(الظاهرة السفيانية) هل كان أبو سفيان أول ملحد بالإسلام؟

تكبير الصورة

أحمد الرمح
المدخل:
لفتَ انتباهي أثناء متابعتي لما يجري في سوريا من تحولات مصلحية ونفاقية عند بعضهم؛ إذ وجدتُ أشخاصاً منهم مَنْ عَمِلَ مع رموز الفساد في النظام السابق؛ وكان معروفاً بفساده ونفاقه وإلحاده، ولما سقط الأسد؛ انحاز إلى السلطة الجديدة؛ وبدأ يُطَبّل لها! وآخر كان يمجد النظام السابق، وكتب فيه شعراً؛ وكان يتفاخر بإلحاده؛ ويجاهر بإفطاره برمضان! ما فاجئني بالشخصية الثانية؛ أنني شاهدتُ “فيديو” له يحاضر بالثوار عن عظمة النظام الجديد؛ وقبح النظام القديم! أما الثالث فقد كان يكتب على صفحته (بالفيسبوك) عبارات الكفر والإلحاد؛ ولما جاء النظام الجديد؛ بات من أركانه في أهم مؤسسة تشريعية؛ فقفزت إلى ذهني شخصية “أبي سفيان” زمن رسالة النبي ﷺ ومعاداته لرسالة الإسلام أيام كفره؛ ثم لما انتصر الإسلام كيف انقلب؛ وبات عند بعضهم من رموز المرحلة الجديدة.
الإلحاد في الظاهرة السفيانية!
ظاهرة “أبي سفيان” في تاريخ الإسلام؛ ظاهرة ترمز للنفعية والوصولية واستغلال الدين لمآرب سلطوية وطائفية؛ وهي ظاهرةٌ وُجِدَتْ عبر التاريخ في كل مكان وزمان وثورة! والتاريخ سجل لنا تلك الظاهرة ومواقفها المتقلبة والوصولية بحسب مصلحتها؛ حتى ذكر لنا أنّ “أبا سفيان” كان أولَ ملحد بالإسلام.
بدأ “أبو سفيان” مشروعَه بالسطو على الإسلام بعد وفاة الرسول ﷺ؛ حينما خطط لتحويل الإسلام إلى مشروع سياسي؛ تُحتكرُ السلطةُ فيه أموياً؛ فهو أحد أهم وجهاء قريش الجاهلية؛ ومن الطلقاء؛ ولم يكن يؤمن بالإسلام؛ بل كان ملحداً! إذ تقول الرواية التاريخية:
عندما بويع “عثمان بن عفان” بالخلافة، دخل إلى “أبي سفيان” بنو أبيه حتى امتلأت بهم الدار؛ ثمّ أغلقوها عليهم، فقال “أبو سفيان”: أعندكم أحدٌ من غيركم؟ قالوا: لا. قال: يا بني أمية تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به “أبو سفيان” ما من عذاب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة!
هذه الرواية في إلحاد “أبي سفيان” ووصوليته؛ واستغلاله للدين؛ رواها المؤرخ “المسعودي” في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر) و”اليعقوبي” في تاريخه المعروف؛ و”ابن أبي الحديد” في (شرح نهج البلاغة)؛ وذكرها “ابن كثير” في (البداية والنهاية) لكنه طعن بسندها! وكذلك فعل “ابن تيمية” في كتابه (منهاج السنة) لكون رواتها الثلاثة متعاطفون مع آل البيت؛ لكن هذا الطعن يتساقط ــ على مبدأ نفي النفي ــ لكون “ابن كثير” وشيخه “ابن تيمية” من أصحاب الهوى الأموي كما هو معروف.
لكنّ “الطبري” وهو إمامُ المؤرخين ومرجعُ أهل السنة بالتاريخ والتفسير؛ ذَكرَ روايةَ إلحاد “أبي سفيان”! لما تحدث عن أحداث سنة 284 هـ؛ حيث نقل كتابَ “المعتضد في بني أمية” وأورده كاملًا في تاريخه! كما ذكرها أيضاً “أبو الفرج الأصفهاني” في كتابه الشهير “الأغاني”. رغم اعتراض علماء الحديث على سندها.
