الإثنين, مايو 20, 2024

نهب إنتاج الزيتون من قبل سلطة الاحتلال التركي

منبر التيارات السياسية (بيانات)

سلمان بارودو

مجلة الحوار- العدد /82/- السنة 30 – 2023م

بتاريخ 20 كانون الثاني من عام 2018 شنت القوات التركية ومرتزقتها هجوماً عنيفاً على منطقة عفرين، إذ حلقت فى سماء المنطقة حوالي 72 طائرة حربية، لتقصف المواقع والمنشآت الحيوية بالمنطقة.

وسيطرت تركيا مع الفصائل المرتزقة التابعة لها على منطقة عفرين فى 18 آذار عام 2018 بالرغم من المقاومة البطولية التي ابدتها مقاتلي وحدات حماية الشعب / قوات سورية الديمقراطية، لمدة ثمانية وخمسون يوماً لمنع دخول قوات الاحتلال التركي إلى عفرين، وتسببت الحملة العسكرية ضد منطقة عفرين، وبحسب منظمة حقوق الإنسان في عفرين، «تم تهجير أكثر من 300 ألف مواطن من السكان الأصليين، وتوطين أكثر من  400ألف مستوطن من العرب والتركمان وبعض عوائل فلسطينية فيها، ولا يزال التهجير مستمراً بحق السكان الأصليين حتى الآن من خلال التضييق عليهم بشتى السبل والوسائل، لتبدأ تركيا بعدها بتغيير هوية المنطقة من خلال اتباع استراتيجية التغيير الديموغرافي واستقدام عوائل الفصائل التابعة لها من مناطق مختلفة من سوريا وإسكانهم في منازل أهالي عفرين المهّجرين» [1].

بدخول المحتل التركي ومرتزقته إلى عفرين تم نهب وسلب وسرقة كل شيء بدءاً من الدجاج والمواشي وصولاً إلى المصانع والسيارات والآليات وأثاث المنازل. أما عند بدء موسم حصاد الزيتون وانتاج الزيت وصناعة الصابون يقوم المسلحون المرتزقة بنهب وسلب المحاصيل وفرض أتاوات وضرائب على الفلاحين، حيث تعرض المزارعون والصناعيون-ولا يزالون- بشكل مستمر إلى فرض أتاوات وضرائب باهظة على محاصيلهم ومنتجاتهم، عدا عن انتهاكات جسيمة لحريتهم على يد المرتزقة.

فرض واقع الحال على التجار والصناعيين في عفرين السعي إلى ضمان مصالحهم عبر إقامة نوعٍ من الشراكة مع الفصائل، ولا سيما في معامل الصابون والبيرين، ومعاصر زيت الزيتون، فيتولّى الفصيل حماية المنشأة التابعة للشريك الجديد بشكلٍ مباشر أو غير مباشرٍ، مانعاً باقي الفصائل من محاولة ابتزازها أو سلبها، وذلك مقابل حصةٍ شهرية من الأرباح أو مبلغ متفق عليه[2]. وتعد شركة كيفو المثال الأبرز على تلك الشراكات[3]، أما المعامل التي رفض أصحابها دفع الإتاوات، فبقيت مغلقةً أو تعرضت يومياً لابتزاز فصائل المنطقة.

تشجّع تركيا مستثمريها على العمل داخل سوريا، على غرار شركات البناء في مدينة الباب، والاستثمار في قطاع الطاقة الكهربائية، وترغب أنقرة في فتح سوق عفرين أمام أعضاء غرفة التجارة والصناعة التركية، ولا سيما في قطاع البناء نظراً إلى الطلب الكبير على المنازل مع ازدياد المهجّرين إلى عفرين.

