الثلاثاء, يوليو 16, 2024

عن اصل الشبك واسمهم ولغتهم – نعمت شريف

القسم الثقافي

بقلم: نعمت شريف

على مدى العقود الثلاثة الماضية، كتب الكثيرون عن الشبك واصلهم ولغتهم، ولا شك ان ماذهبوا اليه من آراء غريبة ومتناقضة كانت نتيجة لقلة المعلومات وصعوبة البحث قديما وبعد ظهور الانترنيت وموجات العولمة والثورة المعلوماتية التي تجتاح العالم في جميع المجالات لاسباب كثيرة منها التطور التكنلوجي والعلمي والتكامل الاقتصادي وغيرها من اسباب سياسية واجتماعية. ان ما يؤخذ على الكتاب والباحثين عدم توخي الموضوعية في كتاباتهم عن اقلية لم تكن بمقدورها آنذاك الدفاع عن نفسها امام القوميات الاكبر سواءأ من النواحي الاجتماعية والسياسية من جهة او من ناحية التعببيرعن نفسها ومعتقداتها لاسباب جلها سياسية وتمييزية، وكان كل هم هذه الاقلية هو الحفاظ على هويتها وخصوصيتها وحالها في ذلك حال الاقليات الاخرى في العراق. كما يؤخذ على الباحثين عدم القيام بدراسات ميدانية للتعرف على الشبك وعلى عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم حتى يستطيع الباحث ان يبدي وجهة نظره، ويصح هذا عند الكتابة عن اية مجموعة بشرية اخرى.
عندما كتب صديق الدملوجي عن الكرد كان قد عاش بين ظهرانيهم سنوات طويلة وتعرف على مثقفيهم وشعرائهم وعرف تطلعاتهم وامالهم. ولكن عندما كتب احمد حامد الصراف عن الشبك مع احترامنا له كمؤرخ موصلي، كتب لانه التقى بشخص من اصل تركماني كان قد عاش بين الشبك لفترة واطلع على كتاب البويروق او المناقب. وماهذا الكتاب الا مجموعات شعرية وابتهالات مكتوبة بلهجة تركية اقرب الى الأذرية والتي لم يكن الشبك يفهمونها اصلا الا بقدر ما يقوله السيد الذي تعلمه من ابيه او احد افراد عائلته ويلقيها على مسامعهم في المناسبات الدينية والاجتماعية. والسادة (جمع السيد) وهم الذين ينتسبون الى اهل بيت النبي (صلوات الله عليهم اجمعين). من هذا المنطلق، انه من غير الضروري ان نناقش آراء اولئك الذين نحوا هذا المنحى في كتاباتهم عن الشبك، ومعظمهم من غير الشبك. نستثنى من هؤلاء بعض المحدثين، ومنهم الاستاذ احمد شوكت(1)، الشبكي الذي وثق كتاباته بمعرفته الشخصية بالشبك لغة وجغرافية وتاريخا وثقافة. لقد قاب قوسين او ادنى من الحقيقة عن اصل الشبك ولغتهم رغم اختلافي معه في بعض الاراء من وجهة نظر اجتماعية وسياسية.
لا تأتي الاسماء من فراغ، ولكنها تتفاعل مع بيئاتها من حيث المعنى والتطور اللغوي وما يجري عليها من تغيرات عبر الازمان والثقافات المختلفة. فعلى سبيل المثال “زيباري” (اسم لعشيرة كردية كبيرة تسكن في قضاء عقرة، من توابع محافظة نينوى بالعراق)، اصل التسمية تعود الى دولة سوبارتو القديمة التي كانت تسكن المنطقة ذاتها وتطورت بمرور الزمن ليصبح اسما لبقايا الشعب السوبارتي الذي اندمج من القبائل الآرية (الكرد في وقتنا الحاضر) واصبحت الكلمة تلفظ بصيغتها الحالية(2)، وكذلك اسم قرية ئيتيتي (او هيتيتي) والتي هي من ضواحي دهوك الحالية، اصلها من كلمة “الهيتيون” والتي يلفظها العرب “الحثيون او الامبراطورية الحثية” وبالانكليزية
(3)(Hittites´-or-the Hittite Empire)
وكانت هذه احدى مراكز الدولة الحثية في جزئها الجنوبي. وقد كشفت التنقيبات الحديثة انهم من الاقوام الهندواوروبية التي اسست دولتها في منطقة الاناضول (كردستان الشمالية) وقد صنفهم الابحاث القديمة بانها غير هندواوروبية ولذلك لايذكر المؤرخون الكرد عنهم شيئا (عجبا لهذا ونحن في عصر الانترنت!)
