الدكتور مسلم عبد طالاس
باحث في المعهد الألماني للتنمية والاستدامة IDOS
مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.
تعرض هذه الورقة نتائج أولية من بحث أوسع يجريه الباحث حول التحولات الاقتصادية والاجتماعية في مدينة كوباني بعد عام 2015، اعتمادًا على نظرية التسوية السياسية كإطار لفهم التوازنات المحلية في مرحلة ما بعد النزاع.
- المقدمة
منذ عام 2015، مثلت كوباني (عين العرب) إحدى التجارب الأبرز في شمال سوريا لإعادة بناء مجتمع محلي مدمر بعد الحرب. فقد عانت المدينة دمارا هائلا خلال معاركها ضد تنظيم «داعش»، إذ دمر جزء كبير من مبانيها، ونزح معظم سكانها إلى تركيا، لتصبح المدينة شبه خالية(UNHCR, 2015) . لكن بعد التحرير، بدأت الحياة تعود تدريجيا: عاد السكان، وفتحت الأسواق، واستأنف المزارعون نشاطهم رغم ضعف الموارد وانعدام الدعم المركزي.
لم يكن هذا التعافي نتيجة خطة اقتصادية متكاملة أو تدخل حكومي مباشر، بل جاء ثمرة تفاهمات محلية مرنة بين الإدارة الذاتية، والفاعلين الاقتصاديين (التجار والمزارعين)، والمنظمات المدنية والإنسانية. هذه التفاهمات — غير الرسمية وغير المكتوبة — هي ما يُمكن تفسيره عبر مفهوم التسوية السياسية، أي ترتيب واقعي بين القوى المحلية حول كيفية توزيع الموارد والسلطة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار (Khan, 2010; Kelsall, 2018).
ومن هنا ينبع سؤال البحث الرئيس:
كيف أعادت التسوية السياسية المحلية في كوباني بعد عام 2015 تشكيل البنية الاقتصادية وآليات توزيع الموارد والعدالة الاجتماعية؟
- أهمية الدراسة
2-1 الأهمية العلمية
تعد هذه الدراسة من أوائل التطبيقات الميدانية لنظرية التسوية السياسية في سياق سوري محلي. فهي تبين أن استقرار الاقتصاد لا يعتمد فقط على القوانين والمؤسسات، بل على مدى توافقها مع توازن القوى المحلية (Khan, 2010). وبذلك تسهم في إثراء أدبيات الاقتصاد السياسي لما بعد النزاع، عبر تحليل كيف تبنى المؤسسات من الأسفل، ضمن شبكات القوة المحلية.
2-2 الأهمية العملية
عمليا، تقدّم نتائج هذه الدراسة مؤشرات لصنّاع القرار والمنظمات التنموية حول كيفية تصميم سياسات واقعية في مناطق ما بعد الحرب، بحيث تراعي التفاهمات الفعلية بين الأطراف بدلاً من فرض نماذج مركزية جاهزة. كما توضح أن تعزيز العدالة المؤسسية والشفافية الاقتصادية لا يمكن فصله عن إعادة بناء التوازنات الاجتماعية والسياسية.
- كوباني بعد الحرب: من الدمار إلى التنظيم الذاتي
تقع كوباني في شمال محافظة حلب، وتشكل جزءًا من منطقة الفرات الغنية بالزراعة. قبل الحرب، كان يعيش فيها نحو45 ألف نسمة يعتمدون على الزراعة والبناء(SCPR, 2013) . لكن حصار 2014–2015 أدّى إلى تدمير جزء كبير من المدينة ونزوح معظم سكانها إلى تركيا (UNHCR, 2015). بعد التحرير، أُعيد تنظيم المدينة ضمن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES). أُنشئت المجالس المحلية لتسيير الخدمات، بينما أعاد السكان بناء بيوتهم وأسواقهم بأنفسهم، وسط غياب دعم مالي خارجي كبير. وبالإضافة إلى شبه الانقطاع اللوجستي عن الداخل السوري والخارج، أصبحت المدينة شبه معزولة اقتصاديًا، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتراجع النشاط التجاري (Human Rights Watch, 2016). يصف Allsopp & Van Wilgenburg (2019) هذه المرحلة بأنها انتقال من «الخراب إلى الحوكمة الذاتية»، حيث تحولت المدينة إلى مختبر للقدرة المجتمعية على إعادة إنتاج الاقتصاد في غياب الدولة.
