الثلاثاء, يوليو 23, 2024

منظمة حقوقية: السلطات المحلية بشمال غرب سوريا تعتقل 15 سورياً لاحتجاجهم أمام مَوكب تركي

حقوق الإنسانرئيسي

تقرير لـ سوريون من أجل الحقيقة والعدالة:

بتاريخ 16 حزيران/يونيو 2024، أطلقت السلطات المحلية بريف حلب، في شمال سوريا، سراح ثمانية أفراد، كانت قد احتجزتهم لمدّة قاربت الأربعة الأشهر تعسفياً، في السجن العسكري المركزي في مدينة الراعي، خلال محاكمتهم بتهمة “عكر الصلات بدولة أجنبية”.

كان الثمانية الموقوفين وفق هذا الإدعاء، ضمن مجموعة من 15 شخصاً، اعتقلتهم السلطات المحلية بريف حلب الشمالي، على خلفية مظاهرة سلمية على دوار “سجو” بالقرب من معبر باب السلامة؛ اعترض خلالها المتظاهرون، بتاريخ 17 آذار/مارس 2024، موكباً ضم شخصيات تركية، ظناً منهم أنه يضم أعضاءاً من “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” المرتبط بتركيا، و”الحكومة السورية المؤقتة” المنبثقة عنه، وذلك احتجاجاً على سياساتهما في المنطقة.

وكجزء من المنطقة المسماة بـ”درع الفرات”، يسيطر “الجيش الوطني السوري” على ريف حلب الشمالي عسكرياً، تحت مظلة الحكومة المؤقتة، والتي تتولى النواحي الإدارية، بما يشمل الجوانب القانونية والقضائية، بتوجيهٍ شبه كلي من المنسق التركي.

نُظِمت المظاهرة من قبل أهالي في مخيم ببلدة “سجو”، والتي تبعد 5 كيلومتراً عن مدينة إعزاز، بريف حلب الشمالي. حيث يشكل ريف حلب الشمالي، نقطة تجمع لعدد من المخيمات المخصصة للنازحين داخلياً من مدينة تل رفعت، والتي شهدت موجة نزوح عام 2016، إثر عملية عسكرية قادتها “وحدات حماية الشعب” المنضوية تحت لواء “قوات سوريا الديمقراطية/قسد”، أفضت إلى سيطرة الأخيرة عليها.

قاد فصيل “الجبهة الشامية” عملية الاعتقال،[1] كونه يسيطر على منطقة مخيم “سجو” بالشراكة مع الفرقة “50 – أحرار التوحيد”.[2] احتجز  الفصيل 15 شاباً من المخيم، أجبروا على تسليم أنفسهم؛ ليقوم بتسليمهم إلى الشرطة العسكرية في مدينة إعزاز، بعد احتجازهم لمدة ثلاثة أيام. وبعد تحقيقاتٍ في مقرها استمرت ليومين، أفرجت الشرطة العسكرية عن سبعة من المحتجزين، وسلمت الثمانية الآخرين للقضاء، الذي قرر إيقافهم ومحاكمتهم بموجب الادّعاء أعلاه.

وقد نظّم أهالي المنطقة ثلاث وقفات احتجاجية بالقرب من معبر “باب السلامة” على الحدود مع تركيا، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، قال أحد مصادر هذا التقرير، أنها شهدت إقبالاً ضعيفاً، لأن “الأهالي متخوفون من أن يصبحوا مطلوبين للأتراك بسبب التظاهر”.

في هذا التقرير الموجز، تسلط “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” الضوء على تدهور حالة حرية الرأي والتعبير، وانعدام المساحات الآمنة للمدنيين في شمال سوريا، فيما تسعى الفصائل المسيطرة والسلطات الإدارية للمحافظة على علاقتها بتركيا، والتي تعتبر أكبر داعميها، وبالأخص في ظل انعكاسات هذا التحالف على عمل المؤسسات القضائية المحلية ومسارات العدالة. ففي شمال سوريا، حيث “كل شيء بقوة السلاح“،  يحرم السكان من حقهم في المطالبة بظروف معيشية أفضل أو بوقف الانتهاكات التي يتعرضون لها على يد الفصائل العسكرية المسيطرة على الأرض، ويواجههم خطر الاعتقال في حال تعرضوا بالنقد لهذه الفصائل أو السلطات التي تعزز حالة الإفلات من العقاب السائدة، تحت أنظار تركيا، التي تمارس السيطرة الفعلية في المنطقة.

