د. محمد السعيد إدريس
يعيش الأكراد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى التي فرضت مشروع التقسيم للإمبراطورية العثمانية، وبالتحديد منذ «اتفاق سيفر» لعام 1920 مأساتهم التاريخية، حيث جرى تمزيق وحدتهم القومية، وتوزيعهم إلى مناطق داخل أربع دول هي: تركيا والعراق وإيران وسوريا، وما حدث منذ ذلك كان «فرصاً ضائعة» تضمنت معالم أمل ظهور كيان كردى مستقل في إحدى هذه الدول، لكن سرعان ما كان يتحول الأمل إلى «سراب»، وعلى مدى كل تلك السنوات التي مضت كانوا يجنون دائماً في أعقاب كل «انتفاضة استقلال» ما يشبه «سراب الأمل»، باعتباره الثمرة الوحيدة التي في مقدورهم جنيها.
في العامين الماضيين لم يستطع الأكراد غير جني هذه الثمار مرة في تركيا والأخيرة في سوريا، فبعد صراع طويل ومرير لحزب العمال الكردستاني التركي بزعامة عبدالله أوجلان، قرر الزعيم الكردي التاريخي من محبسه في تركيا إنهاء الثورة، وقبول التفاوض مع السلطات التركية على مشروع وطني ديمقراطي للدولة التركية.
قبول أوجلان التفاوض باسم حزب العمال الكردستاني التركي حول مشروع ديمقراطي، يعطى للأكراد حقوقهم المسلوبة داخل تجربة ديمقراطية تركية مأمولة، كانت له امتداداته على المشروع الوطني الكردي في سوريا، إذ اضطرت وحدات حماية الشعب «قسد» أن تخضع للضغوط الأمريكية، وأن تقبل بالتفاهم مع السلطات السورية الجديدة برئاسة الرئيس أحمد الشرع، حول اندماج تلك الوحدات في الجيش السوري الجديد، وأن تخلي قواعدها في مناطق شمال شرق الفرات، في ظل الانحياز الأمريكي لمشروع «سوريا الجديدة».
لم يبق غير أكراد إيران، وكان السؤال: ما هي خياراتهم المستقبلية؟ هل سيواصلون تجديد حلم الاستقلال عن الجمهورية الإسلامية أم سيقبلون الاندماج القسري في هذه الجمهورية؟
إجابة السؤالين وجدت ضالتها بتفجير الأزمة الأمريكية الإيرانية في يناير/ كانون أول الماضي، التي شهدت دعماً أمريكياً غير مسبوق لحركة احتجاجية شعبية واسعة كان إقليم كردستان إيران أقوى ميادينها، ضمن وعود أمريكية بدعم الاحتجاجات، لتتحول إلى «ثورة شعبية» هدفها إسقاط النظام في طهران. هذه الوعود الأمريكية جددت الآمال عند أكراد إيران بأن التاريخ، ربما يبتسم لهم هذه المرة، وأن حلم الاستقلال الوطني أضحى قاب قوسين أو أدنى، خاصة بعد الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي الواسع على طهران، واغتيال الزعيم الروحي للجمهورية الإسلامية على خامنئي مع 40 من أبرز وأهم القيادات العسكرية في اليوم الأول للحرب على إيران فجر يوم السبت 28 فبراير(شباط) 2026 الفائت.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعطى أهمية وأولوية لتشجيع أكراد إيران لتفجير ثورتهم الاستقلالية ضد النظام، على أمل أن تكون إشارة نجاح لإسقاط النظام الإيراني، ففي الخامس من مارس/ آذار الجاري، أي بعد ستة أيام من إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل أولى ضرباتهما، قال ترامب، بشأن تحرك عسكري كردي: «من الواقع أنهم يريدون فعل ذلك، وأنا أؤيد ذلك تماماً»، وتزامنت مع هذا التشجيع تلك الأدوار المهمة التي قام بها توماس برّاك السفير الأمريكي في تركيا ومبعوث ترامب إلى سوريا لتوحيد الفصائل الكردية الإيرانية المتناحرة الموجودة في عمق إقليم كردستان العراق بالقرب من الحدود الإيرانية، وتشكيل قوة كردية إيرانية مقاتلة وموحدة تحت اسم «ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران» للدفع بها إلى العمق الإيراني في إقليم كردستان إيران، لخوض حرب الاستقلال في مواجهة نظام طهران.
نجاح الجهود الأمريكية والإسرائيلية في لملمة أشلاء الفصائل المعارضة الكردية الإيرانية في شمال العراق، خلق فرصة قوية أمام الولايات المتحدة لتسليح وتمويل وتدريب القوات التابعة للأحزاب المنضوية تحت اسم هذا الائتلاف، للدفع بها إلى الداخل الإيرانى، وكان تعليق زالماى خليل زاد، أبرز سفراء ومخططي السياسة الأمريكية في العراق وأفغانستان ليس فقط مؤيداً وداعماً لهذا التوجه، حيث قال: «إذا كانت أمريكا لا ترغب في إرسال قوات برية كبيرة إلى إيران، فإن الاعتماد على القوات المحلية مثل الكرد، من خلال دعمهم جوياً، سيكون خياراً قوياً، وأن ذلك سيكون فرصة تاريخية بالنسبة إلى الإيرانيين والكرد للوصول إلى التغيير الذي ينشدونه، ولأن هذه الفرصة لن تتكرر في المستقبل القريب، ويتعين عليهم التعامل مع هذه اللحظة، بخطط مدروسة، وحذر بالغ، لأن هناك مخاطر جمة».
الآن، وفي ظل ما يمكن اعتباره تعثراً، وربما فشلاً وتراجعاً أمريكياً عن هدف إسقاط النظام في إيران بعد مرور ثلاثة أسابيع من الحرب المريرة، وبروز مؤشرات لتفاهمات تفاوضية بين واشنطن وطهران، عاد السؤال ليجدد نفسه: هل مازال التاريخ متآمراً على الحلم الكردي؟ وماذا عن المستقبل بعد انتهاء الحرب، كيف سيتعامل الإيرانيون، وليس فقط النظام مع هذا الحلم، الذي تعثر قبل ولادته، وهل يمكن أن يتكرر التآمر الأمريكي على «جمهورية مهاباد» الكردية في إيران عام 1946: عندما تخلت الولايات المتحدة عن دعم هذه الجمهورية وانحازت إلى الشاه محمد رضا بهلوي؟
أسئلة كثيرة ستفرض نفسها وستظل تلاحق فرصة كردية أخرى ضائعة مازال الحلم فيها سراباً.
المصدر: الخليج الإماراتية
مقالات قد تهمك
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=84996