- نظرية التسوية السياسية: الإطار المفاهيمي
تقوم نظرية التسوية السياسية على أن استقرار الأنظمة الاقتصادية في الدول الضعيفة يعتمد على توازن القوة الفعلي بين الفاعلين أكثر من اعتمادها على جودة القوانين (Khan, 2010). فإذا كانت المؤسسات تعكس مصالح القوى المؤثرة، فإن النظام يعمل باستقرار نسبي حتى وإن كانت القواعد ناقصة. أما إذا تجاهلت القواعد هذا التوازن، فإنها تفرغ من مضمونها أو تنفذ انتقائيا. يضيف Kelsall (2018) أن هذه التسويات قد تكون “تنموية” حين تستخدم القوة لدفع النمو، أو “استقرارية” حين تُستخدم للحفاظ على البقاء. في حالة كوباني، يبدو أن التسوية أقرب إلى النوع الثاني — تسوية تؤمن البقاء وتمنع الانهيار، لكنها لا تولّد نموًا طويل الأمد.
- منهجية الدراسة
اعتمد الباحث على استبيان ميداني الكتروني، وزع من خلال البريد الالكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، أجري خلال أب وايلول 2025 في كوباني وريفها، شمل 100 مشارك من مختلف الفئات الاجتماعية. توزعت العينة على: 50 رب أسرة، و 16 صاحب مشروع صغير، والبقية موظفون وطلاب وعمال. شملت الأسئلة: مصادر الدخل والأنشطة الاقتصادية، والأسعار والغلاء، والعدالة المؤسسية، ودورالمنظمات. إضافة إلى أسئلة مفتوحة لرصد تصورات المشاركين.
6.النتائج الكمية والنوعية
6-1 النشاط الاقتصادي
- 32% من المشاركين يعملون في الزراعة (قمح، شعير، عدس).
- 50% يعملون في الخدمات والمهن الحرة (نقل، خياطة، صيانة).
- 8% فقط في التجارة النظامية أو المشاريع المرخصة.
- 8% بلا عمل منتظم.
يبلغ متوسط الدخل الشهري للأسرة نحو 900 ألف ليرة سورية (حوالي 65–70 دولارا أمريكي) ومتوسط عدد أفراد الأسرة نحو 6 أفراد، ما يجعل أكثر من ثلثي الأسر تحت خط الفقر (WFP, 2023). تدل هذه الأرقام على أن اقتصاد كوباني اقتصاد معيشي منخفض الإنتاجية، قائم على النشاط الفردي والتبادل الاجتماعي أكثر من الاستثمار المؤسسي.
6-2 الأسعار والمعابر
- سعر كيلو الطحين: 155,000 ليرة سورية.
- سعر ليتر المازوت: بين 8,000–11,000 ليرة سورية.
- تكلفة سلة غذاء أساسية لأسرة (5 أفراد): 1.2 مليون ليرة شهريًا.
ذكر 68% من المشاركين أن الغلاء سببه إغلاق المعابر وصعوبات النقل، و22% نسبوه لاحتكار بعض التجار. وبحسب بيانات WFP (2023)، فإن معدلات التضخم في كوباني تفوق متوسط مناطق الشمال السوري بنحو 15%. يُظهر ذلك أن إغلاق الحدود خلق اقتصادًا شبه مغلق زاد التبعية للسوق المحلية ورفع الأسعار.
