إحاطة المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن حول التطورات في سوريا

إحاطة المبعوث الخاص للأمم المتحدة غير بيدرسون إلى مجلس الأمن حول التطورات في سوريا
١. لقد هزت عملية الانتقال في سوريا هذا الشهر موجة عنف وتصعيد أفضت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وتقويض الثقة، وتعميق مخاطر التفكك. من الواضح أن هناك حاجة إلى تصحيحات جوهرية في المسار على صعيدي الأمن والانتقال السياسي.

٢. لا يزال السوريون في حالة صدمة بعد العنف المروّع في السويداء، عنفٌ ما كان ينبغي له أن يحدث، وشهد أيضاً تدخلاً خارجياً غير مقبول. لقد واصلت أنا ونائبتي التواصل مع السلطات في دمشق ومع الجهات المحلية في السويداء على مدار الأحداث.

٣. في ١٢ تموز، تصاعدت عمليات الخطف المتبادلة إلى اشتباكات مسلحة محلية بين قبائل بدوية ومجموعات درزية. أعلنت السلطات نشر قوات أمنية في السويداء لوقف القتال وإعادة النظام. وخلال هذه الفترة، تعرضت القوات الأمنية لهجمات وعمليات قتل وخطف من قبل مجموعات درزية، مع ورود تقارير خطيرة للغاية عن انتهاكات جسيمة ارتكبتها القوات الأمنية بحق مدنيين دروز.

٤. تم الإعلان عن وقف إطلاق نار أولي للسماح بدخول القوات الأمنية، وقد تم تأييده، ثم انهار. جاء ذلك في ظل تغيّر المواقف وتبادل الاتهامات بارتكاب انتهاكات، وانتشار مقاطع مروّعة تظهر إعدامات خارج نطاق القضاء، ومعاملة مهينة، وتدنيس للجثث، ونهب وتدمير ممتلكات، إلى جانب حملات تضليل وتحريض طائفي. وقد شهدت هذه الجولة الدراماتيكية الأولى من القتال مئات القتلى والجرحى من القوات الأمنية والمقاتلين الدروز، وللأسف الشديد من المدنيين أيضاً، لا سيما من أبناء الطائفة الدرزية.

٥. وبينما استمر القتال، نفذت إسرائيل غارات جوية استهدفت القوات الأمنية السورية وعناصر مسلحة بدوية في محيط السويداء. وفي وقت لاحق، قصفت إسرائيل مبنى وزارة الدفاع واستهدفت محيط القصر الرئاسي في دمشق، مما أدى إلى وقوع ضحايا في صفوف المدنيين والقوات الأمنية.

٦. أعلنت القوات الأمنية انسحابها من السويداء. لكن ظهرت شهادات تفيد بوقوع انتهاكات بحق مدنيين من الدروز والبدو المحليين. تكررت حوادث الخطف والنزوح. وفي ظل تعبئة مكثفة، اندلعت اشتباكات إثر شن مقاتلين بدو هجوماً واسعاً، أعادهم إلى مدينة السويداء، وسط مزاعم خطيرة بارتكاب انتهاكات من جميع الأطراف.

٧. في ١٩ تموز، تم إعلان وقف إطلاق نار جديد. انسحبت القوات البدوية من معظم مناطق السويداء، وأُعيد انتشار القوات الأمنية على أطراف المحافظة. هدأت حدة القتال وتوقفت الغارات الإسرائيلية، رغم استمرار اشتباكات متفرقة. لا تزال التهدئة الهشة قائمة إلى حد كبير، إلا أن الوضع يبقى متوتراً وغير مستقر.

٨. شُرّد حوالي ١٧٥ ألف شخص، والاحتياجات الإنسانية حادة، ومن الضروري ضمان وصول المساعدات الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة دون عوائق، وكذلك وصول وكالات الحماية ذات التفويض، سيقدم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إحاطة تفصيلية حول ذلك. وقد جرت بعض عمليات تبادل المدنيين والمقاتلين الذين كانوا محتجزين.

٩. أدين بشدة الانتهاكات الفظيعة ضد المدنيين والمقاتلين في السويداء. كما أدين التدخل الإسرائيلي والغارات الجوية الخطيرة في السويداء ودمشق.

١٠. أنا قلق للغاية من التقارير الموثوقة التي تلقتها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومكتبي، والتي تشير إلى انتهاكات واسعة النطاق، بما في ذلك إعدامات فورية وعمليات قتل تعسفي وخطف وتدمير ممتلكات خاصة ونهب منازل. وقد شملت الجهات المتهمة بهذه الانتهاكات عناصر من القوات الأمنية وأشخاصاً مرتبطين بالسلطات، وكذلك عناصر مسلحة أخرى من المنطقة، بمن فيهم دروز وبدو.