وأشارت كتبُ السيرة إلى إلحاد “أبي سفيان”! إذ جاء في السيرة النبوية لابن هشام نقلاً عن “ابن اسحق”: لما دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام؛ فأجابه “أبو سفيان” بعد تردد: أما هذه (أي الشهادة بأن لا إله إلا الله) فقد وقع منها في نفسي شيءٌ. ولقد أورد صاحب “السيرة الحلبية” الرواية بلفظ: أما والله هذه (أي الشهادة بأن لا إله إلا الله) فإن في النفس حتى الآن منها شيئاً!! ولا ننسى حقده على الإسلام والمسلمين في موقعة “حنين” الشهيرة!
سيشتعل الأمويون الجدد عليّ غضباً؛ ويثور غلمان السلفية على مقالي هذا؛ دعوا كلَّ هؤلاء القدماء مِمَنْ قَبِلَ أو رفض الرواية؛ ولنستمع إلى “محمود محمد شاكر” “أبي فهر” إمام السلفية في عصره؛ وأحد أبرز الأدباء والمحققين والمفكرين العرب في القرن العشرين حيث يقول في كتابه (جمهرة مقالات محمود محمد شاكر):
“أبو سفيان هو ذلك الرجل الذي لقي الإسلام منه والمسلمون ما حفلت به صفحات التاريخ، والذي لم يُسلمْ إلا وقد تقررت غلبة الإسلام. فهو إسلام الشفة واللسان، لا إيمان القلب والوجدان. وما نفذ الإسلام إلى قلب ذلك الرجل قطّ، (وانتبه إلى كلمة قط) فلقد ظلّ يتمنى هزيمة المسلمين ويستبشر لها في يوم حنين، وفي قتال المسلمين والروم فيما بعد، بينما يتظاهر بالإسلام. ولقد ظلت العصبية الجاهلية تسيطر على فؤاده….وقد كان أبو سفيان يحقد على الإسلام والمسلمين، فما تعرض فرصة للفتنة إلا انتهزها.”…….”ولقد كان أبو سفيان يحلم بملِك وراثي في بني أمية منذ تولى الخلافة عثمان….وما كان يتصوَّر حُكمَ المسلمين إلا ملكاً. حتى في أيام محمد ﷺ، فقد وقف ينظر إلى جيوش الإسلام يوم فتح مكة، ويقول للعباس بن عبد المطلب: “والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً”، فلما قال له العباس. إنها النبوّة! قال: نعم إذن”!.
اعتراض ورد!
يستشهد المدافعون عن “أبي سفيان” بواقعة شهادته للرسول ﷺ لما سأله هرقل عن النبي. هذه الحادثة كما هي في “صحيح البخاري” وغيرها من الكتب الحديث والتاريخ؛ وقعت بعد عقد (صلح الحديبية) بين النبي ﷺ وقريش كما يدعون! إذ كان “أبو سفيان” في رحلة تجارة إلى الشام، فوصل كتاب النبي إلى “هرقل” مع الصحابي “دحية الكلبي”، فاستدعى “هرقل” “أبا سفيان” ليسأله عن محمد ﷺ. فشَهِدَ “أبو سفيان” شهادة صدق عظيمة بحق محمد ﷺ.