6-3 العدالة المؤسسية
تعني العدالة المؤسسية مدى حياد وشفافية المؤسسات في تطبيق القوانين والسياسات العامة على جميع المواطنين بشكل متساو، بغض النظر عن الانتماءات الاجتماعية أو السياسية أو الشخصية. بعبارة أبسط: هي أن يحصل الأفراد على فرص متكافئة في العمل، والتمويل، والخدمات، والحقوق، دون تمييز أو استثناءات ناتجة عن النفوذ أو الولاء. في الأدبيات الحديثة (Khan, 2010; Kelsall, 2018)، تعد العدالة المؤسسية أحد أهم مؤشرات «التسوية السياسية التنموية» — أي أن المؤسسات تكون مستقلة نسبيا وتطبّق القواعد على الجميع، مما يشجع على الاستثمار والإنتاج. أما في “التسويات المستقرة غير التنموية”، فالقواعد تطبّق انتقائيا بما يخدم توازنات القوة أكثر من المصلحة العامة. اشارت نتائج البحث الى ان:
- 61% من المشاركين قالوا إن القوانين الاقتصادية تطبق بانتقائية.
- 25% فقط من المشاريع مرخصة رسميا.
وتشير المقابلات النوعية إلى أن بعض المشاريع الصغيرة تواجه عراقيل في الترخيص أو الدعم، بينما يحصل آخرون على تسهيلات بفضل علاقاتهم الاجتماعية. هذه النتائج تؤكد ظاهرة “الإنفاذ الانتقائي” التي تحدّث عنها خان Khan (2010)، حيث تُستخدم القواعد بمرونة لضمان الاستقرار السياسي.
في كوباني، تظهر العدالة بوصفها تفاوضية لا قانونية، تُبنى على التفاهم بين الفاعلين أكثر من خضوعها لمعايير موضوعية. ويعكس ذلك ما تصفه نظرية التسوية السياسية بأنه «الاستقرار على حساب الكفاءة» حيث يفضل الحفاظ على السلم الاجتماعي على حساب الصرامة القانونية (Khan, 2010; Kelsall, 2018) .
6-4 المؤشرات الاجتماعية
- العمر المتوسط 36 سنة.
- نسبة التعليم الثانوي أو الجامعي 42%.
- مشاركة النساء في العمل 28% فقط، رغم أن 64% منهن عبّرن عن رغبتهن في العمل إذا توفرت الفرص.
تُظهر هذه المؤشرات أن المجتمع يتمتع بقاعدة بشرية شابة غير مستثمرة اقتصاديا، وهو ما يحد من إمكانيات النمو.
- ديناميات الأطراف الثلاثة في التسوية المحلية
تشير النتائج الميدانية والتحليل النوعي إلى أن التسوية السياسية في كوباني تقوم على تفاعل ثلاث قوى محلية رئيسة، لكل منها دور وحدود واضحة في تشكيل الاقتصاد المحلي (انظر الجدول 1) هي الادارة الذاتية، والتجار والمزارعون، والمنظمات المدنية والانسانية.
الجدول (1) أطراف التسوية السياسية في كوباني- إعداد الباحث
| الطرف | مصادر القوة او السلطة | نقاط الضعف | أثره في الاقتصاد |
| الإدارة الذاتية | الشرعية القانونية والتنظيم المحلي | ضعف التمويل وقيود خارجية | تنظيم رمزي للاستقرار |
| التجار والمزارعون | السيطرة على الإنتاج والأسواق | ضعف التنظيم الجمعي وتضارب المصالح | النفوذ الاقتصادي الفعلي |
| المنظمات المدنية والإنسانية | التمويل والدعم الخارجي | ضعف التأثير السياسي واعتمادها على الإذن الإداري | تمويل مؤقت للتوازن |
7-1 الإدارة الذاتية
تمتلك الإدارة سلطة تنظيمية ورمزية، وتعمل على ضبط السوق وإصدار القوانين، لكنها تعاني من ضعف التمويل وصعوبة التنفيذ الكامل. يرى 61% من السكان أن تطبيق القوانين “انتقائي”، ما يدل على محدودية قدرتها على فرض النظام الاقتصادي بشكل شامل. ورغم تبنّيها لخطاب “الاقتصاد الاجتماعي”، فإن نتائج الاستبيان لم تشر لانشطة اقتصادية ملموسة ضمن ذلك المفهوم. من منظور نظرية التسوية السياسية، تمثل الإدارة الذاتية الركيزة القانونية للتوازن، أي الجهة التي تمنح الغطاء السياسي لبقاء النظام دون أن تكون هي المحرك الاقتصادي الفعلي (Kelsall, 2018).
