة التي تعيش تلاشي اهلها وكانها قد اسلمت امرها لهذا القدر، فلم تسمع الى ما حذر منه ” تخاخا ” الذي اوحت له فطنته بتحسس حياة طير الجزيرة الذي يتلاشى دون ان يموت،والتي ستنعكس على حياة الناس ، فظل ينادي ” سابقى انادي وانادي في كل مكان وفي كل محفل، ان هذا الطير هلاك لنا جميعاً ويجب التبصر وإلا وقعنا في امر لا يحمد عقباه، وربما نصاب بما هو مصاب به، دعونا نجلس نتحاور فيمابيننا، كي نضع حلاً ” . إلا ان ” تخاخا ” سرعان ما يعبر عن خيبة امله وعدم وجود اي صدى لنداءاته وتحذيراته المتكررة ، من سوء عاقبة اكل هذا الطير الذي سينقل حالته الى من ياكله من اهل الجزيرة، فظل يردد ويقول ” لا اذن تصغي ولا عين ترى ولا قلب يؤمن “.

خيبة الامل التي طالما يتعرض لها المصلحون في اي مجتمع، قد تثني عزيمة البعض عن مواصلة السعي والإكتفاء بالإنزواء حتى دون انتظار بارقة امل قد تلبي بعض ما كانوا يدعون اليه ويرومون اصلاحه. إلا ان خيبة الامل هذه نفسها، حتى وان تكررت مع تكرار النداءات التي لم تجد لها اي صدى، قد تتبلور الى رغبة عزيمة ثابتة ورغبة دائمة في مواصلة السعي نحو الهدف مهما كلف ذلك من تضحيات. وهذا الطريق بالضبط هو الذي اقتفى اثره ” تخاخا ” ، فنال ما نال بسببه من افراد مجتمعه الذين فضلوا الحياة الخاطئة التي اشار اليها الكاتب في مقولة تولستوي، والذين تنكروا لأي عمل جسدي قد يدر عليهم موارداً جديدة، غير ذلك الطير الجاهز في متناول اليد.

مجتمع ” طائر التلاشي ” يرفض الإصلاح، ويحافظ على التقاليد التي عاشت عليها اجياله السالفة. فتقسيم العمل بين الذكور والإتاث لم يشذ عن التقسيم التقليدي الذي جعل المرأة للبيت والرجل لخارجه.” معظمهم كانوا برفضون ارسال ابنائهم الى المدارس ويفضلون تعليمهم موروثاتهم القديمة وعاداتهم المتعارف عليها في المجتمع”.مشاكلهم الإجتماعية والصحية تخضع لسيطرة السَحَرة والعرافين الذين احتلوا مكانتة متميزة في المجتمع. رفض الزواج من الغرباء.وحتى اسلوب حكم الجزيرة خاضع للمحاصصات القبلية بين قبائل الجزيرة.

لقد عكس الكاتب محمد رشيد الشمسي ظاهرة اجتماعية عاشتها وتعيشها اليوم ايضاً كثيراً من المجتمعات، خاصة تلك التي تتمسك بالقديم، رافضة تبني اي جديد في حياتها التي ستصبح في آخر ركب التطور الذي لن ينتظر المتسكعين على اعتاب الماضي.

ومجتمعنا العراقي لا يخلو من بعض هذه الظواهر التي ربطها ساسة المحاصصات بالمقدس الديني كجزء من التراث الذي لا يسمح بالتحرك خارجه، وإلا فابواب حهنم الدنيا والآخرة مشرعة امام الداعين الى التعامل مع الموروث بما ينسجم وحالة التطور التي تسود العالم دون ان تأخذ الإذن والسماح من هذا القائد او ذلك الحاكم او تلك التقاليد.

