الطعن في العشائر الكوردية مخطط منظم لإلغاء كوردستانية الجزيرة 5/6

د. محمود عباس

العدوّ الحقيقي لا يحتاج إلى احتلالك؛ يكفيه أن يُفكّكك من الداخل. فحين تُستبدل الأمة بالعشيرة، والعشيرة بالعائلة، تتحوّل كوردستان من قضية تاريخية إلى هامشٍ في دفتر الأنساب.

ومن هنا تبرز ضرورة التمييز الدقيق بين السيطرة السياسية والعسكرية التي مارستها الإمبراطوريات الإسلامية على كوردستان، وبين التوطين السكاني الفعلي. فالتاريخ لا يقدّم، منذ الغزوات العربية الأولى التي جاءت تحت غطاء الإسلام، أي دليل على عمليات توطين عربية مستقرة في الجزيرة الكوردستانية. أما التسميات التي وردت في المدونات العربية، فهي في جوهرها نتاج سردية سلطوية ولغوية درجت على إطلاق اسم القبيلة أو القائد المسيطر على الإقليم الخاضع للنفوذ، لا على سكانه الحقيقيين. ومن هذا المنطق جاءت تسميات مثل ديار بكر، وديار مضر، وبكر، وربيعة، في حين لا يثبت الواقع التاريخي استقرار عائلات من هذه القبائل في كوردستان أو في المناطق التي حملت أسماءها.

الأكثر فداحة أنّ المؤسسات العاملة على هذا المخطط ذهبت إلى حدّ نشر صور وأرشيف وهمي يدّعي أنّ الفرق الحميدية تشكّلت من قبائل عربية في ماردين ونصيبين، كعشيرة طي، بزعم أنّها شكّلت فرقتين حميديتين. في حين أنّ قبيلة طي، المعروفة تاريخيًا بالتنقّل والرعي، لم تعرف الاستقرار الحضري إلا بعد عام 1910 في بعض المناطق. وما يُنشر من أرشيف في هذا السياق ليس إلا تزويرًا متعمّدًا يخدم الغاية ذاتها، خلق تاريخ عربي مُختلق للجزيرة الكوردستانية، ومحو تاريخ العشائر الكوردية العريقة منها.

وعلى هذا الأساس، فإن موجة ما يُسمّى بـ«إحياء الصراعات العشائرية» التي تضرب المجتمع الكوردي اليوم ليست ظاهرة اجتماعية عفوية، ولا حنينًا بريئًا إلى الماضي، ولا تعبيرًا فولكلوريًا عن هوية منسية، بل هي عملية تفكيك مُدارة، ومخطَّط لها بعناية، ومجندة سياسيًا، تُنفَّذ في أخطر لحظة يمرّ بها الشعب الكوردي منذ قرن.

نحن، في الحقيقة، أمام مشروع خبيث لإعادة تفجير المجتمع الكوردي من الداخل، في لحظة تاريخية بلغت فيها القضية الكوردية مستوى غير مسبوق من الحضور الدولي، وخرجت من دائرة الإنكار إلى طاولات البحث والضغط والاعتراف. وهذا ما يجعل من مواجهة هذا المخطط ضرورة وجودية، لا سجالًا فكريًا عابرًا.

وحين عجز أعداء الكورد عن كسر هذا المسار بالقوة العسكرية، أو إجهاضه بالإقصاء السياسي، انتقلوا إلى سلاحٍ أخطر وأمضى: ضرب الذاكرة، وتفكيك المجتمع، وتشويه التاريخ، ولكن هذه المرّة بأدوات كوردية الشكل، معادية في الجوهر.

ومنذ فترة، بات واضحًا أنّ فلول النظام البائد، التي عملت طويلًا على الطعن في الوجود الكوردي في غربي كوردستان، مرةً بذريعة «الأغلبية والأكثرية»، ومرةً أخرى تحت الجدلية المهترئة القائلة إنّ «الكورد مهاجرون إلى المنطقة»، قد انتقلت اليوم إلى مستوى أشدّ خبثًا، تحريض العشائر الكوردية بعضها على بعض، والطعن غير المباشر في كوردستانية الجزيرة، عبر تشويه تاريخ العشائر الكوردية الحضرية العريقة، مثل دوركا وعسفاتا، وآباسا، كاسكا، وحجي سليمانا، ودقورية، وكيكيه، والبرازية، والملية وغيرها، ضمن نطاقٍ جغرافي محدّد من الجزيرة الكوردستانية، وإعادة إنتاج سرديات قديمة بلغة «بحثية» ملتوية، وبأقنعة كوردية.

ما يقوم به المتربّصون بالأمة الكوردية اليوم، عبر تجنيد مجموعات من الذباب الإلكتروني، لا يختلف في جوهره عمّا كانوا يفعلونه سابقًا حين جندوا بعض الأقلام لكتابة المقالات ونشر الكتب التي روّجت لمقولة «الكورد مهاجرون إلى سوريا». وما يجري اليوم بحقّ بعض العشائر الكوردية العريقة في الجزيرة الكوردستانية ليس صدفة ولا اجتهادًا فرديًا؛ فالنمط واحد، والمنهج واحد، والغاية واحدة.

الآلية واضحة، تمجيد انتقائي لعشائر كوردية حديثة النزوح، مقابل تفكيك تاريخ العشائر الكوردية العميقة الجذور في الجزيرة، وإعادة أصولها قسرًا إلى شمال كوردستان، لا تكريمًا لها، بل لنزع صفتها الحضرية التاريخية عن غربي كوردستان، وتجريد الجزيرة من عمقها الكوردستاني.

يتبع …

الولايات المتحدة الأمريكية

14/12/2025م

Scroll to Top