إرادة الشعوب تصنع فارقاً (التطوّرات الدراماتيكية الأخيرة في شمال وشرق سوريا نموذجاً)

شرفان سيف الدين

مع وصول الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في دورته الثانية، والعالم أجمع يعيش حالة تخبّط سياسيّ واقتصاديّ وعسكري ودبلوماسي وغير ذلك، وممّا لا شكّ فيه أنّ الولايات المتحدة الأمريكية دولة مؤسسات وليست دولة أشخاص، وعليه تتقدّم يوماً بعد يوم وعلى كافة الأصعدة، لكن ممّا لا شكّ فيه أيضاً أنّها تمارس الدكتاتورية المؤسساتية على مؤسسات الأمم المتحدة والعالم في شكل جديد للهيمنة والاحتلال، يبدو أنّ احتلال البلدان والمناطق حول العالم بالطريقة التقليدية باتت مكلفة على الصعيد المادي والبشري، وبالتالي فإنّ ابتكار طرق جديدة وحديثة للهيمنة تبدو أقلّ تكلفة مادّية، وتكسب الوقت والجهد العسكري، وهي النظرية الحديثة في الاحتلال والهيمنة العالمية.

الملف السوري ضمن حسابات الدول الإقليمية:
ما شهده الملف السوري بعد الثامن من ديسمبر/ كانون أول من عام 2024م، أي بعد سقوط أو إسقاط النظام البعثي وهروب قادته بإذلال، بسبب مواقفهم المتعارضة مع الغرب عامةً والعالم الإسلامي السُّنّي والعربي على وجه الخصوص، وبشكل أخصّ المملكة العربية السعودية التي استثمرت في الملف السوري مؤخّراً بشيك مفتوح لأمريكا ورئيسها دونالد ترامب، بعد اليأس من ترويض البعث والأسد وإمكانية إعادتهم للحاضنة العربية وإبعادهم عن المحور الإيراني الشيعي، يحاول السعوديون كسب أي دقيقة لاستعادة السيطرة والاستفادة من هذا الملف إقليمياً ودولياً، وما وصول التيار السُّنّي السلفي إلى سدّة الحكم إلّا جسر للعبور من خلاله لرسم جديد للمشاريع السياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط مع تعقّد الملفات وتزاحم المشاريع فيها، خاصةً مع وجود الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تنافس دول المنطقة بالتمدّد الشيعي فيها.
الملف الكردي كقومية في سوريا كان دائماً موضوع النقاش في كل الجلسات والحسابات والخطط التي ترسم، لكن يبدو أنّ خلق دول قومية جديدة على أسس قومية أو طائفية أو عرقية غير مدرَجٍ في الفترة الحالية ضمن أجندات الدول المهيمنة على السياسة العالمية، ويتمّ وضع هذه الخصوصيات المذكورة ضمن الرسم الجغرافي السابق، مع الأخذ بعين الاعتبار المحافظة على الخصوصية الكاملة ضمن المواطنة الشاملة بحسب الحدود المرسومة كما هي على أرض الواقع، رغم أنّ المبعوث الأمريكي الخاص بالملف السوري (توم برّاك) قد ذكر وركّز أكثر من مرّة على انتهاء زمن سايكس – بيكو عملياً على أرض الواقع، وبالتالي تم فهم هذه الإشارة على أنّها ربما تكون إشارات لإعادة إحياء مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، وتقسيم الجغرافيا على هذا الأساس.

الكرد في سوريا ضمن ميزان القوى الفاعلة:
مع سقوط البعث والأسد في سوريا، ووصول الحكومة المؤقّتة الحالية إلى الحكم، وإعلانها أنّ الفترة الانتقالية قد تمتدّ لخمس سنوات، ومع استبعاد كامل لجميع المعارضة العَلمانية والديمقراطية، تبيّنت نيّة هذه الحكومة سريعاً في التسلّط على حكم البلاد، مستفيدة من قوة الدول الإقليمية التي أوصلتها أساساً للحكم، ومن التسارع الدراماتيكي في خلق وإنشاء وتكوين المؤسسات وبنائها على أساس اللون الواحد، وتهميش الكتلة التكنوقراطية التي تتمتّع بها البلاد من كفاءات سياسية وإدارية واقتصادية وغيرها، وحصر جميع أشكال المؤسسات في شخص الرئيس المؤقّت وفي حكومة ما كانت تُعرَف بالإنقاذ، والتي كانت تدير محافظة إدلب سابقاً، كل ما سبق لم يكن بشارة خير، لكن وبما أنّ السوريّين محكومون بالأمل كان لا بدّ من الانتظار والترقّب الذي لم يدم طويلاً؛ فكانت أحداث الساحل السوري بمثابة الصفعة الأولى بعد انتهاء شهر العسل بعد نهاية حقبة الأسد، وأحداث محافظة السويداء كانت الصفعة الثانية في الصيف الماضي.