١١. أعلنت وزارة الدفاع أن الانتهاكات التي وقعت في السويداء ارتكبها مجموعة مجهولة ترتدي الزي العسكري، وأكدت أنه لن يتم التساهل مع أي مرتكب للانتهاكات حتى لو كان منتمياً للوزارة. كما أصدر مكتب الرئاسة بياناً يدين الانتهاكات ويعد بمحاسبة المسؤولين. أرحب بذلك وسأتابع عن كثب كيفية تنفيذ هذه الالتزامات.

١٢. أود أن أعبّر أيضاً عن قلقي إزاء التقارير التي تفيد بوقوع عمليات اختطاف لنساء درزيات بعد دخول القوات الأمنية لبعض المناطق، وكذلك التقارير المتعلقة بوجود نساء وأطفال ورجال مفقودين. إن أوجه الشبه مع حوادث سابقة طالت نساءً من الطائفة العلوية في وقت سابق من هذا العام، والتي يبدو أنها مستمرة، تبعث على القلق. وهناك قلق متزايد بشأن أنماط متكررة في معاملة النساء من قبل المقاتلين.

١٣. في هذا السياق، نلاحظ أيضاً أن لجنة التحقيق وتقصي الحقائق حول أحداث الساحل قدمت تقريرها إلى الرئيس الشرع. لم نطّلع على التقرير، وندرك وجود ردود فعل متباينة بشأن عرضه العلني. أحث السلطات على نشر التقرير وضمان تحقيق العدالة للضحايا ومحاسبة جميع الجناة، بغض النظر عن انتمائهم وفقاً للقوانين والمعايير الدولية، والإعلان الدستوري.

١٤. يجب أن تكون سوريا ذات سيادة هي الجهة الوحيدة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوة، وتعمل تحت مظلة حكم القانون. لقد ورثت السلطات مشهداً دمرته ١٤ سنة من الحرب وعقود من سوء الإدارة، وامتلأ بجماعات مسلحة، ومقاتلين غير نظاميين، ومدنيين مسلحين. لا يمكن لبنية أمنية مجزأة مليئة بالميليشيات وتفتقر إلى القيادة الواضحة أن تحافظ على السلام. إن نزع سلاح هذا الطيف الواسع من الفاعلين وتسريحهم دون التسبب بمزيد من عدم الاستقرار يشكل تحدياً هائلاً ورغم تحقيق بعض الإنجازات الأمنية، لا تزال التهديدات المتنوعة ومنها داعش تمثل خطراً دائماً.

١٥. ولكن، السيد الرئيس، فإن التحريض الطائفي والسلوك المسيء، وخصوصاً أثناء العمليات الأمنية، أمر لا يمكن تبريره. الدولة ملزمة بالتصرف بمهنية وانضباط، حتى عندما تكون تحت الهجوم. يجب أن تسيطر على قواتها وتضمن المحاسبة العلنية وهو أمر أساسي لإعادة بناء الثقة، وتعزيز الأمن، ودعم الوحدة. يجب أن يشعر السوريون أن الدولة وقواتها موجودة فقط لحمايتهم، كما هو منصوص عليه في السياسة الرسمية للرئيس، وكما أكد لي الرئيس الشرع في عدة مناسبات. الفجوة بين هذه السياسة والواقع على الأرض يجب أن تُردم.

١٦. هناك حاجة إلى رؤية واضحة وبرنامج لإصلاح القطاع الأمني، ونزع السلاح، وتسريح المقاتلين، ينطبق على جميع الأطراف. وترتبط هذه الجهود ارتباطاً وثيقاً بضرورة البدء في مسار العدالة الانتقالية، وهي شرط أساسي لتعافي المجتمع السوري.

١٧. تعتمد الثقة بالأمن المستدام، قبل كل شيء، على مصداقية العملية الانتقالية السياسية ذاتها. لا يمكن فرض الولاء للدولة بالقوة. بل يجب أن يُكتسب عبر عملية حقيقية تبني دولة تمثيلية، تحمي حقوق الجميع، وتحتضن جميع مكونات المجتمع على قدم المساواة.

١٨. منذ كانون الأول، كنت أوافيكم بتقارير منتظمة حول عملية الانتقال. لقد سلطت الضوء على حجم التحديات الهائل، وأشرت إلى خطوات إيجابية مهمة، كررها العديد من السوريين. ولا يزال العديد من السوريين يدعمون النهج الذيي تتبعه السلطات بوجه عام. لكن، السيد الرئيس، كنت واضحاً أيضاً في أن العملية السياسية الانتقالية لم تصبح بعد جامعة بشكل الكامل. ويعرب كثير من السوريين عن قلقهم من تركّز السلطة، وضعف الشفافية، وضعف آليات الرقابة والمساءلة، وقلة الوسائل المتاحة للتشاور والمشاركة الحقيقية ومراقبة العملية. وإذا لم تتم معالجة هذه المخاوف، فإنها قد تؤدي إلى تعميق مشاعر الإقصاء وتقويض الثقة بالعملية الانتقالية، وفي نهاية المطاف، بفكرة المستقبل الوطني المشترك.