وكذلك اسم الشبك كمفردة لها معناها وتاريخها. فأما من حيث المعنى فتعني كلمة الشبك: العالم او الشيخ في دين الاله الواحد وقد تطورت بمرور الزمن من “شاموغ”، الى “الشابغ”، ثم الى “الشبك” (انظر مقالنا المترجم على هذه الصفحة “مراحل المعرفة الاثنى عشر في طريقة الشبك”)، وكان الاسم قد اطلق على احدى الطرائق القديمة التي تفرعت عن الديانة الميثرائية، ولا يزال اسم “الشبك” بصيغته الحديثة يطلق على العديد من المناطق في افغانستان وايران وتركيا، وهي المناطق التي سكنها الشبك في ترحالهم كباقي القبائل الكردية كل حسب ظروفه في المناطق المعروفة اليوم بكردستان في هذه البلدان وبضمنها العراق وسوريا، ومنها:
قصبة تدعى “دكانهاي شبك” وتعني “دكاكين الشبك” وتقع في محافظة باكتيا على الطريق الرابط بين خوست شرقا وكرديز باتجاه كابل شمالا، وتبعد حوالي 126 كم الى الجنوب من كابل (عاصمة افغانستان الحالية)، وعلى خطي الطول والعرض 69.3775 شرقا و33.4069 شمالا على التوالي، وترتفع عن مستوى سطح البحر ب 7329 قدما ويبلغ عدد سكانها في الوقت الحاضر حوالي 6070 فردا.
وهناك قرية “شبك خيل” وتعني “قبيلة الشبك” وتقع ايضا في محافظة باكتيا ايضا وعلى خطي الطول والعرض 69.3812 شرقا و 33.39381 شمالا على التوالي وترتفع عن مستوى سطح البحر2176 قدما.
وهناك مزار “زراونا بزرك” اي زراونا العظيم، قرب الشبك، وهذا المزار يزوره ايضا “الطوريون”، ويعتقد هؤلاء ان البندقية لا تعمل اي لا تطلق النار في هذا المزار. (4)
وهناك جبل في ايران لا يبعد كثيرا عن طهران يدعى “كوه شبك” ويعني “جبل الشبك”
واما في تركيا الحالية فيظهر اسم الشبك في المناطق المأهولة بقبائل الدملة (الزازا او الظاظا بالعربية). ويذكر المؤرخ مهرداد ازدي في كتابه عند تعداده لقبائل الزازا اسم “الشبك او الشفك واسم أوشاك او أوجاغ (ئويجاغ) ” (ص 84) ولازالت كلمة ئويجاغ تستعمل في الشبكية على العائلة الكبيرة الممتدة وهي الكلمة نفسها تطلق في البادينانية على اوجاغ او بنه مالة. ويذكرهم مرة اخرى بنفس الاسم “الى الشمال من ايلازيغ باتجاه درسيم وبنغول وبشكل رئيسي هم العلويون الناطقون بالدملية.” (ص 85) . وفي الصفحة ذاتها يذكر اللك، “لك كوردي في حوض نهر جيحان الى الشرق والشمال الشرقي من ادنة (اضنة)، ويتكلم قسم من اللك اللهجة الكرمانجية وهم العلويون منهم.”
تعتبر اللغة الجزء الاهم من هوية الافراد والمجتمعات والمعرّف الاهم لذلك. وبزوال اللغة يفقد المجتمع هويته بما في ذلك من التاريخ والتراث والفولكلور ولذلك يجب على اي شعب يريد البقاء حيا بتاريخه وتراثه وحضارته فلا بد ان يولي جل اهتمامه بلغته وتطويرها لمواكبة الشعوب الحية في كل عصر وزمان.