الكرد وقوات سوريا الديمقراطية فهموا اللعبة الإقليمية والدولية الكبرى؛ وبالتالي انخرطوا مباشرة فيها للتقليل من الخسائر إلى أقصى الدرجات، فاتفاقية العاشر من مارس/ آذار 2025م، والأول من أبريل/ نيسان من نفس العالم والخاصة بحيَّي الشيخ مقصود والأشرفية ضمن مدينة حلب، كانتا بمثابة التهدئة المباشرة مع دمشق، وكسب الحقوق عن طريق الحوار بعيداً عن لغة العنف، وبالفعل كانت الدبلوماسية سيّدة الموقف، إلّا أنّ بعض الدول الإقليمية، وعلى رأسها تركيا بطبيعة الحال، لم يكن يَرُقْ لها كل ما كان يجري من حوار سوري – سوري، واكتساب الجغرافية الكردستانية ضمن سوريا أي مكتسبات خاصة بها على غرار إقليم كردستان العراق، وإمكانية تمتّعها بنوع من الخصوصية القومية ضمن مشروع الأمّة الديمقراطية، والتي بالأساس تتبنّاه الإدارة الذاتية الديمقراطية كبرنامج عمل يمكن القيام على أساسه بنشر الديمقراطية في كل الجغرافيا السوريّة، فكانت الأحداث الأخيرة التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية مع بداية العام الحالي بمثابة ضرب للمشروع الوطني والديمقراطي، والذي يتعارض مع الهيمنة الدولية على قرارات الشعوب والأمم في تقرير مصيرها المشترك في التعايش بسلام. وعليه، يبدو أنّ القرار الدولي المتمثّل بالولايات المتحدة الامريكية، وبضغط من المال الخليجي والمصالح والعلاقات الشخصية التركية والتنازلات المقدمة من قبلها ومن قبل الحكومة المؤقتة في دمشق، ومراضاة الجار الجنوبي؛ كل ذلك كان له الدور الأساسي في إشعال الفتيل ضدّ المشرع الوطني في الشمال السوري ومحاولة حصره بالقومية الكردية، وإشعال الفتنة الأهلية على أساس قوميّ، وإعادة الأسطوانة المشروخة باللعب على مسألة تقسيم الأراضي السورية، وخلق دويلات جديدة، أو خلق دولة ضمن دولة، والتركيز على هذا النمط لتأجيج الشارع العام في هذا المنحى.

الكرد والتوجّه نحو الوحدة القومية في مواجهة الهجمة العنصرية:
خلال الأزمة السورية حاول الكرد خلق نوع من التوازن ما بين المطالبة بالحقوق القومية والتعايش المشترك مع باقي المكوّنات في المنطقة، وعليه تم طرح مشروع نشر الديمقراطية في سوريا على أساس التشارك في القيادة والتوجّه نحو الدولة المدنية، لكنّ آثار أكثر من ألف وأربعمئة عام الماضية، واستسلام المجتمعات المحلية للقوانين الدينية في قيادة المجتمع؛ كانت أكبر وأقوى من أن تتغيّر خلال عقد واحد، مع وجود فجوة كبيرة في التطبيق ما بين النظريّ والعمليّ للبرنامج المقدم أساساً، ورغم وجود بعض العشائر العربية والأشخاص والشيوخ المؤمنين بهذا البرنامج والفكر إلّا أنّ الباقي الأعظم لم يكن مهيأً أساساً لذلك رغم وجود بيئة مناسبة لزرع هذه الفكرة، فكانت الهجمات الأخيرة ضدّ المكوّن الكردي الحامل لهذه الفكرة بمثابة هزّة قوية للشارع الكردي، وجاءت وكردّ عكسيّ ليس في جغرافية (روج افا) غرب كردستان فحسب، بل على مستوى باقي الأجزاء، وحتى أوروبا وباقي دول المهجر التي يعيش فيها الكرد، فكان للتكاتف الكردي الصدى والوقع الذي أحدث فارقاً في اللعبة السياسية الدولية، وكان لحزم القادة العسكريين في ساحة المعارك الوقع والانعكاس المباشر على حالة التفاوض المكوكيّ ما بين هولير ودمشق، وإرضاخ الغرب على تعديل بنود اتفاقية الثامن عشر من يناير/ كانون الثاني واستبداله ببنود الاتفاق الموقّع شفهياً في التاسع والعشرين من الشهر نفسه، والذي من خلاله ضَمِنَ المكوّن الكردي حقوقه ولو بالحد الأدنى بحسب ما هو مُعلَن حالياً. وعليه، فقد بدأت الحملات الدبلوماسية المعتمدة أساساً على إرادة الشعب الكردي في الشارع للمراهنة على نيل الحقوق، فكان مشروع القانون الأمريكي الذي ينصّ على إنقاذ الكرد، والدعوة الأخيرة للقادة العسكريين والسياسيين لحضور مؤتمر ميونخ للأمن العالمي ومكافحة الإرهاب، عظيم الوقع في نفس كل كردي وأعطى دفعة معنوية قوية للدبلوماسيين والعسكريين الكرد في المحافظة على الثوابت الكردية في أحلك الظروف، وعدم التفريط بها لأنّ التنازل عن القليل سيكون بداية للتنازل عن الكثير.

NRLS‏

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top