الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا
حين نتحدث عن إقليم كوردستان، فنحن لا نتكلم عن مجرد مساحة جغرافية، بل عن واحدة من أقدم وأهم البؤر الحضارية على وجه الأرض.
في کوردستان، بين سهول هذه الأرض وجبالها، التقت الحضارات الكبرى، ومنها انطلقت الشرارة الأولى للثورة الزراعية وبدايات استقرار الإنسان وقراه الأولى، قبل أن تتطور الحياة وتستوي في جنوب بلاد ما بين النهرين.
كانت كوردستان، ولا تزال في عمقها التاريخي، معبراً رئيساً للثقافات والتجارة والهجرات البشرية.
وعلم الآثار اليوم لم يعد مجرد هواية لنبش الأرض والتنقيب العشوائي بحثاً عن الذهب والكنوز كما كان قبل قرنين، بل تحول إلى علم ميداني صارم ومختبري.
إنه يتقاطع مع علوم طبقات الأرض، والدراسات المناخية القديمة، وعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، والتحاليل الكيميائية، وتقنيات التأريخ بالكربون المشع.
هذا التداخل العلمي هو الوحيد القادر على فك رموز الماضي، وقراءة المكتشفات المادية والنصوص المنقوشة بعيداً عن المزاجية أو القراءات السطحية، ليقدم لنا الحقيقة التاريخية للجذور البشرية في بيئتها الأولى.
وفي قلب هذه الجغرافيا المتنوعة، تقف جبال زاغروس وكهوفها شاهداً حياً على هذا العرق التاريخي، وفي مقدمتها كهف شانيدر بمحافظة أربيل.
هذا الكهف لم يقدم لعلماء الآثار هياكل عظمية لإنسان “النياندرتال” يعود تاريخها لعشرات آلاف السنين فحسب، بل كشف عن وعي اجتماعي وإنساني مبكر.
لقد أظهرت الحفريات أن أولئك البشر الأوائل كانوا يعتنون بمرضاهم وعجزتهم، ويدفنون موتاهم بطقوس خاصة مع إكاليل من الزهور؛ وهو ما جعل عالم الآثار الأمريكي رالف سوليكي يطلق عليهم تسميته الشهيرة، “شعب الزهور الأول”.
هذه الدلائل هي امتداد رمزي وثقافي يربط بين إنسان هذه الجغرافيا في الماضي العتيق وسكانها اليوم عبر تقاليد وعادات متوارثة.
ولا يتوقف الأمر عند العصور الحجرية، فكوردستان كانت المسرح الأول لظهور القرى الزراعية وتدجين الحيوانات والنباتات في العالم.
آثار مثل المنسوجات القديمة، وأدوات العظم، وشبكات الصيد المكتشفة في قرى تاريخية کوردستانیة تؤكد أن هذه الأرض كانت السباقة في وضع أولى اللبنات للحضارة الإنسانية والاستقرار البشري.
لكن، أمام هذا الزخم الحضاري الهائل، حيث يضم الإقليم أكثر من 3150 موقعاً أثرياً مسجلاً في كوردستان العراق وحدها، نجد أنفسنا أمام تحد كبير، إن ما تم تنقيبه حتى الآن لا يشكل إلا نسبة ضئيلة جداً من مكنونات هذه الأرض.
واليوم، تشهد كوردستان حركة تنقيب واسعة تقوم بها بعثات أجنبية من جامعات أمريكية، وإيطالية، وفرنسية، وألمانية، ويونانية. ورغم أهمية هذا الجهد الدولي ومصداقيته العلمية، إلا أن ترك ملف التنقيب والتحليل معتمداً بشکل کبیر للرؤية الأجنبية وحدها يظل قصوراً كبيراً يمس أمننا الهوياتي والقومي.
وهنا تحديداً يكمن جوهر القضية، لماذا نغيب العقل والخبرة الكوردية عن هذه البعثات؟
إن الحاجة الكوردستانیة تحتم فرض وجود مستشارين وخبراء كورد كشركاء أساسيين داخل الفرق الدولية. فالخبير المحلي يمتلك ما لا تملكه البعثات الأجنبية، فهو يمتلك الفهم العميق للبيئة، والجغرافيا، والامتداد الثقافي والاجتماعي للتقاليد المتوارثة.
وجود المستشار الكوردي يضمن ربط الآثار بالتاريخ القومي للشعب الكوردي ربطاً علمياً متيناً، ويمنع أي قراءات مجتزأة أو تأويلات منحازة قد تطمس حقيقة الوجود الكوردي التاريخي، فضلاً عن توجيه عمليات الحفر نحو المواقع الاستراتيجية التي تخدم تاريخنا.
إلى جانب ذلك، فإن هذه الشراكة هي السبيل الوحيد لنقل التقنيات الحديثة والخبرات الأكاديمية إلى جامعاتنا وكوادرنا الوطنية مثل قسم الآثار في جامعة صلاح الدين وبقية الجامعات.
إن المعالم الأثرية في كوردستان هي وثيقة الوجود والدعامة الأولى لحماية الهوية القومية. معرفة هذا التاريخ وكتابته بأدلة مادية قاطعة هو السلاح الأقوى لقطع الطريق أمام أي محاولات للتهميش أو الإنكار، وهو الوسيلة الأرقى لتقديم مظلومية وحضارة الشعب الكوردستاني أمام المجتمع الدولي بلغة العلم والبرهان.
إن المعطيات الحضارية المكتشفة تضع أمام القيادة الرشيدة وصناع القرار في إقليم كوردستان فرصة استراتيجية سانحة للارتقاء بملف الآثار إلى موقع الصدارة ضمن الرؤية الوطنية الشاملة. إن التعامل مع التراث الأثري بوصفه أحد مرتكزات الهوية الوطنية والأمن القومي يمثل خطوة أساسية لترسيخ الحقوق التاريخية للإقليم، فالاستثمار في حماية الذاكرة الجمعية وتطوير المؤسسات الأكاديمية والمتحفية يشكل رهانا واعدا على تأمين الحضور الحضاري والثقافي المستدام لكوردستان في المحافل الدولية.
والمطلوب اليوم خطوات عملية شجاعة، منها فرض الشراكة العلمية الوطنية في جميع عقود التنقيب الدولية و تخصيص ميزانيات جادة لدعم الأبحاث والفرق المحلية و إنشاء مختبرات وطنية متطورة للتأريخ والتحليل داخل الإقليم بدلاً من الاعتماد الكلي على المختبرات الغربية وکذلك تطوير المتاحف والبنى التحتية لتكون كوردستان مقصداً لعلماء العالم وسياحة الفكر والحضارة.
إن الاستثمار في كشف أسرار أرضنا وحماية تاريخها هو استثمار حقيقي ومباشر في مستقبل الهوية والسيادة والوجود الثابت للشعب الكوردستاني على أرضه التاريخية.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