7-2 التجار والمزارعون
يشكلون القوة الاقتصادية الفعلية. فهم يسيطرون على تدفق السلع والأسعار والإنتاج المحلي. إلا أن علاقاتهم التنظيمية ضعيفة وغير مؤسسية، وتعتمد على الثقة والعائلة والوساطة. أظهر الاستبيان أن68% من المشاركين يعتمدون على علاقات شخصية للحصول على السلع أو التمويل، ما يعكس اقتصادا ريعيا يعتمد على النفوذ لا على التنافس. ويعد هذا تجسيدًا لما يسميه خان (2010) بـ “اقتصاد العلاقات” الذي يظهر في غياب مؤسسات الدولة.
7-3 المنظمات المدنية والإنسانية
تمثل هذه المنظمات الوسيط المالي والمعرفي في التسوية، إذ تموّل مشاريع صغيرة وتقدّم برامج دعم غذائي، وتؤمّن وظائف لنحو 12% من المشاركين. غير أن تأثيرها محدود لأنها تعمل تحت قيود إدارية وأمنية، وغالبًا ما تُستخدم تدخلاتها لتخفيف الأزمات بدلاً من إحداث تغيير هيكلي. وبذلك، فهي الطرف الموازن بين الإدارة والتجار — تُبقي التسوية قائمة، لكنها لا تستطيع تعديلها.
7-4 طبيعة العلاقة بين الأطراف الثلاثة
تُظهر البيانات أن العلاقة بين الأطراف الثلاثة — الإدارة الذاتية، التجار والمزارعون، والمنظمات المدنية — تقوم على اعتماد متبادل يحافظ على التوازن دون إصلاح. فالإدارة تحتاج إلى التجار لضمان استمرار تدفق السلع والأسواق، والتجار بدورهم يحتاجون إلى الإدارة لتوفير الغطاء القانوني والشرعية السياسية، أما المنظمات المدنية والإنسانية فتعتمد على الطرفين معا لتسهيل وصولها إلى السكان وتنفيذ برامجها. هذه المنظومة، رغم أنها تنتج استقرارا نسبيا في الحياة اليومية، فإنها تمنع أي تغيير جذري في بنية الاقتصاد.
فكل طرف يستفيد من استمرار الوضع القائم، لكنه يخشى أن تؤدي محاولات الإصلاح أو التنظيم الصارم إلى اضطراب التوازن أو فقدان النفوذ. وبذلك، تتحقق ما يسميه خان (2010) بـ «التسوية المستقرة غير التنموية»، أي النظام الذي يضمن الحد الأدنى من البقاء الاجتماعي دون أن يخلق نموا حقيقيا أو عدالة مؤسسية.
وبتحليل البيانات الميدانية، يتبين أن الاقتصاد المحلي في كوباني ليس كيانا منفصلًا عن توازن القوى بين هذه الأطراف، بل هو نتاج مباشر له. فالاستقرار المعيشي المحدود، وارتفاع الأسعار، وضعف العدالة المؤسسية، جميعها انعكاسات مباشرة لطبيعة التسوية السياسية.
- الإدارة الذاتية تبقي القواعد القانونية مرنة لتجنب الصدام مع التجار والمزارعين الذين يشكلون قاعدة القوة الاقتصادية والاجتماعية.
- التجار والمزارعون يضمنون تدفق السلع الأساسية، لكنهم يفعلون ذلك عبر شبكات شبه احتكارية غير خاضعة للرقابة الرسمية، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تقارب 15% مقارنة بالمناطق المجاورة.
- المنظمات المدنية والإنسانية تضخ التمويل والدعم الإغاثي بشكل دوري لتجنب الانهيار الاجتماعي، لكنها لا تمتلك القدرة على تغيير هيكل السوق أو إصلاح العلاقة بين الأطراف.