«معبر حمام – جنديرس الجديد»

لهذه الغاية، دعمت أنقرة تشكيل غرفة تجارةٍ وصناعةٍ تابعةٍ للمجلس المحلي في عفرين، في 11 شباط ٢٠١٩، برئاسة التركماني عبد الناصر حسو المقرب منها. وقد أعلن المجلس تلقي طلبات الانضمام بشرط أن يكون الاستثمار محصوراً في منطقة عفرين، ويكون للمستثمر حساب في أحد المصارف التركية أو مؤسسة البريد التركية (PTT)، على أن تمنح أذونات الدخول والخروج من معبر جنديرس فور افتتاحه رسمياً[4]، ضمت الغرفة في نهاية حزيران، ٢١٦ عضواً أغلبهم من التجار العرب والتركمان الوافدين إلى عفرين والمقيمين فيها حديثاً، مع العلم أن معظم المسجلين من طبقة التجار الصغيرة، ولا ينتمي أحد منهم إلى طبقة التجار المعروفين أو المستثمرين الكبار[5].

فضلاً عن ذلك، شجعت ولاية هاتاي عقد مؤتمر رجال أعمال عفرين لغرفتَي التجارة والصناعة في كل من عفرين وهاتاي التركية، في ٢٩ نيسان ٢٠١٩، تحت عنوان «معاً للعمل على بناء سوريا المستقبل»، سعياً إلى رفع التبادل التجاري عبر معبر جنديرس إلى ١٠٠ مليون دولار سنوياً خلال المرحلة المقبلة[6].

وعلى غرار المعابر في منطقة ما تسمى بـ «درع الفرات»، تجني تركيا ضرائب معبر جنديرس الجديد في عفرين بالدولار الأميركي على غرار باقي المعابر وتبلغ ضرائب المعابر حوالي مليونين دولار شهرياً، وتدفع رواتب العاملين في تلك المناطق بالليرة التركية، ما يشكل دعماً ولو محدوداً لهذه الأخيرة. كذلك فتحت أنقرة فرعاً لمؤسسة البريد التركية في عفرين لضبط الحوالات المالية، حيث تسلّم المؤسسة الحوالات بالليرة التركية، وإن كانت مرسلة بالقطع الأجنبي، ما يساهم في ضخ العملة الصعبة في الخزينة التركية، ويشمل الدعم التركي المالي أيضاً جوانب مثل قوات الشرطة، والمستشفيات، والتعليم، والإغاثة، لكن من غير الواضح ما إذا كانت أنقرة تنفق على تلك القطاعات من واردات المعابر، أو تتلقى مساندة من قطر.

فضلاً عن ذلك، تشجع أنقرة المستثمرين الأتراك على الاستثمار التجاري عبر فتح سوق جديدة أمامهم، بعد أن كانت عفرين تعتمد أساساً على سوق النظام في حلب، فتركيا كانت حرمت من سوق عفرين لسنوات بسبب سيطرة وحدات حماية الشعب.

الواقع أن تركيا تريد إلغاء اقتصاد عفرين ما قبل العام ٢٠١٨، وبناء شراكات جديدة تحت سيطرتها، يكون التجار الأتراك عمادها، فتصبح عفرين سوق تصريفٍ من دون أي تنمية اقتصادية، تسعى أنقرة إلى الحد من قدراتها الإنتاجية، ولا سيما في قطاع الزيتون.

حيث أن منطقة عفرين معروفة بزراعة أشجار الزيتون، اذ تقدر الإحصائيات عدد أشجار الزيتون في منطقة عفرين بحوالي 18 مليون شجرة مثمرة وصغيرة، يقدر انتاجها بحوالي 270 ألف طن، حسب صحيفة «بابليكو الاسبانية»، أي ما يعادل نحو 55 ألف طن من زيت الزيتون وفقاً لإحصائيات مهندسين زراعيين وخبراء اقتصاديين، كانت وارداتها تمثل 70% من دخل أبناء منطقة عفرين، وذلك حسب احصائية رسمية من «الحكومة السورية». كما كان عدد المعاصر يتجاوز 300 معصرة، عدا حوالي 10 مليون شجرة حراجية، أغلبها من صنف الزيتون البري.

استولت الفصائل المسلحة على أكثر من 90% من محصول الزيتون بقوة السلاح وتقوم هذه الفصائل ببيعه للتجار الأتراك. حيث قامت سلطات الاحتلال التركي مستعيناً بالمرتزقة السوريين بسرقة أكثر من 70 ألف طن من زيت الزيتون العفريني وتهريبه إلى تركيا ثم يتم تصديره إلى دول أوربية وعربية تحت اسم (صنع في تركيا)، «وفقاً لمنظمة حقوق الإنسان ـ عفرين» عام 2018.

