آرام تيكران.. أرمني الأصل كردي الانتماء في ذكرى رحيله السادسة عشرة

دجوار أحمد آغا
الفن رسالة يُقدّم من خلالها أبناء وبنات مجتمع أو شعب ما، هموم وآلام وآمال المجتمع بحيث ينشر من خلال رسالته سواء بالموسيقا، أو الغناء، أو الرسم، أو غيرها من بقية الفنون، الوعي بين الجماهير حول العديد من القضايا العامة التي تهمه مثل الوطن، والحرية، والنضال من أجلهما بمختلف الوسائل الممكنة. والفن واحد من تلك الوسائل، التي من خلالها يستطيع المرء الوصول الى أكبر عدد من الجماهير.
الغناء بطبيعته فن أصيل، وخاصة إذا كان الغناء من نوع الطرب الأصيل. هذا النوع من الغناء يحتاج الى موهبة ربانية والى قدرات خاصة تفوق القدرات العادية، التي يتميز بها عادة المطربون سواء بالأداء أو اللحن الموسيقي وغيرها.
سوف نتحدث في هذه المقالة عن أحد عمالقة الطرب الأصيل وصاحب مدرسة خاصة بالغناء ذات طابع مميز وعزف على آلة موسيقية خاصة “الجمبش”.
نتحدث عن الراحل الكبير آرام تيكران 1934 ـ 2009 في ذكرى رحيله السادسة عشرة.
هجرة العائلة من باكور إلى روج آفا
مثل المئات من العوائل الكردية والأرمنية والسريانية والعربية التي اضطرت تحت وطأة “السفر برلك” التي أعلنتها السلطات العثمانية أبان الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) اضطّر والد آرام “مليكايان” الذي نجا من الإبادة التي قامت بها السلطنة العثمانية بحق الشعب الأرمني لا لشيء سوى لأنهم أرمن إلى الهجرة وترك موطنه.
جرت في قريتهم “آميد” بمنطقة صاصون إبادة؛ ما دفع بوالد آرام إلى الهجرة من باكور كردستان التي أصبحت “سر خت”، إلى روج آفا التي صارت “بن خت” وذلك نسبة إلى سكة قطار الشرق السريع الألماني القادم من برلين ـ بغداد ـ الحجاز. هذا الخط الحديدي أصبح الحدود الفاصلة بين باكور وروج آفا بموجب الاتفاقية التي وقعتها سلطات الانتداب الفرنسي مع الحكومة التركية التي جاءت إلى الحكم بعد انتهاء السلطنة العثمانية.
النشأة والبدايات في قامشلو
لجأ والد ووالدة آرام الى مدينة قامشلو الحدودية المجاورة لمدينة نصيبين في باكور كردستان، هذه المدينة الحديثة التكوين 1926، شهدت ولادة آرام في العام 1934. كانت عائلة آرام تعشق الفن، حيث كان والده يعزف على الناي ويلحن الألحان العذبة ويشجع أولاده على تعلم العزف على الآلات الموسيقية. كان والد آرام يُحبذ أن يتعلم العزف على العود لكن آرام توجه صوب الجمبش التي أصبحت عشقه ورافقته طيلة مسيرته الفنية حتى نهاية حياته.
بسبب الظروف المادية الصعبة لم يتمكن آرام من إتمام دراسته اذ ترك المدرسة بعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية، حيث تعلم العزف بشكل جيد على آلة الجمبش، وقام بتعليم أخوته على العزف والإيقاع، ثم بدأ بإحياء العديد من الحفلات الفنية في أحد أشهر مقاهي مدينة قامشلو “مقهى كربيس” فغنّى بالكردية والأرمنية والعربية.
مسيرة الحياة والفن الأصيل
لم تكن مسيرة الحياة والفن لآرام تيكران سهلة على الإطلاق، فقد لاقى مصاعب كثيرة في مسيرة حياته الشخصية والفنية. بعد أن أحيا حفلات في مقهى كربيس بقامشلو، بدأ بإحياء حفلات الزفاف والأعراس في المدينة وعموم المنطقة وقام بتأسيس أول فرقة موسيقية أرمنية كردية مشتركة. وفي العام 1957 تزوج فتاة أرمنية ورزق بثلاثة أولاد. اضطر مرة أخرى تحت وطأة الأوضاع المعيشية القاسية إلى الهجرة هذه المرة باتجاه الوطن الأم أرمينيا التي كان قد استقل قسم منها، وأصبحت جمهورية أرمينيا السوفيتية، وعاصمتها يريفان في العام 1966 وعمل هناك في راديو العاصمة قرابة 18 عاماً.