وبالتالي، فإن متوسط الدخل المنخفض (900 ألف ليرة سورية شهريًا، أي ما يعادل 65–70 دولارًا) وارتفاع تكاليف المعيشة (1.2 مليون ليرة للأسرة شهريًا) لا يُعدّان مجرد خلل اقتصادي، بل هما نتيجة سياسية مباشرة لبنية التفاهم المحلي التي تقوم على الاستقرار بدل التنمية. وتتفق هذه النتيجة مع ما توصل إليه Kelsall (2018) في تحليله لتجارب شرق إفريقيا، حيث أظهرت التسويات المستقرة أن مرونة القواعد قد تضمن الهدوء السياسي، لكنها في المقابل تعيد إنتاج الفقر والتفاوت الاقتصادي لأنها تبقي توزيع الموارد في إطار المصالح المتبادلة لا في إطار التنمية العامة. في ضوء ذلك، يمكن القول إن اقتصاد كوباني بعد 2015 يمثّل نموذجًا مصغّرًا لـ»اقتصاد التسوية»، الذي ينجح في إدارة الأزمات اليومية لكنه يفشل في تحويل الاستقرار إلى تنمية، ما يجعل أي إصلاح مستقبلي مرهونًا بإعادة تعريف العلاقة بين الأطراف الثلاثة على أساس الإنتاج لا على أساس النفوذ.
- المعابر والقيود الإقليمية: البعد الخارجي للتسوية
رغم أن الإدارة الذاتية تدير الشأن الداخلي في كوباني، فإنها لا تملك السيطرة الكاملة على المعابر والحدود، التي تمثل شريان الاقتصاد المحلي. المعبر الشمالي (مرشد بينار) يخضع للقرار التركي ويغلق لأسباب سياسية وأمنية. المعابر الجنوبية والغربية تفتح وتغلق وفق التفاهمات مع السلطة في دمشق (وكذلك الامر مع فصائل المعارضة والنظام السوري قبل سقوط نظام بشار الاسد). وبذلك، تصبح قدرة كوباني على التصدير والاستيراد رهينة للتوازنات الإقليمية أكثر من القرارات المحلية (Human Rights Watch, 2016). هذه القيود أجبرت الإدارة على الاعتماد على التجار المحليين لتأمين السلع بطرق غير رسمية، ما زاد نفوذهم داخل التسوية السياسية وجعلهم “وسطاء اقتصاديين” بين كوباني والعالم الخارجي. نتيجة لذلك، فإن الأسعار في المدينة ترتبط مباشرة بمدى فتح أو إغلاق المعابر، كما أكد 68% من المشاركين في الاستبيان. وعليه، فإن الاقتصاد المحلي محكوم بعلاقات قوة داخلية وخارجية في آن واحد، مما يجعل التسوية السياسية في كوباني تكيفية لا سيادية – أي توازن بقاء في بيئة مقيدة خارجيًا.
- المقارنة مع الدراسات السابقة
تتوافق هذه النتائج مع دراسة Medarat Kurd (2014) التي أوضحت أن خسارة كوباني لقطاعات الزراعة والبناء كانت السبب الرئيس لانهيار دخلها المحلي بعد الحرب. لكن البيانات الحالية تُظهر أن هذه القطاعات استعادت نشاطها بشكل محدود، عبر جهود أهلية وتفاهمات محلية. كما تدعم نتائج Devadas et al. (2021) من البنك الدولي، التي أكدت أن التعافي الاقتصادي في سوريا هش لأن المؤسسات لا تعبر عن توازن القوة الحقيقي. وتشير Brookings Institution (2022) إلى أن الاقتصاد السوري يعتمد على شبكات نفوذ لا على المؤسسات، وهي الظاهرة نفسها التي تُرصد في كوباني على نطاق محلي. أما The Cairo Review of Global Affairs (2023) فتشير إلى أن إعادة الإعمار في سوريا عملية سياسية قبل أن تكون اقتصادية، وهو ما يتجلى بوضوح في كوباني حيث يتحكم التوازن السياسي في توزيع الدعم والفرص.
الخلاصات والمقترحات
النتائج العلمية
- الاقتصاد المحلي في كوباني يعكس توازن القوى بين الإدارة والتجار والمنظمات، لا السياسات الرسمية.
- التسوية السياسية الحالية تحقق استقرارا دون تنمية.
- العدالة المؤسسية ضعيفة لأنها خاضعة للتفاهمات لا للقانون.