كل هذه التعقيدات التي يعيشها مجتمع ” تخاخا ” لم تثنه عن مواصلة نشر افكاره الإصلاحية في مجالس حاكم اللجزيرة الذي طالما نهره وأنبه طالباً منه عدم التكلم في امور كهذه، مما جعله ” مجنوناً في نظر الكثير من اهل الجزيرة “. وهذه هي الطامة الكبرى التي يُبتلى بها اي مجتمع حينما يتحول مصلحوه الى مجانين بنظر مَن يسعى هؤلاء المصلحون لأنقاذهم من غياهب العتمة التي يعيشونها.وقد قالها المناضل الأممي جيفارا قبل موته ان ” ما يؤلم الإنسان ان يموت على يد مَن يُقاتل من أجلهم “.  ويبرز الحاكم هنا وهواول من يقف بوجه المصلحين قاذفاً اياهم بشتى التهم التي تبعد الناس عنهم، إلا ان الناس حينما تبدأ بالتعبير عن مطالبتها بايجاد حلول لمشاكلها التي يقف الحاكم بوجه مناقشتها بغية التخلص منها ، يلجأ الحاكم الى اساليبه القهرية والعنفية التي تتجلى بتفرقة المحتجين وسوقهم الى السجون.

معادلات تعيد تركيبها في كل زمان ومكان حينما يتعلق الامر بحرية الفرد وتقرير مصيره.وليس امام الحاكم إلا اللجوء للتهدئة بتشكيل اللجان لتذويب مطالب الناس في ملفات اجتماعات اللجان والتي لا تنتهي الى ما ينفع الناس.

وتحت خضم كل هذه التعقيدات الإجتماعية والمشاكل المستديمة التي تسببت بحياة ملؤها القلق الدائم، يبرز الحب الذي طغى على قلب ” شباليا ” ومحبوبته ” سموحا ” ، حيث لم يقف اختلافهما في العمر عائقاً دون مشاعر الحب العارمة التي غمرت قلبيهما. الحب الذي جعل الحبيبين يستمعان الى ما تقوله لهما امواج البحر، اكثر مما يسمعونه من الناس التي تقاوم حبهما هذا بسبب الإختلاف في عمريهما: ” عندما يجلس عاشقان مثلنا قرب البحر، مثلما نجلس، لا يضطرب كما ينبغي، يتمتم بهدوء مع نفسه، انزياح ماءه يُغرق كل موجة تريد الإرتفاع وتحاول ان تضرب بعنف، انظري،يشير بيده الى البحر،ذلك الماء الصافي كأنه يمتطي فرساً وفي يده لوح خشبي من الكروم ينش بها تلك الامواج من ان تتلاطم بعنف، هو يحاول ان يحرسنا حتى عودتنا ” همس ” شباليا ” في اذن حبيبته ” سموحا ” همس الحبيب الذي لا يريد لأحد سماعه ومشاركته لحظات حبه التي يرفضها مجتمعه الذي لا يزن للحب قيمته التي تسمو فوق كل مخلفات التراث وعراقيبل العادات والتقفاليد، ” إذ ان ” الحب صوته فوق الجميع … لا يتلاشى ابداً … ابداً “، يؤكد ذلك ” شباليا ” لحبيبته.

مآسي الوطن قد تكون دافعاً لا يُقاوَم للتمسك بهذا الوطن والحياة مع مآسيه مهما بلغت من الصعوبات ومهما اشتبكت المآسي مع بعضها البعض. ولعل الكاتب محمد رشيد الشمسي اراد ” بالنشيد الوطني ” الذي ردده اهل الجزيرة ان يعكس ما يكمن في صدور اهل وطننا تجاه هذا الوطن السليب المغلوب على امره من قِبَل شلة من الحكام اللصوص:

” نفديك …ارضنا الخصبة حباً ..

نحيا … ونعيش… ونموت … فوق رمالك

نفديك حباً…. وسلاماً …. حباً …. وسلاماً ” مقتطفات من نشيد طويل بحب الوطن”.