يستند التقرير على مقابلاتٍ، أجراها الباحثون في “سوريون” مع ثلاثة مصادر محلية، كان أحدهم واحداً من المتظاهرين، وآخر من المعتقلين، الذي احتجز لمدة خمسة أيام على الرغم من عدم مشاركته بالمظاهرة، بالإضافة إلى محامي، مطلع على مجريات المحاكمة التي أخضع لها الأفراد الموقوفون.

أجريت المقابلات الثلاثة عبر الانترنت باستخدام تطبيق تواصل آمن. واطلع كل من المصادر الثلاثة على الطبيعة الطوعية للمقابلة وطرق استخدام المعلومات التي شاركوها، ومن ضمنها نشر هذا التقرير، خلال أخذ موافقاتهم المستنيرة، فطلبوا ثلاثتهم عدم الشكف عن هوياتهم أو أي تفاصيل قد تدل عليها، خوفاً من عمليات انتقامية قد تطالهم من قبل الفصائل المسيطرة على المنطقة.

وفي سياق رصد حالة الحريات في شمال سوريا، سبق وأن نشرت “سوريون” تقريراً  وثق اعتداءاتٍ بحق صحفيين، أثناء تغطيتهم لوقفة دعت لها “نقابة المحامين الأحرار في سوريا”، أمام قصر العدل في مدينة الراعي، بريف حلب الشمالي، وذلك للمطالبة بوقف تدخل المنسق التركي بعمل القضاء ونقابة المحامين.

تفاصيل الحادثة:

بتاريخ 17 آذار/مارس 2024، تمّ تداول معلومات عبر مجموعة “واتساب” خاصة بأهالي وناشطي مدينة تل رفعت، مفادها أن وفداً من سياسي “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”، الذي تتحكم به تركيا، سيعبر ريف حلب الشمالي، فقرر الأهالي التظاهر أمام الوفد “لإيصال مطالبهم إلى الجانب التركي”، وفقاً لحسن شداد،[3] أحد المتظاهرين.

فوجئ المتظاهرون بإطلاق النار عليهم أثناء مرور الوفد من قبل المرافقة، على الرغم من سلمية التجمع، ليتبين لهم لاحقاً، بحسب ما أضاف حسن، أن الوفد كان:

“من أرفع المستويات من الاستخبارات التركية و الرئاسة التركية ووفد استخباراتي وسياسي قطري. قد دخلوا لتناول الإفطار مع قيادات الجبهة الشامية في مدينة إعزاز”.

وقد أكد هوية الوفد وأسباب دخوله المنطقة، مصدر عسكري في “الجيش الوطني السوري/المعارض”، قال لموقع “عنب بلدي” إن “الوفد كان يضم شخصيات تركية حضرت لمأدبة إفطار في المنطقة، ثم توجه نحو معبر باب السلامة لدخول الأراضي التركية”، ومصادر عدة أخرى تواصلت معها “سوريون”، قالت أن ضابطاً رفيع المستوى في جهاز الاستخبارات التركي، والجنرال الملّقب باسم “أبو سعيد”، مسؤول الاستخبارات التركية عن ملف سوريا والعراق، كانا ضمن الوفد (بحسب تلك المصادر).

فيما قال نعيم محمد،[4] محامٍ مطلع على تفاصيل الحادثة، أن المرافقة المكلفة بحماية الموكب تألفت من عناصر في الجيش الوطني، والذين قاموا بإطلاق الرصاص الحي فوق رؤوس المتظاهرين”، بهدف حل الوقفة، على الرغم من أن المتظاهرين لم ينخرطوا بأي مظاهر عنف.

