الأحد, يونيو 16, 2024

كيف يحاربون القضية الكوردستانية بأحزابها – محمود عباس

آراء

كل القوى الكوردستانية مستهدفة، بطريقة أو أخرى، عليها جميعا وبدون استثناء أن تعيد النظر في حساباتها، ومواقفها من بعضها البعض، وأن تدرك على أن الأعداء ومحتلي كوردستان، حاربوا طوال القرن الماضي، العشيرة، والتكيات الدينية، والمنظمات الثقافية، والثورات الكوردية بكل أوجهها ولم يفرقوا بين شخصياتها الوطنية أو القومية أو الدينية، ثم حاربوا الأحزاب بغض النظر عن منهجياتها، واليوم يهاجمون الإدارات الكوردستانية، حتى التي تنفي عن ذاتها السمة الكوردية كالإدارة الذاتية في غربي كوردستان، أو المطالبة بنظام ديمقراطي كإقليم كوردستان الفيدرالي، مثلما حاربوا جمهورية مهاباد إلى أن أزالوها، ويحاربون التي تطالب باللحمة الوطنية مع بغداد أو المتحالفة مع إيران من البعد المذهبي، أو المنضوية تحت خيمة قوى المعارضة السورية (الائتلاف الوطني السوري) كالمجلس الوطني الكوردي.
يحاربون كل الأطراف الكوردستانية بدون تمييز، بطرق وأدوات مختلفة، يحاربون القضية والشعب، وكل من يتوقعون منه تقديم خدمة للأمة ولقادم الوطن، بغض النظر عن منهجيته، وأيديولوجيته، وأساليبه النضالية، يخلقون التبريرات من العدم لعدائهم، وما أسهل من إيجاد الحجج في البيئة الكوردية الهشة، لمحاربتهم.
صور عبد الله أوجلان في جهة حجة وتبرير، ومنهجية البرزاني حجة لدى الأخرين، وخط المرحوم جلال الطالباني في الجهة الأخرى حجة مغايرة، ومطالب الشهيد عبد الرحمن قاسملو والمرحوم الشيخ حسيني بإدارة ذاتية، لكل من هذه الأسماء أعداء من صلب محتلي كوردستان، والجامع بينهم هي القضية الكوردستانية. لو كان الرسول كورديا لوجدوا له حجة لمحاربة كوردستان من خلاله. استيقظ أيها الكوردي، هناك من يسخرك ويملي عليك ويستغل سذاجتك السياسية لتعادي الأخ في الدار، يعطيك الأداة لتشتت القوى الكامنة الهائلة في شعبك. من الجميل أن يكون هناك خلاف واختلاف، ومن المؤلم أن يصارع الكوردي، ويعادي ويخون بعضهم البعض، ويفتحوا الأبواب على مصارعيها لمحتلي كوردستان.
من الجهالة الظن أن الأعداء يفضلون طرف كوردستاني على الأخر، الواقع الذي يتوجب على الحراك الثقافي، بل والسياسي أيضاً، أنه لا حزب مرغوب لدى المحتلين، ولا حزب يمكن التعامل معه حبا به. الكل منبوذ إلا إذا دعت ضرورة مصالحهم. فمن الخطأ الفاضح، الانجرار خلف الدعاية التي تنشر على أن أساليب ونشاطات هذا الطرف الكوردي أو ذاك، تعطي المبررات للأعداء لمحاربتهم والاعتداء على الشعب. لا يمكن الثقة بالأنظمة المحتلة لكوردستان، ومن الغباء نسيان هذه الجدلية، لا شك هناك تحالف على بينة المصالح، لكن لم يبلغ أي طرف كوردستاني إلى سوية التعامل بالمثل، بل جل ما يتم يجري على منطق السيد والموالي، الآمر والمأمور، الإملاءات والتنفيذ، الكل خدم يخدمون، جلهم دون مستوى التقدير ما داموا مشتتين ومتخالفين، ولا جامع بينهم لتكوين قوة موازية للأنظمة المحتلة.
يجب أن تعي وتنتبه إلى أن منهجية وأعمال وأساليب القوى الكوردية، ليس مبررا لتركيا أو إيران أو القوى العروبية العنصرية لما يقومون به من الاعتداءات، كالتي يتم في مناطق عفرين أو قامشلو، أو ديريك، أو شنكال، أو كركوك، أو شمال الإقليم الفيدرالي الكوردستاني، أو دهوك وهولير والسليمانية، وغيرها، وبين كل هذه المناطق اختلافات سياسية لكنها جميعا تتعرض إلى نفس الاعتداءات حتى ولو كانت بأوجه مختلفة، وتحت حجج مغايرة، ومن قوى مختلفة في الشكل ومتفقه في الغاية.
على الحراك الكوردستاني أن يدرك أن القضية هي المستهدفة ومنهجية الأحزاب هي الحجج، فمهما اختلفت أوجهها وألوانها فسيجدون الحجة لإيجاد التبرير لتصنيفهم كإرهابيين، أو انفصاليين، أو متمردين، لمحاربتهم، ومن السذاجة السياسية والتي تنم عن ضحالة الوعي عدم معرفة ما يخطط له المتربصون وكيفية خلقهم الأعداء المناسبين لكل طرف كوردي، ومحاربتهم على نسق منهجيتهم، بأساليب وهوبرة إعلامية يقنعون بها الأطراف الكوردية الأخرى المناوئة للطرف الذي يتم محاربته. فبقليل من التمعن على ما يجري اليوم ضمن الساحة الكوردستانية سنرى أن كل الأطراف السياسية والثقافية تتعرض إلى الاعتداءات، من جهات مختلفة، ولكن المصدر واحد والغاية هي ذاتها.
