فارس عثمان
ليس من السهل أن تُروى سيرة شاعرٍ مثل أحمد الحسيني بوصفها تسلسلا زمنيا فحسب، إذ إن حياته لم تكن مجرد محطات عابرة، بل كانت نسيجا كثيفا من الألم، والمنفى، والحلم، واللغة. لقد عاش حياته كما كتبها: سؤالاً مفتوحاً بين الولادة والموت، وبين عامودا والسويد، وبين الكردية كقدرٍ شعري، والعالم كمنفى دائم.
وُلد أحمد الحسيني عام 1955 في مدينة عامودا، المدينة التي كانت الذاكرة الأولى، والجرح الأول، والبذرة التي نبت منها صوته الشعري. نشأ في بيئة وطنية مثقفة ولكنها فقيرة، حيث كانت قسوة الحياة المبكرة منجم تجربته اللاحقة، في عامودا وفي طفولته، تعرّف إلى الشعر من زوايا غير مألوفة:
من غرفة ابن عمه، إلى دكانٍ صغير تُخفى فيه الكتب الكردية، إلى أصوات التلاوة والإنشاد التي كانت تمزج الروح بالوجع. هناك، بدأ يدرك أن اللغة ليست أداة فقط، بل مصير.
لكن الحدث الأكثر قسوة في تكوينه كان حريق سينما عامودا عام 1960، الذي أودى بحياة مئات الأطفال، ومن بينهم شقيقه. منذ تلك اللحظة، صار الحريق مفردةً مركزية في شعره: موتٌ يولد منه المعنى، وألمٌ يتحول إلى لغة.

كما طبعت حوادث الفقدان الأخرى جرحا عميقا في روحه، مثل مقتل خاله بالألغام، ووفاة صديقيه الشاعرين فصيح سيدا وكسرى عبدي في حوادث مأساوية. هذه الفجائع لم تكن ذكريات فقط، بل تحولت إلى وقود شعري دائم، حتى أنه تساءل:
“أأنا سليلُهما الأليم؟”
انتقل إلى دمشق، حيث درس الفلسفة في جامعة دمشق، وهناك بدأ وعيه الفكري يتبلور، وتعمّقت أسئلته حول الوجود، واللغة، والهوية.
في السبعينيات، سافر مع عائلته إلى بيروت، حيث عاش تجربة الفقر والمنفى والعمل المبكر، وهناك تعرّف إلى الشاعر الكردي الكبير جكرخوين، الذي ترك أثراً بالغاً في تكوينه الشعري، وفي بيروت المنفى والحياة الصاخبة بدأ مشروعه الحقيقي:
حيث قرر أن يكتب بالكردية في زمن كانت فيه اللغة نفسها مهمشة ومقموعة. لقد اختار الطريق الأصعب، مؤمناً أن الشعر ليس فقط كتابة، بل استعادة للروح الكردية.
في عام 1989 وعلى خطى جكرخوين غادر الحسيني إلى السويد، ليبدأ ليجتر نار المنفى الطويل. هناك، لم يكن المنفى مجرد غربة جغرافية، بل تحول إلى سؤال وجودي دائم، عبّر عنه بقوله الشهير:
“في عامودا وُلدت، وفي السويد سأموت، ولا أعرف أين سأُدفن”
في السويد، تبلورت تجربته الشعرية بشكل أوضح، وبدأ يكتب نصوصا تمزج بين الحنين والأسئلة الفلسفية والبحث عن المعنى. كما انخرط في النشاط الثقافي الكردي، وساهم يشكل مباشر في تأسيس HRRK اتحاد مثقفي روجآفاي كردستان عام 2004، ومع رفاقه وأصدقائه ساهموا في بناء فضاء ثقافي للأدب الكردي في المهجر.
لم يكن شاعراً منعزلا، بل كان حاضرا في العمل الثقافي والإعلامي، مقدما برامج حوارية، ومنظما فعاليات، وداعما للمواهب الشابة، مؤمنا أن الثقافة فعل مقاومة لا ترف.