يذكر الدكتور شاكر خصباك في كتابه الاكراد ان الشبكية كانت لغة ادبية رفيعة في البلاط (5) الباباني، ويذهب الدكتور مهرداد عزتي الى القول ” قد يكون اسم كونفدرالية بابان العظيمة ، التي حكمت وسط كردستان تحت السيادة العثمانية حتى عام 1848 ، تحريفا لاسم باوند من قبيلة دملة التي انجبت السلالة الملكية للبويهيين في العصور الوسطى بالإضافة إلى أكثر من نصف دزينة من السلالات الأخرى. لا تزال الغالبية العظمى للدملة اليوم يسكنون شمال شرق كردستان في الأناضول ، وهم المعروفون بالزازا لدى الاخرين.”(6)
الشبك مصطلح يشير الى مجموعة بشرية وبضمنهم الباجلان في سهل نينوى تتكلم لغة او لهجة واحدة تؤدي وظيفة التفاهم بينهم مائة في المائة، ، وبغض النظر عن اصولهم القبلية لان لمعظمهم امتدادات عشائرية بين القبائل الكردية التي تتكلم بلهجات كردية حسب مناطق سكناهم. وهناك بين الشبك عوائل عربية وتركمانية ولكنهم بمرور الزمن اندمجوا مع الشبك، كما هو الحال مع جميع الشعوب الحية. ليس الشبك لوحدهم يعانون من الغبن التاريخي، فنرى مثلا ذهب بعض المؤرخين وخاصة العرب منهم بوصف الكرد بابناء الجن الذين “كرّدهم” نبي الله سليمان الى الجبال (اي طردهم وحاصرهم). وما قيل عن الشبك فما زال ضمن المعقول، ولم يخرجهم من انسانيتهم. اما اسم الشبك، فبالتأكيد ليس كما ذهب البعض من شبك او تشابك اصابع اليدين. لا تأتي الاسماء من فراغ، ولكنها تتغير وتتطور بمرور الزمن وعلم الاتمولوجيا هو المختص باعادة الكلمة الى اصلها. وفي الاصل كانت الكلمة شاموغ، وهي مركبة من كلمتين شاه (اي الكبير، العظيم، الملك) وموغ اي الكاهن او الساحر (ومنها اشتقت كلمة السحر –ماجيك، بالانكليزية، وكلمة المجوس بالعربية) في الديانات القديمة من ميترائية وزرادشتية وتعني كبير او عظيم الكهنة او السحرة (لان الكهنة ورجال الدين كانوا يمارسون السحر والتنجيم آنذك). ثم تطورت بمرور الزمن ليصبح “شبك” بما نراه في عصرنا الحاضر. وكان هؤلاء الكهنة (موغان-بصيغة الجمع) يشكلون طبقة دينية ولا شك متنفذة في حينها لانهم تركوا اسمهم في اماكن متعددة في هجراتهم وفي مناطق سكناهم. ونجد اسم الشبك في المناطق الجبلية بافغانستان، ومن ثم في ايران وتركيا في مناطق الزازا وومعظمها في المناطق التي تسكنها او مرت بها قبائل كردية اثناء هجرتها او نزوحها الداخلي بعد استقرارها في كردستان الحالية في فترات مختلفة. هذا باختصار شديد عن اسم الشبك. واما عن اصل الشبك فلا يغامرني ادنى شك في انهم هندواوربيون نزحوا الى المنطقة كغيرهم من القبائل سواءا كانت كردية او مستقلة قوميا. وواضح من علوم الاجتماغ والانثروبولوجيا ان ظهور القوميات عملية تمايزاجتماعية تاريخية تستغرق مئات السنين. وسيكون لنا قولا اكثر تفصيلا في مكان آخر انشاءالله.
