السبت, يوليو 13, 2024

عبد الستار نورعلي: ديوان (مسامير من طين)  لحميد الحريزي بين الواقعية النقدية والرومانسية

القسم الثقافي

(مسامير من طين) مجموعة شعرية للأديب حميد الحريزي، والصادرة عن دار رؤى للطباعة والنشر /الطبعة الأولى 2024 .

حميد الحريزي أحد أبرز الأسماء الأدبية العراقية، يكتب في مختلف الأجناس الأدبية: النقد الأدبي، الرواية طويلها وقصيرها جداً، القصة القصيرة، الشعر، إضافة الى الدراسات السياسية والفكرية. فهو بهذا مثقف موسوعي بارز، له بصمته وحضوره النشط والمثابر الغزير، في المشهد الثقافي والأدبي العراقي والعربي.

في النظر الى مجمل نتاجه الأدبي، نراه يتجه الى الكتابات الخارجة عن المشهد العام السائد في عالم الإبداع المتنوع الأجناس شكلاً  ومضموناً؛ إذ يتجه صوب الغرائبية الحكائية الشبيهة بالأساطير في رواياته القصيرة الصادمة، حيث يختار حكاياتٍ تاريخية المضامين، ممزوجة بالخيال والخلق، والأسطورة، كأنه يعيدنا الى حكايات ألف لية وليلة الخيالية المليئة بالأحداث الغريبة والشخصيات غير المألوفة. فمن رواياته القصيرة جداً (مذكرات كلب)، (أرض الزعفران) وغيرهما، ومنْ خلال حكاياتها يعرض لنا ما يعيشه الناس في بلادنا اليوم من واقع ووقائع اجتماعية وسياسية وقيمية، ناقداً وفاضحاً ورافضاً، بدل الاتجاه لتناول الأحداث والشخصيات الواقعية اليومية الحية التي تتحرك على أرضنا وبيننا ضمن ظروف سياسية واجتماعية تديرها وتتلاعب بها وتؤثر فيها سلباً، نجده يتجه هذا الاتجاه؛ ليضفي غرائبيةً، وإثارةً وتشوقاً للمتلقي، فينحت تأثيره المطلوب في نفسه. ومن منطلق اختياره الجديد للانطلاق في عالم الأدب الواسع، نجده يتجه أيضاً في شعره، صوب الصادم من القصائد، مختاراً قصيدة النثر شكلاً، وهذا بسبب موقفه الفنيّ تجاه البناء الكلاسيكي العمودي، وشعر التفعيلة، للقصيدة العربية، فهي في رأيه من القيود التي تحدّ من حرية الشاعر في التعبير، ومن الإنسيابية في ولادة القصيدة وما يريد الشاعر أن يقوله ويقدمه من افكار ومشاعر وأحاسيس منطلقة في فضاء رحب وما تحمله وتخلقه مخيلته من رؤى وصور، دون عوائق وعقبات من وزن وقافية وتفعيلات.

بعيداً عن الكتابة، التي عُرف واشتُهر بها، يكون سؤالنا:

من هو حميد الحريزي الإنسان؟

يجيب هو من خلال شعره قائلاً في نصّ (أبي “هايكو عراقي”) ص ١٩:

والدُنا

تركَ لنا

بيادرَ منْ فقرٍ

فشيّدنا لهُ

ضريحاً منْ حسراتٍ

ترِكتُهُ

كرامةٌ وعِفةٌ وعزةُ نفسٍ

تعذّرَ على أبنائهِ توزيعُ الميراثِ

لأنّهُ لا يقبلُ القسمةَ

إذن هو من عائلة فقيرة، لم يرثْ عن أبيهِ مالاً، ولا أحمالاً، غيرَ بيادر من فقرٍ، فما كان منه ومن أخوته إلّا أنْ بنوا له ضريحاً من حسرات، هنا استعارة إذ شبّه كثرة وحجم حزنهم على أبيهم بضريحٍ، وهذه دلالةٌ على كمّ التأثر والأسى الذي أصابهم برحيله، وعمق الحزن الذي تركه خلفه إرثاً لهم. لكنّ الإرث الأعظم من كنوز قارون هي: الكرامة، والعفّة، والشرف، وعزة النفس، والاستقامة، ونظافة اليد، والكفاح الذي أوصل أديبنا الى ما هو عليه اليوم من مكانةٍ ثقافية عليا، لقد خلّف للأمة ولداً صالحاً ذا علمٍ، يدعو له بالخير، مثلما يدعو له الآخرون. هذا التركة الغنية ليست بمالٍ، ولا ضياع، ولا قصور كي يتقاسمها الورثة، إنّما ترك إرثاً غنياً بالقِيَم والمبادئ، والأخلاق النبيلة المُشرِّفة، التي تبقى خالدةً مع الزمن، عصيةً على التقسيم؛ لأنها وحدة صُلبة لا تتجزّأ، ولا تنقسم.