تلت عملية إطلاق النار، استنفاراً مباشراً لفصائل من الجيش الوطني، خاصةً فرقتي “الحمزة/الحمزات” و”السلطان سليمان شاه/العمشات”، ومن ثم اعتقالات طالت عدداً من المتظاهرين بعد أن فُضَت المظاهرة.

نوه حسن أن أهالي تل رفعت، نشروا رسالة اعتذار على مجموعات محلية على تطبيقات التواصل الاجتماعي، تسلم الجانب التركي نسخة منها وتجاهلها، مؤكداً أن:

“الاحتجاج كان سلمي والمرافقة هي من أطلقت النار في الهواء لتخويف المتظاهرين الذين تظاهروا: للاعتراض على السياسة التركية ضد سوريا، ومصالحة النظام السوري من قبل تركيا، و التصريحات السياسية المتكررة من قبل أردوغان عن هذا الشي. ورغبتنا بالعودة لبيوتنا في تل رفعت والتي تسيطر عليها قسد حالياً، وعدم التحرك التركي نحو هذا الغرض، وضد الفساد الكبير والانتهاكات في الشمال من قبل قادات الجيش الوطني”.

عمليات التسليم والاعتقال:

لم تحدث الاعتقالات من مكان التجمع مباشرةً، وإنما جرت في اليوم التالي للمظاهرة، بعد تواصلاتٍ مع الأهالي في مخيم “سجو”، لعبت فيها “الجبهة الشامية” دور الممثل عن الجانب التركي، بحسب حسن، الذي قال أن:

“قيادات الجبهة الشامية اتصلت بقيادات (الفرقة 50 – لواء التوحيد) من تل رفعت، وأخبروهم أن الاستخبارات التركية، توجه الاتهامات لعدد من أهالي المنطقة بتهم إرهاب وعليهم تسليمهم ليتم محاسبتهم على ما فعلوه، وإن لم يتم تسليمهم سيكون لذلك عواقب كبيرة جداً”.

أضاف حسن، أن القادة العسكريين في تل رفعت أبلغوا الأهالي بمفاد رسالة “الجبهة الشامية” بضرورة تسليم المطلوبين، وعليه سلم 15 شاباً من مدينة تل رفعت، المقيمين في مخيم “سجو”، أنفسهم للجبهة.

قامت “أمنية الجبهة الشامية” بتسليم الشبان الـ15 لفرع الشرطة العسكرية في ريف إعزاز بعد ثلاثة أيام، والذي بدأ بالتحقيقات وأخذ أقوال المعتقلين، دون وجود محامي، وفقاً لنعيم، الذي أضاف:

“بتاريخ 21 آذار 2024، حضر قاضي النيابة العامة العسكري محمد هلال من محكمة الراعي إلى إعزاز… وقام باستدعاء المعتقلين من فرع الشرطة العسكرية إلى مكتب القاضي الفرد العسكري في إعزاز، واستجوبهم، وأخذ أقوالهم بدون حضور محامي دفاع”.

وبعد جلسة “تحقيق” استمرت خمس ساعات، من الرابعة عصراً وحتى العاشرة مساءً ذات اليوم، قرر القاضي “محمد هلال”، الإفراج عن سبعة من الشبان، وتوقيف الثمانية الآخرين، وأصدر أمراً بإيقاف سبعة أشخاص إضافيين، ظلوا “متوارين عن الأنظار”، وفقاً لنعيم.

أضاف نعيم، أنه في اليوم التالي، تم نقل الشبان الموقوفين من فرع الشرطة العسكرية  في إعزاز إلى السجن العسكري المركزي في الراعي، منوهاً أن:

 “السجن يخضع لإدارة الشرطة العسكرية، بإشراف من المخابرات التركية.”

وبحسب المعلومات الواردة في قاعدة بيانات “سوريون”، ومصدرها قيادي عسكري في “الجبهة الشامية”، يدير السجن قياديون من “الجبهة الشامية”، تحت إشراف الاستخبارات التركية، التي تقدم لإدارة السجن مساعدات شهرية، تُنفَق على رواتب الموظفين والحرس، ومخصصات الطعام. ويقيم في السجن مجموعة من الضباط الأتراك، الذين يتولون عمليات التحقيق الخاصة، المتعلقة بـ”مكافحة الإرهاب” واستهداف تركيا.