وبنفس هذه الروح الوثابة يتبارى المنشدون بالعمل على انقاذ جزيرتهم من معاناة التلاشي الذي اصبح مرتبطاً بحياة اهل الجزيرة حتى نسوا ان الحياة يتبعها الموت، فلا موت على هذه الجزيرة ، ولم يعد هناك ذكر لمفردة الموت بين اهلها:

” التلاشي لا يلمس رمالنا …لا يلمس شاطئنا …. لا يلمس ارضنا…

لا …. لا يلمسها …. سوف نعود كما كنا …”

بهذه الهتافات صدح صوت ” شباليا ” وسط جموع الراقصين على انغام موسيقى بنوتات جميلة، بالرغم من بساطة الآلات الموسيقية .

نعم سنعود كما كنا ،وهذا ما تؤكده وقائع تاريخ البشرية الأزلي، ان لا مناص من الإنتفاض على كل ما يسيئ الى الوطن واهله، فلا ظلم يدوم ، ولا حكم باق.

إختفاء الموت وسيادة التلاشي ولَّدَ افكاراً بدأت تناقش حيثيات التدين والإلتزامات العقائدية المتعلقة بعبادة ” الإله الثعبان الأب ” الذي لم يجد اهل الجزيرة عنده ما يساعد على حل مشاكلهم التي تتزايد وكل ما ينشا عنها من عُقد اجتماعية. لقد تاكد لأهل الجزيرة ان عبادة الإله الثعبان كانت ” لا حباً فيه ، بل خوفاً منه “، مما يستوجب تبديله بإله آخر اكثر نفعاً. ليس من الغريب اذاً إذا ما تكررت مشكلة الدين وما يتعلق به من عبادات في حياة كل الشعوب التي تقتفي آثار أسلافها بالركون الى ممارسات اساسها غيبيات الخوف ومزاعم الراقصين على تبعات هذا الخوف والمنتفعين منه بما ينتج عنه بعض ما ردده المنتفضون في وطننا حينما صدحت اصواتهم بنشيد ثورتهم ( باسم الدين باكونا الحرامية ).

وهكذا انقلب اهل الجزيرة على إلههم العاجز عن انقاذهم مما هم فيه، ليعلنوا تبنيهم إلاهاً آخراً في شخص طيرهم الداجن ” توخالو ” لعله يجد لهم في المعابد الجديدة التي شيدوها له بعض الحلول الناجعة للخلاص مما هم فيه. لقد اعلن ذلك حاكم المدينة في جو ساده الصمت في الإجتماع الذي دعى له الحاكم لإعلان ذلك.وهنا ايضاً اراد لنا محمد رشيد الشمسي ان نتعامل مع التاريخ الذي ربط الدين يالحاكم في عصور مختلفة عاشتها دور العبادة متآلفة مع قصور الحكم .

تعيين إلاهاً جديداً للجزيرة لم يُثنِ بعض اهلها للتفكير بما اراده ونادى به المصلح ” تخاخا ” الذي لم يجد لدعوته جواباً سوى ” هذا ما وجدنا عليه اجدادنا ، وكفى “. عبارة يضعها سلفيو اليوم كإعلان تجاري لبضاعتهم التي يسمونها ديناً وعقائد وثوابت يريدون بها تعطيل عقول الناس ووضعهم في الجهل الأبدي الذي يسهل على مشايخهم جعل هؤلاء الناس طوع بنانهم. يتعاملون مع مفهوم السلف هذا فيجعلونه من ثوابتهم، في الوقت الذي يرفضون به نفس هذا المبدأ حينما يتعلق الأمر بغيرهم، وما قصة آل ابراهيم وما واجهه به اهله من الثبات على ما تركه الآباء والأدجداد ، حينما دعاهم الى عبادة ربه، إلا مثلاً صارخاً على كذب وبدائية وتناقض الفكر السلفي الذي يتبناه الإسلام السياسي والذي تسبب به بالمآسي التي جرها حكمه او تحكمه في المجتمعات التي ينتشر فيها.

إلا انه حتى هذا الإله الجديد لم ينقذ الجزيرة مما يعيشه اهلها من تعقد الحياة بسبب التلاشي الذي اصبح ظاهرة ملازمة لحياتهم، مما نتج عنه ” خروج الناس مرة اخرى امام منصة الإجتماع للمطالبة بوضع حلول وكانوا ينادون ويصرخون باعلى اصواتهم: ليس لديكم حل ايها القادة، حتى الإله الجديد لم يضع حلاً، نريد حلاً … نريد حلاً….”