والسؤال الثاني المطروح على مائدة البحث والاستقصاء والتحليل:

من هو حميد الحريزي شاعراً؟

يجيب بنفسه أيضا شعراً قائلاً في قصيدته الموسومة بـ(قصائدي لا تصلح أنْ تكون هدايا)  ص 17 / 18:

أرسمُها

حروفاً بشرايين العين

لصوصَ شعرٍ تخرجُ من معطفي

……

فيختالُ معطفي فرحاً

أنّه أولُ مَنْ حطّمَ أمامها كلَّ

أصنام التفعيلات

……..

حروفي تحملُ سحرَ

الثلجِ

وتلبسُ فستانَ

الجمرِ

قلْ ماشئتَ، فأنا لا أشبهُ غيري

قلْ ما شئتَ فأنا أقدّسُ

شِعري

فالشعرُ عنده ليس هديةً أو هبّةً، إنه شيءٌ مقدّس، سحرٌ، سحرُ ثلجٍ، ويرتدي فستاناً منَ الجَمْر. وبناءً على اعترافه هذا، فالشعر عنده محرابٌ يُصلّي فيه، ويتبتلُ مثل عابد، وينقلُ لنا ما ينزلُ عليه مِنْ وحيٍّ، وولادةٍ بعد مخاض التبتُّل والانتظار، وهو غائبٌ ذائبٌ في الذات الشعرية، لتتكوَّن وتكتملَ خَلقاً وبناءً لغويّاً بلاغياً، وكياناً منْ قصيدة، فتنطلق نافذةً منْ روحِهِ ومنْ أحاسيسهِ مثل نيزكٍ مُشعٍّ وجمرةٍ حارقةٍ؛ لتكونَ قصيدةً تكتنز بالمتضادات (الطباق بلاغياً): فهي مِنْ جمرٍ، وثلجٍ، وسحرٍ، بحيث لا تشبه غيرها من قصائد الشعراء: مَنْ كائنٌ الآن، ومَنْ كان في ما مضى من الزمان، عبر عصور الشعر المختلفة. فهو ساحر النقيضين الثلج والجمر، السحر والحقيقة الواقعية.

هو حميد الحريزي الذي لا يُشبِهُ في الشعر غيرَه. لقد خرج عنْ عباءتهم الكاتمة للنور، ومعابدهم الحجرية، وسطوة قيود الوزن والقافية؛ لينطلقَ في فضاءات شعرية جديدة، ويؤسِّس لنفسه عالمه الشعريَّ الخاصّ، بعيداً حتى عن شكل قصيدة النثر بقوانينها الموضوعة، والمتطورة، تصاعدياً فنيّاً، مع التطورات والتغيّرات الحضارية، زمنياً خارج أُطُر الكلاسيكية الشكلية السلفية المقدّسة الثابتة غير المتحوّلة، والغافية في حضن القياس الصارم، لا الانطلاق والتحرّر الحاسم. وهو ما نلقاه في دواوينه الأربعة. كلُّ ديوان له سماته شكلاً، ومضموناً، بإرادةٍ وتصميمٍ فنيٍّ خطّهُ في مسيرته الشعرية:

قلْ ماشئتَ، فأنا لا أشبهُ غيري

قلْ ما شئتَ فأنا أقدّسُ

شِعري

الشعرُ في مفهومه فنٌّ مقدسٌ، وبما أنه يقدس هذا الفنَّ الإبداعي في داخله فهو يتجه صوب البناء والمضمون الذي يراه أهلاً لهذا المقدّس، وينطلق من نفسه بما يوحى اليه، وما يؤشّر ويدلُّ عليه؛ ليكونّ عِقداً فريداً منْ صياغته لا من تقليدٍ لغيرهِ من الصيّاغ. لكنْ في الوقتِ نفسه الى جانب ثورته على الشكل وقيود التفعيلات وأوزان الشعر المنهجية الكلاسيكية في قصائده، إلّا أنه تجمعها وحدة المضمون السياسي والاجتماعي، والرؤى الفكرية والفلسفية والعقيدة السياسية الاجتماعية؛ وذلك لالتزامه الأيديولوجي اليساري، المؤمن بالعدل والمساواة والحرية والحياة الكريمة، والدفاع عن الفقراء والمضطهدين في العالم، ودعوة الجياع الى الثورة، ومهاجمة الأغنياء والمترفين، والرأسماليين المتوحشين، وعبدة الدولار الأمريكي؛ وهذا بتأثير من الفكر الاشتراكي العلمي الذي آمن به، وناضل وتحمّل منْ أجل موقفه هذا الكثير، وهو الموقف الذي ما زال متمسكاً بعروته الأيديولوجية، دون فكاك، ولا انقلاب نحو الصوب الآخر أو الصوب النشاز، أو الانزواء، ولا تراجع، ولا تغيير، ولا خيانة فكرية،  ولا تنازل، أو مساومة، أو صمت:

تساقطتْ دموعٌ

مِنْ عيونِ طفلٍ جائع

منْ عيونِ طفلةٍ يتيمة

حفرتْ أُخدوداً

في جبهةِ الأرضِ

أوقدَها

لهيبُ حسرةٍ أمٍّ موجوعةٍ

فالتهبتْ ناراً

تحلَّقَ حولَها الجياعُ

فارَ التَّنورُ

فإلى أينَ المَفرُّ

أيُّها الرغيفُ المسروق؟؟

تحوَّلْ ناراً حاميةً

في الكَرْشِ المدلوقِ

تبَّاً لكُمُ

مُلّاكَ التِّبرِ

مُلّاكَ الدولارِ

فبئسَ المالُ الفُسوقُ

(من قصيدة “الرغيف الهارب”)

الرومانسية في الديوان:

في خضم الموجة المبدأية الفكرية والسياسية والاجتماعية، والالتزام بها، تناول الشاعر أغراضاً شعرية أخرى، منها الغزل الرقيق رومانسياً، وأسلوباً عذباً، ولغةً تناسب المقال والمقام، لنقرأْ ما يقول في قصيدة “قبلة شقائق النعمان” ص 88:

ما بكِ

أيَّتُها الأميرةُ الساحرةُ

أهملتِ شَعرَكِ الذهبيَّ

لتذروهُ الرياحُ

فسرقتْهُ الشمسُ

المتربصةُ

خلفَ دياجيرِ الغيومِ الهاطلةِ

أهملتِ شمَّ زهورِ الياسمين

فاستعمرَتْها العناكبُ السَّوداء

مِشطُكِ الذَّهبيُّ

أصابَهُ الضجرُ

……..

النهرُ العاشقُ

يتأوَّهُ شوقاً

الى عطرِ جسدِكِ الذي

أسكرَ مويجاتِهِ الراقصةَ

…….

إخلعي ثيابَ الحزنِ

حبيبتي

لتخلعَ الشَّمسُ ثيابَ الحِدادِ

ابتسمي حبيبتي

لتعانقَ

شفتيك

شقائقُ النُّعمانِ

يستمر في وجدانياته ورومانسيته الرقيقة الحارة حرارة العاطفة المتوهجة، ليثبت أنّ الأدبَ الملتزم كمفهوم فني لا يعني الجمود عند الثوابت الفكرية والسياسية إنّما يتجاوزها أيضاً الى الأحاسيس الذاتية المرتبطة بالعواطف الإنسانية كالحبّ، والحزن، والفرح، والغضب، والرضا، وغيرها، وهي حالات فردية تصيب الإنسان في كلّ زمانٍ ومكان، فإذا سدّد كيوبيد سهمه الى قلبٍ يخرّ هذا القلبُ صريع الهوى، كائناً مَنْ كان المجروح، قديساً أم من عامة الناس، ذا سطوةٍ أم صعلوكاً، مثقفاً أم أميّاً، عالماً أم جاهلاًأ؛ فالكلُّ في الهوى سوا، كما يقولون. ولْنقرأْ معاً ما يبوح به في قصيدة (وحام الزهور) ص 118:

توحَّمَتْ

وردةُ الجُوريِّ

بقطرةٍ مِنْ رضابِ

حبيبتي

توسَّلتْها أسرابُ العنادلِ

بالقُبولِ

فاشْتعلَ غَيرَةً

ندى الصَّباحِ

ولْنتزوّدْ بهذا الزاد الرومانسي في قصائد الحريزي، ولنرفعْ كؤؤسَ ذائقاتنا لِنرتشفَ رحيقَ الحبِّ في كلماته واهتزازاته القلبية العذبة، ولغته الرقيقة، التي تختلف عمّا نلقاه في صرامة النقد، وفضح القبح في الواقع السياسي والاجتماعي،  ولغته المتجاسة والمناسبة للحال والمقام والمقال، وهذا ما يمتاز به اسلوب شاعرنا الفنّي، على مقولة “لكلِّ مقامٍ مقال”، فلكلِّ ولادة قصيدة مقالها الخاصّ المتوافق مع مضمونها وولادتها. فكما أسلفتُ: فلنتزوّدْ، ولْنحتسِ كؤوسَ رحيقِ الغزلِ منْ شعره، فنثملُ وتتراقص قلوبُنا، ومن قصيدة (ورد الياسمين)  ص119

يا ملهمتي

يا مَنْ أنسيتني طولَ سنيني

يا ندى الصُّبحِ

يا بلسمَ الجُرحِ

يا وردَ

الياسمين

يا شِفاهَ الكرز

يا قُبلةَ الروحِ

يا طعمَ الشَّهدِ

هائمٌ أنا.. أحبُّكِ

نعم، أحبُّكِ

حبَّ المجانين

لكِ منّي معَ الريحِ

على ثغرِ النَّسيمِ

قُبُلاتي الملايين

كفاكِ وعوداً

روحي تكرهُ الوعودَ

كما يكرهُ القيدَ المساجين

 

عنوان الديوان:

اختار الشاعر عنوان الديوان من اسم احدى قصائده (مسامير طين “نصّ سائل”) ص 103.

وبما أنّ عنوان أيّ كتابٍ أو نصّ هو البوابة الرئيسة والمهمة، والعتبة التي يعبر عليها المتلقي للولوج داخل المؤلَّف وما يحتويه، لذا فإنّ الدقة والصواب في اختياره عملية ليست سهلة على الكاتب، قد تكون أصعب من المضمون. لهذا جهد الحريزي أنْ يكون اسم المجموعة عتبة نصية حاذقة ومصباحاً منيراً للقارئ، يضيء زواياها كشفاً أولياً أمام عينيه ووعيه وإدراكه، وقد أجاد وأصاب برميةٍ منْ رامٍ خبير، وهو  الخبير في الأدب وفنّ الكتابة بمختلف أجناسها الأدبية، وكما أسلفنا في قراءتنا عمَّا تدور حوله قصائدُ المجموعة. فاختيار العنوان كان (مسامير) منْ (طين). فالكتابة المسمارية على ألواح الطين مربوطة بالتاريخ الحضاري العراقي القديم في الكتابة السومرية والأكدية، حيث الكتابة على الطين بما يُسمى بالخط المسماري، وهي إشارة حاذقة من الشاعر لربط قصائد المجموعة بالتاريخ العراقي السومري والأكدي. وفي العنوان تورية هي ضربة معلّم حصيف يعرفُ ما يقول وما يريد: فهو باختيار المسمار، ترابطاً مع القول العراقي (ضُرَبَهْ بِسْمار) بمعنى ضربه بمسمار أي توجيه انتقاد حادّ موجع غير مباشر الى شخص مُخاطَب ليحدث وجعاً مثل وجع المسمار إذا دُقّ في جسد من لحم. لكنّ شاعرنا وجّه المسامير الى أناس وأحداث ووقائع مرّ العراق بها ويمرّ. وهنا عتبة أولية إشارية ودلالية للمتلقي قبل تقليبه صفحات المجموعة، بحيث يمهّد الطريقَ لوعيه وادراكه وقراءته ما تتضمن قصائدُها من موضوعات ومعانٍ وغاية يتوخاها الشاعر، فهي نقدية حادّة، ولمَنْ؟ هذا ما سيكتشفه القارئ المتصفِّح المهتم، والناقد الباحث المُستكشِف، والدارس المتخصّص. وبما أنّ الأديب حميد الحريزي معروف باتجاهاته الأدبية والفكرية، يردُ مباشرةً على ذهن العارف به والمتابع له شعرياً ونثرياً، أنّ المضمونَ سياسيٌّ اجتماعيٌّ نقديٌّ حادّ.

 

شارك هذا الموضوع على