وكشف فواز الناصر،[5] أحد الشبان السبعة المفرج عنهم، وهو عنصر من “الفرقة  50- أحرار التوحيد” ومقيم في بلدة سجو، عن الأسباب التي دفعت بالمجموعة لتسليم أنفسهم، وكذلك مجريات عملية التحقيق لدى الشرطة العسكرية؛ حيث بقي فواز معتقلاً لدى مسلكية “الجبهة الشامية” ثلاثة أيام، ولدى الشرطة العسكرية في إعزاز يومين.

و”المسلكية”، هي محكمة عسكرية أنشأتها “الجبهة” عام 2015 وتختص بمعاقبة عناصر الفصيل بالدرجة الأولى، وفقاً لفواز، الذي وصفها بـ:

“المسلخ البشري، كان الله في عون من يدخل إليها… وفيها معتقلين كثر بدون محاكمات، كونها لا تتبع لمؤسسة قضائية وإنما (للجبهة) الشامية.”

سلّم فواز نفسه مع ثلاثة شبان آخرين “حقناً للدماء”، فعلى الرغم من أنه لم يشارك بالمظاهرة، أخبره أحد قادة  “الفرقة 50-أحرار التوحيد” أن اسمه على قائمة بالمطلوبين، كان قد سربها قيادي في “الجبهة الشامية”، مضيفاً:

“ذهبنا إلى مقر الجبهة الشامية في معبر باب السلامة والتقينا بـ”أبي العز سراقب”، قائد الجبهة الشامية، وطلب مننا أن نسلم أنفسنا وإلا ستتم مداهمة بيوتنا من قبل فصائل الجيش الوطني (فرقتي الحمزة وسليمان شاه).”  

قال فواز أنه تم استجوابهم على مدار اليومين التي قضوها محتجزين لدى الشرطة العسكرية، وأن المحقق ركز خلال الاستجواب على سؤالين:

“مين دافشكم، بتعرفوا بوجود شخصيات تركية بالرتل؟”

تمّ الإفراج عن فواز “دون أن يتعرض للتعذيب أو الأذى”، وذلك بسبب  العلاقة الجيدة التي تربطه بالمحقق، وفق تعبيره، مضيفاً أن ثلاثة مدنيين ظلوا محتجزين لدى الشرطة بعدها، على الرغم أنهم لم يشاركوا بالمظاهرة؛ وأن سبب الاعتقال “بالدرجة الأولى، كون بعضهم  يعمل في الفرقة 50 (أحرار التوحيد)”، فيما كان بعضهم متوجداً بالقرب من موقع الحدث.

وكانت “الفرقة 50-أحرار التوحيد” جزءاً من “الجبهة الشامية”، وانشقت عنها مع بداية اقتتالها مع “هيئة تحرير الشام” وبايعت الأخيرة، قبل أن تنضم لاحقاً إلى “تجمع الشهباء” بريف حلب. ويتألف التجمع من فصائل “أحرار الشام-القطاع الشرقي” و”الفرقة 50 – أحرار التوحيد” و”حركة نور الدين زنكي”، التي تربطها علاقة متوترة بالجيش الوطني.[6]

من الجدير بالذكر، أن أصابع الاتهام باعتراض الموكب، قد وجهت بدايةً إلى “تجمع الشهباء”، الذي أصدر بياناً نفا فيه ضلوعه بالمظاهرة، مؤكداً على “حالة الأخوة بين الشعب السوري وتركيا”.

كان أحد أقارب “فواز” من ضمن الشبان الثمانية الذين قُرِر إيقافهم. قال فواز أن قريبه كان مشاركاً بالمظاهرة، ظناً منه أن الرتل القادم يتبع للحكومة المؤقتة، مضيفاً أن:

“اعتراض الموكب كان على خلفية الوضع المعيشي الذي نعيشه نحن كمهجرون منسيون”.  

