ألمانيا تقود تحولا أوروبيا لدعم الاستقرار في سوريا

 

تدفع ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي نحو إحداث تحول نوعي في المقاربة الأوروبية تجاه سوريا، قائم على قناعة متنامية بأن الاستقرار السياسي لا يمكن تحقيقه دون معالجة الجذور الاقتصادية للأزمة.

ويعكس هذا التحرك، الذي يتجسد في ورقة موقف موجهة إلى المفوضية الأوروبية ودائرة الشؤون الخارجية، انتقالًا تدريجيًا من سياسة العزلة والضغط إلى نهج أكثر براغماتية يقوم على الانخراط الاقتصادي كأداة لإعادة بناء الدولة ودعم الاستقرار.

وفي هذا السياق، تبرز برلين كقوة دافعة لإعادة صياغة دور الاتحاد الأوروبي في سوريا، ليس فقط من خلال طرح مبادرات تقنية مثل استئناف التعاون مع البنك الأوروبي للاستثمار أو تقديم تسهيلات تجارية لقطاعات محددة، بل عبر إعادة تعريف العلاقة مع دمشق ضمن رؤية طويلة المدى قد تفضي إلى اتفاق شراكة شامل.

وتعكس هذه الخطوات إدراكًا ألمانيًا بأن ترك الاقتصاد السوري في حالة انهيار مستمر لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد عدم الاستقرار، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أوروبا.

ويقوم الرهان الألماني على فكرة محورية مفادها أن الاقتصاد يمكن أن يشكل مدخلًا واقعيًا لدعم الانتقال السياسي. فبعد سنوات من الحرب، لم تعد الأزمة السورية مجرد نزاع سياسي أو أمني، بل تحولت إلى أزمة بنيوية عميقة تمس كل مفاصل الحياة.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى تراجع حاد في مستويات الدخل، مع انزلاق شرائح واسعة من السكان إلى ما دون خط الفقر، بل إلى الفقر المدقع.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح الحديث عن استقرار سياسي أو عملية انتقال ذات مصداقية أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا.

ومن هنا، ترى ألمانيا أن دعم إعادة الإعمار، التي تقدر تكلفتها بما لا يقل عن 216 مليار دولار، ليس مجرد مسألة إنسانية أو اقتصادية، بل ضرورة استراتيجية. فإعادة بناء البنية التحتية وتحفيز القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والمنسوجات، يمكن أن تسهم في خلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة، ما يخفف من الضغوط الاجتماعية ويعزز مناخ الاستقرار.

وهذا بدوره قد يفتح المجال أمام عملية سياسية أكثر تماسكًا، قائمة على توازنات داخلية أقل هشاشة.

غير أن هذا التحول في المقاربة الأوروبية لا يخلو من حسابات معقدة. فبرلين تدرك أن الانخراط الاقتصادي مع سوريا قد يُفسر من قبل بعض الأطراف على أنه شكل من أشكال التطبيع السياسي غير المشروط، وهو ما تحاول تفاديه عبر التأكيد على أن الهدف هو دعم التعافي والاستقرار، وليس منح شرعية سياسية مجانية.

وفي هذا الإطار، تسعى ألمانيا إلى بناء توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على أدوات الضغط السياسي، بما يضمن بقاء مسار الانتقال السياسي جزءًا من المعادلة.

كما أن هذا التوجه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهواجس الأوروبية المتعلقة بالهجرة. فوجود ملايين السوريين في دول الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها ألمانيا، يجعل من تحسين الأوضاع داخل سوريا أولوية ليس فقط لأسباب إنسانية، بل أيضًا لأسباب داخلية تتعلق بالاستقرار الاجتماعي والسياسي في أوروبا.

ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى دعم الاقتصاد السوري كوسيلة لخلق ظروف أكثر ملاءمة للعودة الطوعية للاجئين، أو على الأقل للحد من موجات الهجرة المستقبلية.

وفي المقابل، يواجه هذا النهج تحديات موضوعية تتعلق بواقع الاقتصاد السوري نفسه، الذي يعاني من تدمير واسع للبنية التحتية، وضعف في المؤسسات، وبيئة استثمارية محفوفة بالمخاطر.

كما أن أي انخراط أوروبي سيظل مشروطًا بمدى القدرة على ضمان أن الموارد والاستثمارات لن تُستخدم بطريقة تعمق الاختلالات أو تعزز شبكات النفوذ القائمة، وهو ما يفرض على الاتحاد الأوروبي تطوير آليات رقابة دقيقة وفعالة.

وإلى جانب ذلك، يظل البعد الإقليمي والدولي عاملًا مؤثرًا في تحديد فرص نجاح هذا التوجه. فالأزمة السورية لم تعد شأنًا داخليًا فحسب، بل باتت ساحة لتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية، ما يجعل أي مبادرة أوروبية عرضة للتأثر بهذه التوازنات.

ومع ذلك، يبدو أن برلين تراهن على أن التحرك ضمن إطار أوروبي جماعي، مدعومًا من دول مثل فرنسا وإيطاليا والسويد والنمسا، يمكن أن يمنح هذه المبادرة وزنًا سياسيًا واقتصاديًا أكبر.

وفي المحصلة، تقود ألمانيا محاولة لإعادة توجيه البوصلة الأوروبية نحو مقاربة أكثر واقعية للأزمة السورية، تقوم على الربط بين التعافي الاقتصادي والاستقرار السياسي.

ويعكس هذا الرهان، رغم ما يحيط به من تعقيدات، إدراكًا بأن استمرار الوضع الراهن يحمل كلفة أعلى بكثير من مخاطر الانخراط المدروس.

وبينما لا توجد ضمانات لنجاح هذا النهج، فإن مجرد الانتقال إلى التفكير في الاقتصاد كأداة للتغيير السياسي يمثل تحولًا مهمًا في كيفية تعامل أوروبا مع واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في محيطها الإقليمي.

المصدر: العرب اللندنية

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top