لزكين إبراهيم – باحث في مركز الفرات للدراسات
في توقيتٍ بالغ الحساسية، شنت فصائل تتبع “شكلياً” لوزارة الدفاع السورية و”فعلياً” للاستخبارات التركية، هجوماً على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، بالتوازي مع زيارة وفد تركي رفيع المستوى إلى دمشق، ما يمنح هذه التطورات دلالات تتجاوز كونها حادثاً أمنياً موضعياً. فالتزامن، واقتراب انتهاء المهلة الأولى لتنفيذ اتفاق 10 آذار، يكشف أنّ الاشتباكات جاءت كأداة ضغط سياسية-عسكرية تهدف إلى إعادة ضبط مسار التفاوض بين دمشق وقسد، لا سيما بعد تسلّم الأخيرة مقترح وزارة الدفاع السورية بشأن آلية الدمج، وتقديم ردّها إلى دمشق.
زيارة الوفد التركي الذي ضمّ وزير الخارجية هاكان فيدان، ووزير الدفاع يشار غولر، ورئيس الاستخبارات إبراهيم كالن، لم تأتِ في سياق دعم مسار تفاهم سوري-سوري، بل حملت في مضمونها رسالة ضغط صريحة. فتصريحات فيدان حول «نفاد صبر أنقرة» وعدم التزام قسد بالمهلة المحدّدة، واتهامه لها بالتنسيق مع إسرائيل، تعكس محاولة لتقويض شرعيتها الوطنية، ودفع دمشق نحو تبنّي الرؤية التركية للدمج، وهي رؤية تقوم عملياً على تفكيك البنية المؤسّسية لقوات سوريا الديمقراطية، وتحويلها إلى أفراد منزوعي القرار داخل جيش لم تكتمل بعدُ معالمه الوطنية والمؤسّساتية.
جاءت زيارة الوفد التركي بعد يوم واحد فقط من إعلان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني تسلّم رد قسد على مقترح وزارة الدفاع السورية بشأن آلية الدمج، وهو ردّ، وفق المعطيات المتداولة، يتسم بالمرونة السياسية والاستعداد للاندماج المؤسسي عبر تحويل قسد إلى فرق وألوية ضمن الجيش السوري، مع الحفاظ على انتشارها في مناطقها، بما يضمن الاستقرار الأمني، واستمرار فاعليتها في محاربة تنظيم داعش. هذا التطور الإيجابي، الذي حظي بمباركة أمريكية ضمنية، بدا كأنه يهدّد مباشرة النفوذ التركي في شمال سوريا، ما يفسر السعي السريع إلى تفجير توتر ميداني يربك مسار التفاهم.
مقالات قد تهمك
في هذا السياق، تصبح الاشتباكات رسالة ميدانية مكمّلة للخطاب السياسي، مفادها أنّ البدائل العسكرية ما زالت مطروحة إذا لم تتم إعادة تشكيل الاتفاق وفق الرؤية التركية، لكنّ تهديدات الخيار العسكري، التي يلوّح بها المسؤولون الأتراك، تبدو أقلّ واقعية في ظل تموضع السياسة السورية ضمن الإطار الأمريكي، وإدراك واشنطن أنّ قسد لا تزال الرافعة الأكثر صلابة في مواجهة عودة تنظيم داعش، كما أظهرت هجمات تدمر الأخيرة هشاشة الحكومة الجديدة.
من زاوية أوسع، لا تنظر أنقرة إلى اتفاق 10 آذار بوصفه مدخلًا لبناء شراكة وطنية سورية، بل كأداة لإعادة إنتاج معادلتها الأمنية التقليدية القائمة على نفي أيّ كيان كردي منظم يمتلك قراراً سياسياً أو عسكرياً. فالإصرار التركي على «الدمج كأفراد» لا كقوة منظمة، يعني عملياً حلّ قسد لا دمجها، وهو ما يتناقض مع جوهر الاتفاق، ومع الحاجة السورية إلى بناء جيش وطني، لا يستنسخ منطق الإقصاء الذي قاد البلاد إلى الانهيار.
أما حلب، فهي ليست ساحة اشتباك عابرة في الحسابات التركية، بل عقدة استراتيجية كبرى، فإحكام السيطرة عليها عبر فصائل موالية لأنقرة يعني التحكم بعصب اقتصادي وبشري محوري، ومنع تشكّل أي نموذج تعايش أو تفاهم سوري-كردي يمكن أن يُحتذى به لاحقا في مناطق أخرى. كما أنّ أي اتفاق حقيقي بين دمشق وقسد سيؤدي بالضرورة إلى تهميش فصائل متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، ومعاقَبة دوليّاً، مثل فصيل السلطان مراد وشخصيات مثل” أبو عمشة”، ما يفسر مصلحتها المباشرة في إفشال أي مسار للتوافق.
إلا أنّ سرعة إيعاز دمشق وقسد لقواتهما بوقف إطلاق النار في اليوم ذاته يشير بوضوح إلى أن الطرفين لا يرغبان في الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وأنّ الاشتباكات فُرضت عليهما ضمن سياق ضغط خارجي. هذا السلوك يعكس إدراكًا متبادلًا بأن أيّ صدام واسع سيقوّض مسار التفاوض، ويعيد خلط الأوراق لمصلحة أطراف تسعى إلى عسكرة الصراع من جديد. كما يكشف أنّ القرار الميداني في حلب لم يكن منفصلًا عن الإيقاع الإقليمي، ولا سيما التركي، الذي حاول توظيف حادث أمني محدود لإعادة تعريف مسار سياسي كامل.
في المحصلة، تعكس اشتباكات حلب صراع إرادات، أكثر مما تعكس صراع جبهات. فهي اختبار لمدى قدرة دمشق وقسد على حماية المسار التفاوضي من الضغوط الإقليمية، واختبار لحدود النفوذ التركي في لحظة تتقاطع فيها حسابات الأمن القومي مع مسارات السلام الإقليمي. وبينما تستخدم أنقرة لغة «الإنذار الأخير»، يبقى مستقبل اتفاق 10 مارس مرهونًا بقدرة الأطراف السورية، بدعم دولي، على تحييد أدوات التعطيل، وتحويل الدمج من أداة إقصاء إلى مدخل لبناء دولة، وجيش وطني يتجاوز منطق الفصائل والفزعات العشائرية.
المصدر: مركز الفرات للدراسات
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=81616






