ضياء اسكندر
مع حلول الثامن من كانون الأول 2025، تُكمل هيئة تحرير الشام، المصنّفة “إرهابية”، عامها الأول في حكم دمشق، بعد سقوط سلطة النظام البعثي إثر صفقة إقليمية–دولية داكنة الملامح.
ولسويعات قليلة، تنفّس السوريون الصعداء، ظنّاً منهم أن كابوس نصف قرن من الاستبداد قد انقشع أخيراً. غير أنّ تلك النفحة القصيرة من الأمل سرعان ما انطفأت، إذ سارعت السلطة الجديدة إلى صفْعهم بقرارات وممارسات أعادت البسمة المرتجاة إلى مقصلة الخيبة.
وإذا كان العُرف السياسي يجيز تقييم أي سلطة بعد 100 يوم من تسلّمها زمام الأمور، فنحن أمام عامٍ كامل من “الحكم الشرعي” المزعوم. عامٌ يكفي لطرح سؤال واحد:
ما الذي أنجزته هذه السلطة على مختلف الصعد؟ وهل في حصادها ما يدفع السوريين إلى النزول للشوارع بالزغاريد والهتاف احتفاءً بـ “الخلاص”؟
ولكي تتّضح الصورة بلا أي التباس، لا بدّ من إلقاء نظرة فاحصة على محطات العام الأول وما حمله من ممارسات وقرارات:
أولاً: في الميدان العسكري والأمني
بدأت السلطة عامها الأول بخطوة خطيرة تمثّلت في حلّ الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية بالكامل، وهو ما ترك البلاد في فراغٍ مرعب سرعان ما سارعت “إسرائيل” لاستثماره، بغارات واسعة دمّرت ما تبقّى من القدرات العسكرية؛ الجوية والبرية والبحرية.
وبالتوازي مع هذا الانهيار، شرعت الحكومة بتأسيس قوات أمن وجيش أحادي الطائفة، في تجاهلٍ فجّ لتنوّع المجتمع السوري، ورفّعت ضباطاً معروفين بسجلّهم الإجرامي، وفتحت أبواب التجنيد لجنسيات عربية وأجنبية، لتتحوّل البلاد إلى خليط مسلّح لا رابط يجمعه سوى الولاء للسلطة.
ثانياً: في الإدارة المدنية
وعلى الصعيد الإداري، لم يكن الوضع أفضل حالاً. فقد أرغمت السلطة عشرات الآلاف من الموظفين على إجازات قسرية، وطردت آلافاً آخرين من دون أي مسوّغ قانوني. كما ضيّقت على العمال بنقلهم تعسفياً إلى محافظات بعيدة لإجبارهم على تقديم استقالاتهم، ثم أوقفت رواتب العسكريين المتقاعدين بعد عام 2011، في خطوة تعكس استخفافاً بمعيشة الناس وحقوقهم.
ولم يتوقف الأمر هنا، بل أُبدلت القيادات الإدارية بشيوخ ذوي صلاحيات مطلقة، وحُلّت النقابات جميعها، ليُعاد تشكيلها بالتعيين وفق الانتماء الطائفي لا الكفاءة.
ثالثاً: في الحياة السياسية
لم يختلف المشهد السياسي كثيراً عن باقي الساحات. فقد أوقفت السلطة العمل بالدستور، وحلّت أحزاب الجبهة، وصادرت مقراتها وأملاكها. ولذرّ الرماد في العيون، نظّمت ما سمّي بـ “حوار وطني”، استمر ست ساعات فقط، ودعت إليه ألف مشارك لم ينل الواحد منهم سوى أقل من دقيقة للنطق بكلمة لا وزن لها.. ومن ثم جاءت حكومة انتقالية من لون واحد، بوزيرة يتيمة، تُستحضر للتزيين السياسي لا للتمثيل الحقيقي، في تكريس صارخ لتهميش المرأة.
وفي أعقاب مجازر الساحل التي ارتُكبت بين 7 و9 آذار، جاء يوم 10 آذار ليحمل اتفاقاً بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية، بدا وكأنه محاولة مستعجلة لتغطية ما جرى وصرف أنظار السوريين نحو ملفٍ جديد يشغل الرأي العام. وكان مجرّد تنفيذ بنوده الثمانية كفيلاً بتخفيف التوتر واحتواء كثير من الأزمات المتراكمة.
لكن الحكومة الانتقالية لم تنتظر طويلاً؛ فبعد ثلاثة أيام فقط سارعت إلى إصدار إعلان دستوري بملامح أشدّ قسوة واستبداداً من أكثر الأنظمة بطشاً، مُطيحةً بالاتفاق من أساسه. ومنذ تلك اللحظة، مضت في سلسلةٍ لا تنتهي من المماطلة والتنصّل، دون تنفيذ أيٍّ من الالتزامات التي وقّعت عليها.
ومع موت السياسة المدنية، تقدّمت الخطابات الدينية لتحتلّ المساحة التي أُفرغت عمداً، فتصدّر المشهد شيوخٌ من الطوائف كافة، بينما غابت الزعامات السياسية التي كان يُفترض أن تقود المرحلة.