تقدر القيمة المالية لكميات الزيت التي تنهبها الشركات التركية ومرتزقة الاحتلال التركي بنحو 150 مليون يورو.

وتؤكد هذه المعطيات اعتراف وزير الزراعة التركي في نوفمبر 2018 باستيلاء تركيا على محصول الزيتون في عفرين وبيعه، وجاء اعتراف الوزير رداً على اتهام رئيس حزب الشعوب الديمقراطي في جلسة برلمانية بنهب محصول زيت الزيتون في عفرين، وقال الوزير التركي خلال جلسات للبرلمان التركي حول موازنة الدولة عام 2019: «إننا في الحكومة نريد أن نضع أيدينا على موارد عفرين بطريقة أو بأخرى، كي لا تقع هذه الموارد في يد حزب العمال الكردستاني» إشارة إلى أصحابه الكورد.

ونقل الصحفي التركي فهيم تاشتكين عن نائب لحزب الشعب الجمهوري التركي المعارض في البرلمان قوله إنّ 50 ألف طن من زيت الزيتون تم تهريبه من عفرين إلى تركيا. وأكد ذلك النائب عن حزب الشعوب الديمقراطي نور الدين ماجين بقوله “إنّ المسلحين لم يكتفوا بتهريب 70 ألف طن من زيت الزيتون من عفرين بل قاموا بتدمير حقول الزيتون أيضا”.

ولا يقتصر الأمر على الاستيلاء على قسم كبير من موسم الزيتون، بل يقوم المسلحون وعوائلهم أو جماعات مرتبطة بهم بقطع آلاف أشجار الزيتون وبيعها حطباً في تركيا وفي إدلب وريف حلب بهدف الكسب المادي، وتفرض الاتاوات على الفلاحين تتراوح نسبة اقتطاعها من 10 إلى 20% من محصولهم من الزيت مقابل السماح لهم بقطف محصولهم، وبلغ اجمالي عدد الأشجار التي تم قطعها قرابة (400000) أربعمائة الف شجرة، ماعدا آلاف اشجار الغابات الحراجية وأيضا تم قطع الاشجار المثمرة من (اللوز، الرمان، الفستق ….)، كما تم قلع أكثر من 20 ألف شجرة بحجة فتح الطرقات او الانتقام من أصحابها والاتجار بأخشابها، وخاصة في ناحيتي شيه (شيخ الحديد) وجنديرس. وتم حرق أكثر من 17 سبعة عشر ألف شجرة بينها اشجار معمرة لصناعة الفحم وتصديرها إلى تركيا لبيعها في الأسواق التركية. هذا وقد كانت اعداد اشجار الرمان في عفرين قبل الاحتلال تقدر «1» بمليون شجرة» (تقرير هيئة الاقتصاد والزراعة لشمال وشرق سوريا عام 2020)[7].

إضافة لذلك استولت الفصائل المسلحة الموالية لتركيا على معامل ومصانع ومعاصر الزيتون والصابون والبيرين في عفرين، فمن أصل 300 معصرة و 17 معمل بيرين يعمل مؤخرا فقط 160 معصرة وتعرض 140 منها للنهب والسرقة و10 معامل تعمل حالياً بعد تعرض 7 معامل للسلب والنهب وفك قطعها وتهريبها إلى تركيا وبيعها، فيما تدير جماعات مرتبطة بالفصائل اكثر من 53 معصرة لحسابهم الخاص.

لقد تجاوزت سياسات الاحتلال التركي مجال الاقتصاد والزراعة واستغلال حقول الزيتون إلى عمليات تغير واستغلال شاملة لكل مناحي الحياة التعليمية الثقافية والدينية في منطقة جبل الكورد. فقد كشف تقرير صادر عن حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا، عن قيام وقف الديانة التركية وممثلا عن رئاسة الجمهورية التركية ورئيس جامعة الزهراء، بزيارة المنطقة وذلك من أجل فتح مشاريع تعليمية دينية، وكذلك فتح دورات والقيام بأنشطة عبر جمعيات ومدارس خاصة، منها جمعية «شباب الهدى» التي «تروج لأفكار العثمانية الجديدة، تحت مسمى حملة التنوير والإرشاد لتصحيح معتقدات الأهالي وأفكارهم».