انتهاكات بحق الموقوفين:

وفيما يشكّل اعتقال الشبان الـ15 ومواصلة احتجاز ثمانية منهم حوالي الأربعة أشهر بغرض المحاكمة، استمراراً للانتهاكات الشائعة للحق في حرية الرأي والتعبير في المنطقة، تعرض الشبان الموقوفون إلى جملة من الانتهاكات الإضافية قبل إطلاق سراحهم. نبعت هذه الانتهاكات عن عدم استقلالية المنظومة القضائية التابعة للحكومة السورية المؤقتة وعدم مراعاتها المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة، وتجلت في التهمة التي وجهت للمعتقلين، والإجراءات اللاحقة التي طبقها عليهم القضاء.

قال المحامي نعيم، أن النيابة العامة العسكرية قامت بالإدعاء على المعتقلين بموجب المادة (278) من قانون العقوبات السوري، وسجلت الدعوى ضدهم لدى قاضي التحقيق العسكري الأول في الراعي، توفيق العلي.

وكأحد القوانين النافذة قبل عام 2011 التي تدعي الحكومة المؤقتة والمؤسسات المتربطة بها تطبيقها، ينص الشق الثاني من المادة 278، من قانون العقوبات السوري، أنه “يعاقب بالاعتقال المؤقت… ب) ـ من أقدم على أعمال أو كتابات أو خطب لم تجزها الحكومة فعرض سورية لخطر أعمال عدائية أو عكر صلاتها بدولة أجنبية …”. إلا أن تطبيق هذه المادة قانوناً، غير ممكن إلا إذا كانت الحالة المزعومة قد وقعت بين دولتين تتمتعان بالسيادة الكاملة، وهذا الأمر لا ينطبق على المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا الفعلية، فالأخيرة تتعامل مع هذه المناطق وكأنها جزء من إقليمها، لا كدولة مستقلة.

وبصرف النظر عما ذكر، فإن الوقفات الاحتجاجية السلمية تعتبر من وسائل التعبير عن الرأي الذي كفلته الدساتير السورية المتعاقبة، ومنها دستور عام 1950 الذي تزعم جهات المعارضة السياسية والعسكرية في تلك المناطق تبنيه، حيث أكدت المادة 14 منه بأن لكل سوري أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير، كما إن هذا الحق محمي بموجب العديد من العهود والمواثيق الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الانسان (المادة 10)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة19)، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز العنصري (المادة 5)، وغيرها من الاتفاقيات الدولية.

ولا يمكن للجهات السياسية والعسكرية المتحكمة بتلك المناطق التذرع بحالة الحرب أو مكافحة الإرهاب أو بأي ذرائع أخرى بهدف تقييد حرية الرأي، فقد أكدت لجنة حقوق الانسان في تعليقها العام رقم 34 بأن الحق في حرية الرأي هو حق لا يسمح بأي استثناء أو تحفظ أو تقييد.

كما أن عدداً من المحامين قدموا طلباً لتنظيم وكالة للمعتقلين وزيارة موكليهم في السجن بداية احتجازهم، فقوبلوا بمماطلة استمرت لمدة خمسة أيام، تمكنوا بعدها من زيارة موكليهم، ولكنهم منعوا من تصوير أو الإطلاع على إضبارة التحقيق، بحسب نعيم، الذي قال أن في ذلك خرق لاستقلالية القضاء، “فرفض القاضي تصوير الإضبارة بحسب مصادري هو توجيهات للقاضي من تركيا.”

تبعت هذه المقيدات على عمل محامي الدفاع، ما وصفه نعيم بـ“عملية احتيال”، تواطأت فيها كل من إدارة سجن الراعي والقاضي المسؤول عن القضية، وفقاً “لأوامر خارجية”. فقد حدد قاضي التحقيق العسكري الأول جلسة استجواب المعتقلين بتاريخ 27 آذار/مارس 2024، ولكن إدارة سجن الراعي تجاهلت الأمر القضائي بإحضار الموقوفين لحضور الجلسة، بالرغم من أنها أحضرت موقوفين من السجن طلبوا لجلسات استماع في قضايا أخرى ذات اليوم.