١٩. أود أيضاً أن أعبر عن قلقي عندما أرى مؤشرات على تقلص مساحة التعبير المدني. النساء في إدلب اللاتي احتججن على العنف في السويداء تعرضن لتهديدات بإجراءات قانونية من قبل السلطات المحلية.

٢٠. الخطوة القادمة تشكيل مجلس الشعب، هي خطوة حاسمة. فهي تتيح فرصة لترسيخ التعددية والمساءلة في النظام السياسي الانتقالي الناشئ في سوريا، كما ناقشتُ مع الرئيس الشرع ووزير الخارجية الشيباني خلال لقائي بهما في دمشق. وقد انخرط فريقي في حوار مع اللجنة العليا للانتخابات لحثّهم على ضمان عملية شاملة، شفافة، وتمثيلية.

٢١. من المتوقع أن يتم تشكيل المجلس، الذي يُنتخب جزئياً، في أيلول. ونعلم أنه سيتم قريباً نشر الإطار الانتخابي الذي يحدد آلية اختيار الكليات الانتخابية التي ستنتخب أعضاء المجلس بشكل غير مباشر. سنتابع هذا عن كثب. من الضروري جداً أن تشمل هذه العملية جميع المكونات والمجموعات السورية الرئيسية، سواء ناخبين أو مرشحين. كما أن مشاركة النساء كناخبات ومرشحات أساسية. وضمان أن يمتد الشمول فعلياً إلى المناطق التي لا تزال محل نزاع مع السلطات يمثل تحدياً رئيسياً ويجب أن يكون أولوية قصوى.

٢٢. وفي هذا السياق، وبالانتقال إلى الشمال الشرقي: أثبت تنفيذ اتفاق ١٠ آذار صعوبته، وكانت الإحباطات على الجانبين واضحة خلال فترة التقرير. لم يتمكّن اجتماع ٩ تموز بين السلطات الانتقالية وقيادة قوات سوريا الديمقراطية في دمشق بحضور دبلوماسيين أميركيين وفرنسيين من تجاوز الخلافات الرئيسية، لكن هناك جهوداً مستمرة لعقد اجتماع آخر في باريس. نواصل التواصل مع الجانبين للتأكيد على أهمية تقديم التنازلات، من أجل التقدّم في تنفيذ الاتفاق قبل نهاية العام، وفق ما اتفق عليه الطرفان. وفي ظل الخلافات القائمة بينهما، والوضع الوطني الأوسع، من الضروري بناء الثقة على هذا المسار.

٢٣. لا يمكن التعامل مع مسائل الأمن، وسيادة القانون، والوحدة الوطنية، والشمول السياسي كملفات منفصلة أو من خلال نهج تجريبي مجزأ. تحتاج العملية الانتقالية إلى أن تكون عملية شاملة بحق تبني توافقاً حقيقياً ورؤية مشتركة لسوريا. وعندما تقطعها أعمال عنف تترك مجتمعات كاملة في حالة خوف، تنهار الثقة ويصعب إعادة بنائها. دون أساس سياسي واسع يشمل ليس فقط الأفراد الموثوقين، بل العناصر المجتمعية الأساسية، فإن الصراع الأعمق يصبح، للأسف، شبه حتمي. ألاحظ أن مجموعة بارزة من السوريين، مستلهمة من التقاليد التاريخية لسوريا، اقترحت مؤخراً عقد مؤتمر وطني جديد، أعمق وأوسع وأكثر منهجية مما أمكن تحقيقه حتى الآن.

٢٤. هذه، قبل كل شيء، لحظة تتطلب المرونة والحكمة. إذا رأت المكونات والمجتمعات الرئيسية في الدولة تهديداً بدلاً من الحماية، فسوف تتصلب المواقف. وبالمثل، إذا بدا أن قادة تلك المكونات والمجتمعات يتباطأون أو يعارضون الاندماج الحقيقي ضمن هيكل دولة موحدة، فإن المواقف تتصلب من الجهة الأخرى. إن هذا التحدي الجوهري يتطلب حواراً حقيقياً وتسويات فعلية، ودعماً نشطاً من أطراف ثالثة للعملية الانتقالية السورية بقيادة وملكية سورية، شاملة حقاً، تعيد السيادة والوحدة إلى سوريا، وتمكّن جميع السوريين من رسم مستقبل بلادهم. الأمم المتحدة مستعدة لبذل كل ما في وسعها للمساعدة، بالتعاون مع السلطات وجميع السوريين. لا يمكن للعملية السياسية الانتقالية السورية أن تفشل.

INT

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top