الأربعاء, يونيو 19, 2024

للكورد وحدهم الحق بتجريم بريطانيا وفرنسا

آراء

د. محمود عباس

لأنه الشعب الوحيد الذي تم إنكار حقوقه الجيوسياسية، ولم يعترف به كقومية ذات خصوصية منفصلة عن محتليه، قسم وطنه بين أربع دول، لذلك يحق للكورد وحدهم تقديم الدولتين إلى المحاكم الدولية ليس فقط على ما فعلوه في بداية القرن الماضي، بل ما نتج عن استراتيجيتهم من الحرمان والتخلف السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي للكورد دون غيرهم من شعوب المنطقة.
مرت مناسبة اتفاقية سايكس – بيكو لم توليها الدول المعنية أي اهتمام، والتي كانت تدعي بأنها غبنت ورسمت حدودها بلا عدالة، لأنها بدأت تشعر بأن أي إثارة لها ستصب في مصلحة القضية الكوردية، فكما نعلم أنهم كانوا قبل هذه السنوات ينشرون الكتابات التاريخية ويصدرون التصريحات المنددة بما تم في بداية القرن الماضي، بل وبالمسيرة الاستعمارية التي امتدت ما بين احتلال نابليون لمصر عام 1799 إلى يوم دخول فرنسا وبريطانيا كإمبراطوريتين إلى المنطقة عام 1920م.
في السابق كانوا يثيرونها كاتفاقية إجرامية، لم يتوقفوا يوما على التناقضات التي تضمنتها كتاباتهم ولا بما قدمت لهم الإمبراطوريتين من الإيجابيات، وكيف خلقوا لهم دول من العدم، وصيرت الحقوق السياسية لمجموعات لم تكن لها الحق ولا تستحقها، باستثناء الشعب الكوردي الذي تم إنكار حقوقه من حينه وحتى اليوم. لم يكن هناك الإنترنيت طوال القرن الماضي، فكان من السهل التعتيم على حقوق الشعب الكوردي، الجريمة السياسية الجغرافية التي أصبحت لدى الأنظمة العنصرية التي تحتل كوردستان جدلية مطلقة.
أقنعت السلطات التي أنتجتها استراتيجية الإمبراطوريتين، شعوبها على أن الشعب الكوردي لم يكن يملك متطلبات بناء دولته ولا يحق له اليوم أيضا، وعلى هذه المنهجية تم وعلى مدى قرن كامل اضطهاده ومحاربة حراكه، اعتقلوا الألاف من المناضلين الذي كانوا يحاولون إقناع العالم وأبناء المنطقة والقوى التي رسمت خريطتها الحالية، على أنها جريمة يجب إعادة النظر في تركيبتها، وخير مثال الحكم الأخير على صلاح الدين ديمرتاش وزميلته فيغين يوكسيكداغ من قبل محاكم تركيا، وأخرين، وكيف أن المحاكم التركية هي من مخلفات الاتفاقية الكارثية المذكورة، فلو كانت التقسيمات عادلة بحق الشعب الكوردي، لكانت اليوم كوردستان موجودة، مثلها مثل تركيا وإيران والعراق وسوريا وغيرها من دول المنطقة، حينها لما كان هؤلاء السياسيين الكورد تحت رحمة سلطات الدول المحتلة، ومحاكمها ودساتيرها المبنية على عدمية حقوق الكورد كشعب.
والأغرب تناسي الأنظمة الحاكمة، ما قدمته الإمبراطوريتين الاستعماريتين لشعوبها من الخدمات الثقافية والاقتصادية العصرية إلى جانب السياسية، وأولها تحريرهم من إحدى أبشع الاحتلالات في تاريخ المنطقة، الاحتلال العثماني، والتي طوال أربعة قرون وأكثر من هيمنتها أغرقت المنطقة في التخلف الثقافي والعمراني والاقتصادي، وبالمقابل نقلت الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية المنطقة من واقع الاحتلال المدمر إلى الاستعمار التي جلبت معها الكثير من السمات الحضارية، ومن بينها ظهور تركيا العصرية وليدة الإمبراطورية العثمانية المتخلفة، بغض النظر عن مصالحهما كإمبراطوريات نهبت العالم لتغذية ذاتها.
لا أستغرب تكتم سلطات دول المنطقة، لأنهم يدركون أن إعادة التخطيط الجيوسياسي من جديد لمنطقة الشرق الأوسط من قبل الدول العظمى، بدأت منذ قرابة عقد من الزمن، وستستمر لعقد آخر على أكثر تقدير، أي أقل من الفترة الزمنية التي استغرقتها التركيبة السابقة، والممتدة ما بين عام 1905م إلى يوم التطبيق عام 1920 والمنتهية باتفاقية أنقره -2 المرسومة على أساسها الخط الحدودي ما بين قامشلو وديركا حمكو وتكوين لواء إسكندرونه، أي عمليا التقسيم الأخير لجغرافية كوردستان.
أي أنها تنتبه إلى أن الخرائط السياسية الموجودة، لم تعد مضمونة استمراريتها، وأية إثارة ستسرع من مسيرة التغيير التي بدأت تتوضح أكثر بين سنة وأخرى خاصة في العراق وإيران وتركيا، وبعضها تعيش حالة الانقسام الكامل كسوريا، إلى جانب ظهور حقائق سياسية – ثقافية عصرية أهم، بفضل الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، تتعارض ما رسخت من الصور النمطية الخاطئة المترسخة في أذهان شعوب المنطقة، كتاريخ تكوين الخرائط الجيوسياسية الحالية، فأصبحت الأجيال الحديثة تعلم أن الواقع الحالي للمنطقة كانت وليدة مصالح بريطانيا وفرنسا، تتعارض مع التقسيم الجغرافي القومي والديني والمذهبي لشعوب المنطقة.
لا شك محاكمة الذات، لا بد منها، لكن السؤال هو: كيف؟ وعلى أية أسس؟ فالشخصيات السياسية الكوردية في تلك الفترة، لم تكن تملك الوعي المطلوب لجمع شمل القبائل الكوردية المتفرقة، وتقديم ذاتها في الواقع الفعلي كممثلين عن الشعب، ولم تملك الإمكانيات لحشد قوات عسكرية كما فعله فيصل ووالده حسين بن علي شريف مكة، عندما طلبت منه بريطانيا قوة عربية للقيام بالثورة ضد العثمانيين، إلى جانب هيمنة عشائر وشخصيات سياسية كوردية معتبرة كانت تعارض البديل العثماني الإسلامي.
لذلك فمحاكمة الذات تكون بعد دراسة التاريخ ومقارنتها بالجاري، لندرك أننا إذا استمرينا على ما يتم ستكون النتائج كارثية، فما كانت عليه القبائل الكورية من التخلف وأحيانا الجهالة السياسية والقومية، حينها تعكسها اليوم الخلافات الحزبية في أوضح تجلياتها، كما وأن الذهنية الرافضة للأخر هي ذاتها، مع خلاف بسيط، وهي استبدال العشائرية بالمدرسة الحزبية، والحجج اختلفت سماتها لكن البنية ظلت هي ذاتها، لم توهن قدرة الكوردي على خلق الجديد منه وملائمتها مع الظروف والعصر، هذا الجانب هو الوحيد الذي تطور وأصبح يتماشى والعصر.
لا بد من تطوير الذات، والعمل على بنية ذهنية عصرية لئلا نعيد التاريخ ذاته، نداء لجميع الأطراف من أجل تحرير كوردستان.

الولايات المتحدة الأمريكية
22/5/2024

شارك هذا الموضوع على