تلا ذلك، تلاعباً بمواعيد جلسات الاستماع من قبل القاضي، الذي أحضر الموقوفين من سجن الراعي واستجوبهم بتاريخ 31 آذار/مارس 2024، مع أنه تم إبلاغ المحامين أن الجلسة ستعقد بتاريخ 1 نيسان/أبريل 2024.

علم فريق المحامون بتغير موعد الجلسة على “السماع”، وتمكنوا من حضورها. وفي اليوم التالي، تقدم المحامون بطلب إخلاء سبيل لموكليهم؛ ولكن القاضي، لم ينظر بالطلب المقدم، وعليه استمر احتجاز الشبان حتى تاريخ إطلاق سراحهم في  16 حزيران/يونيو 2024.

من الجدير بالذكر، أن حالة الشبان المتظاهرين ليست معزولة عن سياق العدالة العام في المنطقة، وإنما تشكل مثالاً إضافياً على عدم استقلالية القضاء. حيث ترزح المؤسسات القانونية تحت أوامر ما يُعرف باسم “المنسق التركي”، فيما تعاني كذلك من تغول الفصائل المسيطرة على سلطاتها. في تقريرٍ نشر في آذار/مارس 2024، وثقت “سوريون” تنفيذ “حكم” جلد علني بحق شاب سوري، اتهم “بسب الذات الإلهية”، دون عرضه على أي محكمة، من قبل قوة عسكرية تابعة لـ”حركة التحرير والبناء”، المنضوية تحت راية “الجيش الوطني السوري/المعارض” المدعوم من قبل تركيا.

__________________________________________________________________________________________________________________________

[1] أسست “الجبهة الشامية” عام 2014، من اتحاد مجموعة من أكبر الفصائل المسلحة في حلب، وهي “كتائب نور الدين الزنكي، جيش المجاهدين، الجبهة الإسلامية، تجمع فاستقم كما أمرت، جبهة الأصالة والتنمية، صقور الشام”. يقود الجبهة حالياً، “عزام الغريب” (أبو العز سراقب)، والذي يعد من تيار “مهند الخلف” (أبو أحمد نور) قائد الفصيل السابق.

يشكل عناصر “الجبهة الشامية” القسم الأكبر من تعداد “الفيلق الثالث” في “الجيش الوطني السوري”؛ ويسيطر الفصيل على كامل مدينة إعزاز، وكان قد طرد في وقتٍ سابق من مدينة عفرين بعد اقتتال مع “هيئة تحرير الشام”.

[2] أسست الفرقة “50-أحرار التوحيد” بتاريخ 23 كانون الأول/ديسمبر 2022، لتكون من مرتبات الفيلق الثالث التابع لـ”الجيش الوطني السوري”. وتتألف الفرقة من “المركزية الأولى”، “القوة 55″، “لواء الفتح”، “لواء 322 أحرار”، “الفوج الخامس”، “اللواء 343″ و”لواء السلطان عثمان”. ومقاتلو الفرقة جميعهم نازحون داخلياً من مدينة تل رفعت وريفها.

[3] تم استخدام اسم مستعار بناءً على طلب الشاهد، خلال مقابلة عبر الإنترنت بتاريخ 15 نيسان/أبريل 2024.

[4] تم استخدام اسم مستعار بناءً على طلب المصدر، خلال مقابلة عبر الإنترنت بتاريخ 14 نيسان/أبريل 2024.

[5] تم استخدام اسم مستعار بناءً على طلب الشاهد، خلال مقابلة عبر الإنترنت بتاريخ 15 نيسان/أبريل 2024.

[6] يضم التشكيل فصائل موالية لـ”هيئة تحرير الشام” وتخشى من عمليات عسكرية ضدها من قبل الجيش الوطني. ورغم أنها منضوية تحت راية الأخير، لا تحظى فصائل التجمع برضى الاستخبارات التركية، وبالتالي لا تحصل على الدعم من تركيا، وإنما من الهيئة.

المصدر: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة

شارك هذا الموضوع على