رابعاً: في السلم الأهلي
أما على مستوى السلم الأهلي، فقد كانت الضربات أعمق وأقسى. ارتُكبت مجازر مروّعة يندى لها جبين الإنسانية في الساحل والسويداء، وتواصل التهديد للكرد شمالاً وشرقاً.
وبدلاً من العمل على رأب الصدع، باركت السلطة “الفزعات” العشائرية وشجّعتها على الثأر والقتل، فتعاظمت الشروخ الطائفية وارتفع منسوب الكراهية إلى مستوى لم يعرفه السوريون حتى في أكثر سنوات الحرب ظلاماً.
وانتشرت عمليات الخطف والقتل والابتزاز على خلفيات طائفية، فيما هاجمت مجموعات تابعة للسلطة أحياء العلويين في دمشق ومناطق أخرى، مهددةً سكانها بإخلاء بيوتهم دون أي سند قانوني.
وإمعاناً في العبث بالنسيج الاجتماعي، دفعت السلطة باتجاه أسلمة المجتمع بالإكراه؛ فتدخّلت في اللباس والاختلاط، وداهمت محال بيع المشروبات، وأغرقت الشوارع والمنابر باللافتات الدعوية، وصولاً إلى كتابة عبارات طائفية على جدران الكنائس والمعابد والمزارات في خرق واضح لحرية المعتقد.
وبموازاة ذلك، أُبرمت “تسويات” مشبوهة مع رموز النظام السابق، مقابل إتاوات لم تدخل خزينة الدولة، بل انحدرت مباشرة إلى جيوب المتنفّذين.
أمّا لجان التحقيق في المجازر، فكانت مجرد عروض مسرحية رديئة، لا تُنتج عدالة ولا تُطفئ جرحاً، بل تثير الغثيان وتغرس مزيداً من الإهانة في نفوس ذوي الضحايا.
خامساً: الخدمات والعلاقات الخارجية
لم يكن واقع السوريين المعيشي أفضل حالاً.
فقد قفزت الأسعار إلى مستويات مرعبة، توازياً مع رفع أسعار الكهرباء والاتصالات إلى حدود تفوق قدرة معظم الأسر. وعُدّلت المناهج التعليمية والعطل والأعياد بما يتوافق مع عقيدة هيئة تحرير الشام.
فيما انهار القضاء إلى درك لم تشهده البلاد حتى في أحلك عصورها.
أما خارجياً، فقد قدّمت السلطة خطاباً متزلفاً لكل القوى الدولية، مع استعداد لأي تنازل مقابل البقاء. والتزمت الصمت أمام الغارات الإسرائيلية، معلنة استعدادها لأي تسوية تضمن لها استمرار السيطرة.
سادساً: الاقتصاد
اقتصادياً، تواصل الانهيار العميق، ليس بسبب سوء الإدارة فحسب، بل نتيجة انعدام الأمن وتهالك البنية التحتية بعد خمسة عشر عاماً من النزاع.
وتعطّلت خلال ذلك العديد من المعامل والمنشآت، فيما تدفّقت البضائع والسلع التركية إلى الأسواق السورية على حساب المنتج الوطني الذي فقد القدرة على المنافسة.
وزاد المشهد قتامةً تردّي الواقع الزراعي في ظل غياب الدعم الحكومي وانعدام رعاية وحماية المحاصيل الاستراتيجية.
وأُبرمت عقود بمليارات الدولارات مع شركات وهمية لم يظهر لها أثر، وسط تبجّح متواصل بتحسّن “الواقع المعيشي” في زمن قياسي.
ومن المؤكّد أن تلك الإجراءات والممارسات لم تكن طارئة ولا وليدة الصدفة، بل خطواتٌ مدروسة بعناية، نُفِّذت في إطار أجندة مُحكمة، متّفق عليها مع قوى الطغيان الإقليمية والدولية، بما يضمن استمرار السلطة وخدمة مصالح داعميها، لا مصالح السوريين. وهي سياسات تؤدّي بطبيعتها إلى تعميق إضعاف الدولة السورية وإنهاكها بشكل ممنهج.
وعلى الرغم من امتداد هذا السجل الكارثي، فإن ما ذُكر هنا ليس إلا جزءاً يسيراً من واقع أشدّ قتامة يلتهم ما تبقّى من البلاد.
فأي عقل يمكن أن يُسمّي هذا الخراب “تحريراً”؟ وأي وقاحة تتوقع من السوريين أن يصفّقوا فوق ما أصابهم من أهوالٍ وويلات ويهتفوا لمن يمعن في إذلالهم وتمزيق نسيجهم؟
إن المشهد كله ليس مناسبة للاحتفال، بل صفّارة إنذار أخيرة:
فإمّا أن ينهض السوريون قبل أن تُقفل النافذة الأخيرة للنجاة، أو تُسلَّم البلاد بالكامل إلى الفوضى والتعسف والطغيان الجديد، ليُكتَب في تاريخها أنها سقطت مرّتين: أولى بالاستبداد، وثانية بمن ادّعى الخلاص وهو لا يحمل لها سوى المزيد من الدمار والخراب.
ANHA
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=80924