يضاف إلى ذلك قيام المسلحين التابعين لأنقرة ببناء جوامع في القرى الأيزيدية وإلزام مَن تبقى من الأيزيديين بارتيادها واعتناق الإسلام، حسبما أكد سليمان جعفر الذي قال إن المسلحين حولوا أحد منازل قريته الأيزيدية باصوفان إلى مسجد.

لقد أفرزت العمليات العسكرية التركية في مناطق مختلفة شمالي سوريا تغييراً في معادلات الصراع في سوريا، فالمسلحون الذين تحولوا لرأس حربة الغزوات التركية وتركوا المدن والمناطق التي ينحدرون منها خلفهم نتيجة التفاهمات والصفقات بين تركيا وروسيا، ليأتوا إلى المناطق الكردية شمالي سوريا، باتوا اليوم أداة للمشاريع التركية توجههم أينما شاءت من المناطق الكردية شمالي سوريا وحتى ليبيا.

شجعت الدولة التركية في حزيران 2020 على استخدام الليرة التركية من خلال فتح فروع للبريد التركي PTT في عفرين ومناطق محتلة أخرى في سوريا. وقد حظرت استخدام العملة السورية منذ 19 آذار. وفي هذا السياق أفاد الخبير الاقتصادي جلنك عمر، أن «استخدام العملة في هذه المنطقة يغير سيادة الدولة السورية، فالدولة التركية تقوم بربط هذه المناطق إدارياً واقتصادياً بها من جميع الجهات، والنظام السوري يلتزم الصمت أيضاً» [8].

كما أضاف الخبير الاقتصادي جلنك عمر: «عفرين تتعرض حاليا للنهب اقتصادياً، وميزانية الدولة التركية في هذه المناطق بلغت 1.8 مليار دولار، والنظام الاقتصادي لهذه المناطق مرتبط كلياً مع دولة الاحتلال التركي».

فيما يلي الخسائر الاقتصادية التي تسببت بها الاحتلال التركي ومرتزقته:

تم النهب من موسم الزيتون لعام 2018 كمية تقدر بحوالي 13 ألف طن.

تم سرقة 60% من الورش الصناعية والتي تقدر عددها بأكثر من 800 ورشة.

تم سرقة 3 معامل ألبسة بالكامل، بالإضافة إلى معمل التنك.

في عفرين وحدها يوجد 17 معمل البرين، تم سرقة 7 معامل بيرين بالإضافة 10 معامل بيرين باتت تحت سيطرة الفصائل المسلحة.

تم تدمير وسرقة 10 معامل للصابون في عفرين من قبل المرتزقة والاحتلال التركي.

تم تدمير 4 مطاحن وسرقة محتوياتها.

تم سرقة مخزون القمح بكمية تقدر بحوالي 40 ألف طن.

تم تدمير 4 أفران وسرقة محتويات 10 أفران أخرى.

نهب محلات صرافة، وعددها حوالي 137 محل.

=========

المصادر والمراجع:

[1] منظمة حقوق الإنسان عفرين – سوريا
[2] مقابلة مع مالك أحد المعامل الذي قال إن معظم أصحاب المعامل والمنشآت يدفعون إتاوات لضمان أمنهم، ٤ أيار ٢٠١٩.
[3] شركة كيفو لصناعة الفحم والصابون هي أكبر شركة لإنتاج الصابون في عفرين. صاحبها هو الصناعي جنكيز كيفو.
[4] المجلس المحلي في عفرين٢٠ شباط ٢٠١٩.
[5] مقابلة مع أحد أعضاء غرفة تجارة وصناعة عفرين، في مدينة ريحانلي التركية، في ٨ آيار ٢٠١٩.
[6] وكالة الفرات للأنباء، ٣٠ نيسان ٢٠١٩.
[7] هيئة الاقتصاد والزراعة لشمال وشرق سوريا التقرير السنوي لعام 2020
[8] الخبير الاقتصادي جلنك عمر.

شارك هذا الموضوع على