التحرش: جريمة تُنتهك بها الكرامة ويصمت عنها المجتمع

بقلم دانية الشماس
في طريق عودتها من الجامعة، كانت تسير كعادتها مطمئنة، تحمل أحلامها الصغيرة في حقيبتها وملامح يومٍ عادي على وجهها. لكن في لحظة واحدة، تحوّل ذلك اليوم إلى ذكرى ثقيلة لا تُنسى. كلمة جارحة، نظرة متعمدة، واقتراب غير مبرر… لحظات قصيرة كانت كفيلة بأن تزرع في قلبها خوفًا طويلًا. عادت إلى منزلها صامتة، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها تعرف أن الصمت أحيانًا يكون نتيجة الخوف من مجتمع يسأل الضحية: “لماذا كنتِ هناك؟” بدل أن يسأل المعتدي: “بأي حق فعلت هذا؟”.
هذه القصة ليست حالة نادرة، بل صورة متكررة يعيشها كثيرون كل يوم. التحرش ليس موقفًا عابرًا ولا “تصرفًا طائشًا”، بل جريمة أخلاقية وإنسانية تنتهك كرامة الإنسان، وتسلبه شعوره بالأمان في الشارع، في العمل، في المدرسة، وحتى في الأماكن التي من المفترض أن تكون آمنة.
الأذى الذي يسببه التحرش لا ينتهي بانتهاء الموقف. أحيانًا يبدأ الألم الحقيقي بعده: خوف من الخروج، ارتباك في الكلام، فقدان للثقة، وشعور دائم بالقلق. قد يظن البعض أن الكلمة تُنسى، لكن الحقيقة أن الجرح النفسي قد يبقى سنوات، ويترك أثرًا لا يراه الناس لكنه يثقل قلب الضحية كل يوم.
الأخطر من التحرش نفسه هو الصمت الذي يحيط به. عندما نخاف من الكلام، أو نبرر للمعتدي، أو نلوم الضحية، فإننا نمنح الظلم فرصة ليكبر. الصمت لا يحمي أحدًا، بل يحمي المعتدي فقط. لذلك، فإن أول خطوة لمواجهة التحرش هي كسر حاجز الخوف، وبناء ثقافة تحترم الإنسان وتؤمن بحقه في الأمان.
نحن بحاجة إلى مجتمع يربي أبناءه على الاحترام لا التسلط، وعلى فهم أن كرامة الآخرين ليست مجالًا للسخرية أو الانتهاك. نحتاج إلى قوانين رادعة، وبيئات آمنة للإبلاغ، وأصوات شجاعة تقول بوضوح: لا مكان للتحرش بيننا.
فالكرامة ليست رفاهية، بل حق أصيل لكل إنسان. والتحرش جريمة لا تُبرَّر، ولا يجب أن تُقابل بالصمت. لأن المجتمع الذي يحمي كرامة أفراده هو وحده القادر على أن يكون مجتمعًا عادلًا وآمنًا للجميع

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top