جندت قوى من ضمن حكومة بغداد لمحاربة حكومة الإقليم الفيدرالي الكوردستاني، وفي الواقع مساحة الصراع أوسع من حصرها في مجموعة من النواب أو الوزراء، وتجاوز أو تطبيق القانون والدستور المطاط. وبالمقابل نرى كيف يحاربون القوى الموجودة في السليمانية بمنهجية مختلفة، وأحزاب شرق كوردستان من مهاباد إلى سنندج. ويحاربون الإدارة الذاتية في غربي كوردستان تحت مفاهيم ومخططات مدروسة بدقة، كما ويحاربون المجلس الوطني الكوردي بإعلام مختلف وأساليب تخللتها التخوين. أي عمليا الكل الكوردستاني مستهدف ويتعرض إلى الاعتداءات.
والغريب أنه وفي معظم هذه الحالات يكاد أن يبرأ الأعداء ذاتهم، ويوجهون أصابع الاتهام إلى أطراف الحراك الكوردي ذاته، بل الأطراف الكوردستانية تتهم بعضها وتتناسى الفاعل الحقيقي، إلى درجة يقنعون به الشارع الكوردي قبل حراكه على أن الأطراف الكوردية هي المذنبة، والأبشع هي أن كل جهة تتهم الأخرى، وتنسى أصحاب القدرة والإملاءات، وواضعي الخطط لهذا التآكل والصراع الداخلي.
ومن المؤلم التناسي على أن هذا الواقع المؤلم، يضعف الذات قبل الطرف الكوردي الآخر، ويهدم ثقة الشارع الكوردي بحراكه، ويجعل الكل الكوردستاني، مشتت ومتصارع، وساذج، ودون مستوى القدرة على حمل القضية، فيظلون أدوات بيد الأعداء.
الحراك الثقافي، ولانجرار أغلبيته خلف الأحزاب، عاجز حتى اللحظة على تعرية هذه المخططات والمؤامرات، ولا يزال دون مستوى توعية الحراك السياسي، وتنوير الشعب، بل والأكثر ألما أن شريحة غير قليلة تؤمن بأن الأحزاب والمنظمات الكوردستاني، بغض النظر عن أوجهها المختلفة، هي التي تعطي المبررات للأعداء لمحاربة القضية.
فكما يقال بأنه لولا وجود الـ ب ي د وتجاوزاتها لما احتلت تركيا عفرين وكري سبي وسري كانيه وقبلها الباب وجرابلس، ولما حاولت إقناع روسيا وأمريكا لاحتلال البقية الباقية من غربي كوردستان، ولولا الـ ب ك ك لما قامت باحتلال شمال الإقليم الفيدرالي الكوردستاني، بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر مع الحزب. ويقال بأنه لولا الإتحاد الوطني لما دفعت إيران وبغداد بالحشد الشعبي لاحتلال كركوك، ولما قطعت الموازنة السنوية لحكومة الإقليم، ولما كانت كل الإشكاليات على النفط وموارده والخلافات على الموازنة بين المركز والإقليم الكوردستاني متدهورة إلى أن بلغت درجة التدخل المباشر من قبل المركز في أمور الإقليم. ولولا سياسة الديمقراطي الكوردستاني، لما تمكنت تركيا من الاعتداء على مناطق العمال الكوردستاني، وقصف شنكال، ولما كانت هناك صراع بين هولير والسليمانية، ولما حدثت الفضيحة التي تمت ضمن قاعة البرلمان الكوردستاني، وطعنت المحكمة العليا في شرعية البرلمان، ولما كانت حصة السليمانية من الميزانية دون المستوى، ولولا مطالب الديمقراطي الكوردستاني-شرق كوردستان، لما قصفت إيران مخيمات المهاجرين من شرق كوردستان في جنوب كوردستان، ولما أعدم أئمة ولاية الفقيه المئات من المناضلين الكورد. وغيرها من الإشكاليات.
التهم متنوعة أدواتها الأطراف الكوردستانية، لكن المصدر هو المحتل، والقوى الإقليمية التي تجد في قادم كوردستان كارثة سياسية وجغرافية لدولهم، علما إنها ستكون بداية السلام والاستقرار في المنطقة. وهذا ما يجب ان تعيه الأطراف الكوردستانية لتتمكن من إقناع الأنظمة المحتلة ولتقنع بدورها شعوبها.
نعيد ونكرر، الحراك الكوردستاني لم يكن السبب في خسارة كركوك، وقرابة ثلث مساحة جنوب كوردستان، وعفرين وكري سبي وسري كانيه، ووجود القواعد التركية في شمال الإقليم الكوردستاني، وهيمنة الحرس الثوري على مهاباد وسرادشت، وليست السبب في الوجود الأمريكي والروسي في المنطقة، ولا في الاعتداءات المستمرة التي تقوم بها إيران وتركيا على كل كوردستان بأجزائها الأربعة.
محتلو كوردستان لهم القدرة على إقناع بعض القوى الكوردستانية، بوجهات نظرها عن الكوردي الأخر، وتسخيرهم لمحاربة الآخر، وليس هناك من استثناء، وبالتالي كل الأطراف الكوردية تتعرض إلى الأذى، والكل يخسر، وتستمر سيطرة الأعداء على مقدرات الأمة وحراكه.
وللعلم، فما قد ينجم عن الاتفاق المتوقع بين الدول الأربع، روسيا وتركيا وإيران ونظام بشار الأسد، ستكرس هذه المخططات وسينجحون كما نجحوا طوال القرن الماضي، إذا ظل الحراك الكوردستاني على هذه الضحالة من الوعي السياسي، ولم تقم بإعادة النظر في رؤيتها لبعضها البعض.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
17/6/2023م

شارك هذا الموضوع على