- القيود على المعابر تجعل الاقتصاد المحلي تابعًا للتوازنات الإقليمية.
النتائج العملية
- ضرورة تحويل التسوية من توازن بقاء إلى شراكة تنموية عبر إصلاح مؤسسات الترخيص والتمويل.
- دعم التعاونيات الإنتاجية كأداة لتقليل الاحتكار وتحسين الدخل.
- إنشاء صندوق تمويل محلي شفاف بإدارة مشتركة بين الإدارة والمجتمع المدني.
- تعزيز مشاركة النساء والشباب في المشاريع الصغيرة والريفية.
- تطوير مرصد اقتصادي محلي لمتابعة الأسعار والدخل وتقديم بيانات شفافة لصنّاع القرار.
إن هذه السياسات لا تهدف فقط إلى تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل إلى تحويل منطق التسوية السياسية من أداة لإدارة الأزمات إلى إطار للتنمية المحلية المستدامة. فالاستقرار الحقيقي في كوباني لا يتحقق بتجميد التوازن القائم، بل بتوسيعه تدريجيا ليشمل شرائح المجتمع كافة ضمن مؤسسات عادلة وشفافة.
الخاتمة
تكشف تجربة كوباني أن المجتمعات الخارجة من النزاع يمكن أن تعيد بناء اقتصادها بالاعتماد على تسويات محلية مرنة. لكن هذه التسويات، رغم أهميتها في منع الانهيار، تظل محدودة ما لم تتحول إلى مؤسسات دائمة تحقق العدالة وتخلق فرص نمو. تشكل هذه الدراسة مرحلة أولية من بحث أوسع يجريه الباحث حول الاقتصاد السياسي في مناطق الإدارة الذاتية شمال سوريا، بهدف استكشاف كيف يمكن تحويل التسويات المحلية من أدوات استقرار مؤقت إلى أسس لتنمية شاملة ومستدامة.
تنويه
تم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك ChatGPT (GPT-5)، كمساعد لغوي وباحث داعم في تطوير محتوى هذا العمل. ويتحمل الباحث المسؤولية الكاملة لمحتويات ونتائج هذا البحث.
————
المراجع
Allsopp, H., & Van Wilgenburg, W. (2019). The Kurds of Northern Syria: Governance, Diversity and Conflicts. London, UK: I.B. Tauris.
Brookings Institution. (2022). Networked authoritarianism and economic resilience in Syria. Washington, DC: Brookings Institution Press.
Devadas, S., et al. (2021). Growth in Syria: Losses from the war and potential recovery. Washington, DC: World Bank.
https://openknowledge.worldbank.org/entities/publication/77f887ce-afce-5125-9d97-1cede2a2c847.
Kelsall, T. (2018). Thinking and working with political settlements (Discussion Paper). London, UK: Overseas Development Institute (ODI).
Khan, M. H. (2010). Political settlements and the governance of growth-enhancing institutions (SOAS Working Paper No. 63). London, UK: School of Oriental and African Studies (SOAS), University of London.
Medarat Kurd. (2014, October 30). كوباني: الخسائر الاقتصادية لغزو داعش [Kobani: The economic losses of the ISIS invasion]. Medarat Kurd.
https://www.medaratkurd.com/2014/10/30/901/.
Syrian Center for Policy Research (SCPR). (2013). Socioeconomic roots and impact of the Syrian crisis. Damascus, Syria: SCPR.
The Cairo Review of Global Affairs. (2023). Reconstruction as a political economy issue: The case of Syria. Cairo, Egypt: The American University in Cairo.
United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR). (2015, February 28). Turkey: External update — Returns to Ayn-al-Arab (Kobane) cross 15,000 persons. Geneva, Switzerland: UNHCR.
https://reliefweb.int/report/turkey/turkey-external-update-28-february-2015.
World Food Programme (WFP). (2023, June). Syria Country Office: Market Price Watch Bulletin (Issue 102). Rome, Italy: World Food Programme.
https://fscluster.org/sites/default/files/documents/wfp_syria_price_bulletin_june_2023.pdf.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=83543