منتصف الثمانينات تعرّف تيكران على حركة حرية كردستان، حيث تلقى دعوة من أصدقاء الحركة في أوروبا لزيارتها وإقامة حفلات موسيقية وغنائية هناك، وبالفعل في العام 1985 ترك يريفان واتجه الى أوروبا، حيث تنقل بين الدول الأوروبية وأقام الكثير من الحفلات الغنائية، وفي نهاية المطاف استقر به المقام في العاصمة اليونانية “أثينا” عام 1995. كما شارك في الكثير من الاحتفالات والمهرجانات الكردية خاصة عيد النوروز، فشارك في إحياء حفلة عيد النيروز في مدينة إيله “باطمان” الكردستانية في باكور كردستان عام 2008. من أشهر الرقصات أو الدبكات الكردية التي أحياها تيكران رقصتي (هورزي، وهالاي) من خلال أغانيه الجميلة التي غنى من خلالها للوطن والثورة والحبيبة.
نتاج غزير وأغانٍ خالدة
تميّز الفنان الكبير آرام بآلته التي عزف عليها “الجمبش” حيث تفرّد بنمط خاص به حيث أصبح مدرسة قائمة بذاتها. نتاج تيكران كان غزيراً حيث تجاوزت أغانيه 300 أغنية خلال مسيرته الفنية التي استمرت لما يُقارب 55 عاماً. غنى لشعراء كبار خاصة الكرد أمثال (فقي تيران، جكر خوين، سيداي تيريج، سيداي كلش، وغيرهم). لعل أشهر الأغاني التي خلدت آرام وخلدها آرام بصوته هي قصيدة الشاعر الكبير جكر خوين (شف جو) التي غناها تيكران في العام 1965 وأصبحت من أشهر الأغاني الكردية.
كذلك هناك أغانٍ أخرى اشتهرت كثيراً مثل أغنية (آي ديلبري، بلبلو، زماني كردي، كلو أو كي يه، وغيرها). هذه الأغاني والألحان العظيمة التي لحنها، جعلت تيكران أحد أعمدة الغناء الكردي الأصيل، ولا يقل مكانة عن محمد عارف جزراوي، كاويس آغا، حسن زيرك، كره بيت خاجو، محمد شيخو، عيسى برواري، مريم خان، وعيشة شان.
المرض والرحيل
خلال مشاركته في مهرجان آمد “ديار بكر” الثقافي عام 2009، مرض هناك، وأجريت له عمليه جراحية ثم ذهب إلى العاصمة اليونانية “أثينا” التي دخل مستشفياتها؛ فأصيب بنوبة جلطة دماغية مما أدى إلى توقف قلبه الكبير عن الخفقان ووفاته يوم الثامن من آب عام 2009. كانت وصية الراحل الكبير أن يتم دفنه في آمد التي عشقها وغنى لها أجمل أغانيه، لكن السلطات الفاشية التركية رفضت ذلك، كما رفضت السلطات القمعية السورية السماح لذويه بدفن جثمانه في قامشلو مسقط رأسه، ومكان ولادته؛ ما دفع العائلة إلى دفنه في مقبرة “جيت” بالعاصمة البلجيكية “بروكسل”.
حضر مراسم التأبين إلى جانب عائلته، كبار الشخصيات الوطنية الكردية بالإضافة إلى ممثل الكنيسة الأرثوذكسية الأرمنية والكثير من محبيه ومتابعي فنه الأصيل. ألقى ابنه “هاكوب” كلمة ثم أضاف حفنة من تراب “آمد” إلى قبر الراحل الكبير وغنى الحشد المشارك في المراسيم أشهر أغانيه مثل (آي ديلبري الكردية) و(صونا يار الأرمنية) فيما كانت قناة MED TV الكردية تبث مراسم الدفن على الهواء مباشرة.
خسر الشعب الكردي والأرمني عملاقاً وأسطورة من أساطير الغناء والطرب الأصيل. لكنّه؛ ترك لنا ميراثاً كبيراً تجاوز المئات من الأغاني المتنوعة بين القومية والوطنية وعشق الطبيعة والحياة.

صحيفة روناهي

Scroll to Top