مع اندلاع الأحداث في سوريا، عام 2011 قرر العودة إلى الجذور فترك السويد وعاد إلى روج آفا كردستان، وبدأ منذ عام 2013 زيارات متقطعة إلى قامشلو، ثم استقر فيها نهائياً عام 2016.
في قامشلو، لم يعد مجرد شاعر، بل أصبح روحا ثقافية حية. وبجهوده ام نقل مركز اتخاد المثقفين في روج آفاي كردستان HRRK إلى الوطن، وحوّله إلى فضاء مفتوح للجميع: للشعراء، والكتّاب، والفنانين، والحالمين.
كان حضوره إنسانيا بقدر ما هو أدبي، عُرف بكرمه، وقربه من الناس، ودعمه المستمر للشباب، حتى أصبح بالنسبة لكثيرين “شيخ القصيدة الكردية”.
ترك أحمد الحسيني إرثاً أدبياً مهماً، تمثل في 15 كتابا في الشعر والأدب، إضافة إلى ترجمته لرواية الجندب الحديدي لسليم بركات من اللغة العربية إلى الكردية، في محاولة لمدّ الجسور بين اللغات.
وفي عام 2015، صدرت أعماله الكاملة، لتوثّق مسيرته الشعرية. ومن أبرز أعماله:
1- حفنة من الحزن العنيد
2- بحلمكم أُهدهد القلم
3- رونو
تميّز أسلوبه بالجمع بين العمق الفلسفي واللغة الكردية الحية، وسعى إلى تجاوز المرحلة التقليدية في الشعر الكردي، داعيا إلى “إخصاب الروح الكردية” بلغة جديدة تنبع من الألم والتجربة.
في عام 2023، اكتشف إصابته بسرطان الرئة، فعاد إلى السويد لتلقي العلاج، واستمرت معاناته نحو ثلاث سنوات زار خلالها عامودا وقامشلو لعيش الحياة حتى آخر رمق.
وفي 10 مارس 2026، رحل في ستوكهولم عن عمر ناهز 71 عاما، بعيداً عن مدينته التي أحبها وأصدقائه وطلابه الذين كانوا يبنون الآمال عليه، وفي مراسم وداعه عائدا من السويد حيث سبقه جكرخوين، مر على آمد التي كتب لها وعنها لتودعه ويودعها، وفي طريقه من آمد بمر بجزيرة بوتان لتتكحل عيون مم وزين، وبعد دجلة مر على ديركا حمكو، ورميلان الكرد، وجل آغا وتربه سبيي، ليحط الرحال قليلا في قامشلوكا أفيني التي ودعته بحمله الثقيل من الشعر السهل والممتنع إلى شمولا مرددا منها أخرجناكم وفيها نعيدكم بانتظار الخروج النهائي مرة أخرى.
الوداع الشيخ أحمد الحسيني تركت بصمة هي ككل البصمات التي لاتشبه أية بصمة، باسمي وباسم كافة الزملاء والاصدقاء اكتب عنك ولك، لا لنرثيك لا ، فقط هي رد بعض الجميل الذي زرعته في HRRK واليوم نحتفل معك وفي مقر HRRK اتحادك الذي اسسته لكتاب روج آفاي كردستان ليبقى قبلة للكلمة والهمسة الحرة في آذان الكرد قائلا: اتحدوا bi bin yek.. .لم يكن أحمد الحسيني مجرد شاعر، بل كان تجربة كاملة: تجربة إنسانٍ عاش الألم وحوّله إلى لغة، وعاش المنفى فحوّله إلى معنى، وعاش الكردية فرفعها إلى مستوى الحلم.
لقد أخطأ حين قال إنه سيموت، لأن الشعراء من طينٍ آخر.
يبقون حيث كتبوا،
وحيث أحبوا،
وحيث تركوا كلماتهم معلّقة كنجوم تنتظر من يقرأها.
قامشلو: 16-3-2026
مقالات قد تهمك
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=85042