وكعادة كل حاكم عاجز عن اخراج مواطني البلد الذي يحكمه من مآسيهم،بدأ التفكير بخلق ازمة اخرى اكبر من سابقتها لإلهاء الناس عما هم فيه. ولا ازمة ملائمة في هذا المجال والتي تداعب افكار الحكام العاجزين سوى ازمة الحرب. نعم شن الحرب على الجزر المجاورة والتي سيكون لنا النصر المؤزر فيها، اعلن الحاكم، حيث اننا لا نموت ولا نقُتل طالما ستنتهي حياتنا من خلال التلاشي البطيئ الذي سيحل باجسامنا.

وتبدأ الحرب فعلاً ويدخل مقاتلو جزيرة التلاشي الجزر الاخرى المجاورة ويحققون انتصارات متوالية، ويرون في نفس الوقت كثيراً مما لم يألفوه في جزيرتهم كوجود ناس غرباء عن اهل الجزيرة المُحتلة والذين يسمونهم سواحاً. او ممارسة اهل الجزر المحتلة لرياضة يسمونها ” البانجا ” التي وجدها بعض المحتلين نوعاً من التسلية يمكن نقله الى جزيرتهم ليخفف بعض الشيئ من مشاكل التلاشي التي يعيشونها. وهنا يبرز التخلف الفكري السلفي الذي عارض إدخال مثل هذه  الأفكار الهدامة الى جزيرة التلاشي : ” رياضة جميلة ومهمة للشباب، لماذا لا تُمارس من قبل ابناء جزيرتنا؟… لكن اعرافنا لا تسمح بذلك ” يوجه الحاكم كلامه الى القضاة الذين يجيبونه جميعاً: ” نعم سيادة الحاكم ، اعرافنا لا تسمح بذلك “. صراع الاضداد ، الجديد والقديم ، العلم والجهل ، العقل والنقل ، قانون طبيعي لا تنفرد به جزيرة التلاشي.

لم يكتف سيادة الحاكم هذا برفض التطور وتبني الجديد وإدخال الحضارة الى الجزيرة فقط، بل انه لجأ الى قمع كل مَن يعترض على ما يسود الجزيرة من مشاكل لم يستطع هذا الحاكم ولا إلهه الجديد وكل مستشاريه من القضاة ان يجدوا حلاً ولو بسيطاً لها او لبعضها. لقد لجأ الى الأساليب التي لازمت حكام القهر والقمع وفي مقدمتها التهجير، نعم التهجير لغير المرغوب فيهم وإبعادهم عن كل ما يمكن ان يزعج الحاكم وسياسته على ارض الجزيرة. اساليب ليست غريبة على من عاش قمع الأنظمة الإستبدادية، إذ ليس من الصعب على الحاكم وحاشيته من إيجاد الأسباب التي يبررون بها التهجير او الترحيل او إسقاط الجنسية. لقد واجه الناس قرارات التهجير هذه بصرخة اطلقوها امام الحاكم وهم يرددون: ” كيف لنا ان نعيش من دون وطننا، كيف لنا ان نرحل، هل نجد نسمات كنسماتنا هذه؟ هل نجد مطراً كمطرنا هذا؟ هل نجد شجراً كشجرنا هذا؟هل نجد رمالاً كرمالنا؟ وهل نجد بحراً كبحرنا؟ ”

إن اروع ما تجسده الرواية في خاتمتها يتضح للقارئ من خلال إصرار الكاتب محمد رشيد الشمسي على ان جوهر الإنسان النقي لن تنل من انسانيته الصعوبات التي يتعرض لها حتى وإن تمثلت في البعد عن الوطن والعيش القسري مع الغير” لذلك الإنسان اخو الإنسان، اخوه في الإنسانية اولاً وقبل كل شيئ ”

 

 

شارك هذا الموضوع على