من حيث تصنيف اللهجات الكردية تاتي لهجات الزازا والشبك اقرب اللهجات او بالاحرى تمثل الشبكية احدى اللهجات الفرعية للزازا، واما الباجلانية والهورامانية تنتميان الى الاصل الكوراني. وكما واضح ان لجهات الشبك والباجلان والهورامان تكاد تكون متطابقة بعد ان طرأت بعض التغييرات على لهجة الزازا لبعدها الجغرافي وربما اختلاطها بالتركية. (انظر أزدي ص169-168) وبناءا على دراسة الكاتب نفسه لتاريخ موجات الهجرة الكردية الى المنطقة، يعتقد ان الزازا (العشائر الدملية او الدنبلية) استوطنت مناطق شاسعة في كردستان الشمالية (تركيا) وكردستان الجنوبية (العراق) حيث كان الكرمانج يسكنون في اعالي الجبال، ولكن على مدى ما يقرب من الف سنة، كان تكاثرهم السكاني كبيرا الى درجة انهم بدأوا بتوسيع مناطقهم حتى انقطعت اجزاء من الناطقين بهذه اللهجة في الجنوب ليتكون منهم الشبك، والى الشرق منهم مجموعة على الحدود العراقية الايرانية الحالية وبذلك تكون منهم الهورامانيون، وحسب رأيه يمكن ان يفسر هذا وحدة اللهجات الثلاثة في الاصل. هناك ما يربو على الثلاثة ملايين من الزازا في تركيا، ونصفهم علويون والنصف الاخر سنّة. نمط الحياة عندهم يشبه الى حد كبير كما كان الشبك في الخمسينات والستينات من القرن الماضي نتيجة للضغوط التي تمارسها الدولة عليهم فهم مضطرون للتقوقع على انفسهم حفاظا على ثقافتهم ولغتهم وعاداتهم (انظر كايا ص 107 وص 147) وهذا ما كان يحصل للشبك في الماضي. ولذلك نجد ان البت في اصل الشبك يحتاج الى جهد ومواظبة في اجراء دراسات ميدانية وتاريخية (بالمقارنة مع هجرات القبائل الاخرى) ولغوية مقارنة ايضا باللهجات الكردية وربما الفارسية ايضا.
القومية هي الشعور الجمعي للترابط والانتماء الى مجموعة بشرية ذات صفات وخصوصية. وبالتأكيد يتمتع الشبك بهذا الشعور وخصوصية الانتماء، وهذا ما يؤكده الكاتب ومن وجهة النظر السياسية لا بد من مراعاتها في التعامل معهم كمجموعة بشرية وليس بالضرورة انتماءا عرقيا. يمثل العرق احد المقومات المهمة للقومية، ولكن ليس بالضرورة اساسا للشعور القومي. الشبك اقلية صغيرة في محيطهم نسمة وارضا، والمجتمع الشبكي كغيرهم من الاقليات في العراق وخاصة في سهل نينوى يتميز بخطوط الصدع على صعيدي القومية والمذهب (بين الشبك نسبة صغيرة من الكاكائية)، وجميعهم يرتبطون بعلاقات جوار ودية وتفاهم مع جيرانهم من المسيحيين والايزيديين والعرب والكرد). ولذلك فان وحدة الشبك ومشاركتهم سياسيا مسألة حيوية لضمان مستقبل مشرق لاجيالهم القادمة. يتمتع الشبك بموقع جغرافي مهم، وثروات طبيعية، وسهول زراعية خصبة، ويشكلون وحدة اقتصادية تربط كردستان بوسط العراق وجنوبه. باختصار شديد، تحتاج المنطقة الى تطوير اقتصادها، والتركيز على تقديم الخدمات الضرورية للجميع بدون استثناء، وتعليم ابنائها وبناتها على حد سواء، وتطوير لغتها (او لهجتها)، ومضاعفة الجهود لتطوير وسائل اعلامها لتسهيل الترابط الثقافي فيما بينهم ومع جيرانهم.

الهوامش والملاحظات:
احمد شوكت، الشبك، الكرد المنسيون، دراسة تاريخية اجتماعية في اصولهم وعقائدهم وموطنهم، تموز 2003 1
2 Izady, Mehrdad, The Kurds, A Concise Handbook, Taylor and Francis International Publishers, Washington, DC. 1992.
3 Hittites, Captivating History, Middletown, DE, January 2023
4Indian antiquity V. 34, November 1905, P. 269 “At Shabak: Zarauna Buzurg Ziarat, near Shabak, is also visited by Turis. The Turis belief is that a gun will not go off at this shrine.”
5 د.شاكر خصباك، الاكراد ـ دراسة جغرافية اثنوغرافية ـ بغداد 1973
6 Izady, Mehrdad R. The Kurds, A Concise Handbook, Taylor and Francis International Publishers, Washington DC, 1992, P 76. “The name of the great Baban confederacy, which ruled central Kurdistan under Ottoman suzerainty until 1848, may well be a corruption of Bavend from the Dimila tribe issued the medieval royal house of the Buwayhids as well as more than half a dozen other dynasties. The main body of the dimilas are today still is in northeastern Kurdistan in Anatolia, and are better known to the outsiders as the Zaza. (Izady, p. 76)”
ملاحظة: اسماء جميع المواقع الجغرافية التي ورد فيها اسم الشبك تم استخراجها عن طريق الانترنيت لاخر مرة يوم 20 كانون الثاني 2023. (7)

شارك هذا الموضوع على