ونرد علمياً على هذه القصة المفبركة؛ بقاعدة علماء الحديث أنفسهم التي تقول (إذا استخدموا الكذبَ؛ استخدمنا لهم التاريخ)؛ فهذه الحادثة التي تدعم “أبا سفيان” ويستشهد بها الوعاظ والخطباء؛ ليست صحيحة بالمنطق العلمي والتحقيق التاريخي؛ ناهيك عن سردها بطريقة مسرحية للأسباب التالية:
صلح الحديبية بالتحقيق التاريخي وقع في (مارس/أبريل 628 م). وأنتم تقولون إن النبي أرسل رسالة إلى “هرقل يدعوه للإسلام بعد “صلح الحديبية”. وترافقت رسالة النبي مع وصول “ابي سفيان” للشام؛ فاستدعاه “هرقل” ليسأله عن صدق ورسالة محمد. لكنْ:
1ـ التحقيق التاريخي يؤكد أنّ بلاد الشام في ذلك التاريخ تحديداً؛ كانت محتلة من قبل الفرس (الدولة الساسانية)؛ وقاد “هرقل” حملة عسكرية لطرد الفرس من بلاد الشام؛ ولما استعاد بيت المقدس من الفرس؛ عَقَدَ الصلحَ مع الفرس بشرط انسحابهم من بلاد الشام؛ وتسليمها له! فزار الشام سنة 630 م احتفالاً بتحريرها من الفرس؛ قَبْلَ ذلك لم يدخل دمشق بحسب المراجع التاريخية إطلاقاً؛ فكيف يكون قد التقى “أبا سفيان” في سنة 628 م؟ وهو لم يدخلها قبل عام 630 م؟ وكانت محتلة فارسياً؛ إذن تاريخياً لقاء “أبي سفيان” بهرقل واقعة مزيفة لا حقيقة لها إطلاقاً.
2ـ أول زيارة لـ”هرقل” إلى بلاد الشام بعد انتصاره على الفرس وطردهم من مصر والعراق وبلاد الشام كانت إلى القدس بعد استعادة “الصليب المقدس” عام 630 م وهذه الزيارة ثابتة في المصادر البيزنطية. ودخل قبل ذلك العراق بعد أنْ انتصر على الفرس في معركة “نينوى” عام 627 م. وما بين 622 و627 م كان مشغولًا بالحرب في الأناضول والقوقاز والعراق. وفي أوائل 628 م كان ما يزال منشغلًا بترتيب الصلح مع الفرس. وقد خرج لتوه من حرب استمرت أكثر من (25) سنة مع الدولة الساسانية الفارسية.
3ـ الروايات التاريخية الإسلامية للقاء “هرقل” مع “أبي سفيان” تختلف حتى في مكان اللقاء؛ فبعض الروايات تقول: في إيلياء (القدس). وبعضها الآخر يُفهم منه أنه كان في حمص. وروايات أخرى لا تحدد المكان أصلًا. وهذا الاختلاف يجعلنا ننفي وقوع اللقاء أساساً.
4ـ المصادر والمراجع البيزنطية المعاصرة والسريانية التي أرَّخت لأحداث القرن السابع الميلادي؛ لم تنقل هذا الحوار أبداً.
5ـ المؤرخون الغربيون؛ وقفوا عند هذه الحادثة مثل “فريد دونر” الباحث في التاريخ و”باتريشيا كرون” المُحَاضِرة والباحثة بالتاريخ الإسلامي في “جامعة كامبريدج”؛ والمؤرخ “شون أنتوني” المتخصص بالسيرة النبوية وصاحب كتاب “محمد وإمبراطوريات الإيمان”. هؤلاء قالوا بعد دراسة قصة “أبي سفيان” و”هرقل”: الرواية تحمل طابعاً أدبياً ولاهوتياً أكثر من كونها محضراً تاريخياً حرفياً. ولا يمكن الجزم بمصداقيتها.
6ـ إنّ المصادر الإسلامية التي ذكرتها ـــ البخاري والطبري وغيرهما ــ مصادر كُتِبَتْ بعد ثلاثة قرون من الحادثة؛ مما يفقدها مصداقيتها؛ مقارنةً بالمصادر البيزنطية والسريانية المكتوبة أيام الحادثة؛ ولم تأتِ على ذكرها.
7ـ الرواية تقول إنّ “هرقل” أكبر زعيم بالعالم آنذاك استدعى بنفسه “أبا سفيان” وأجلسه أمامه! ووضع أصحابه خلفه! وطرح عليه الأسئلة! ولقد درس المؤرخون المعاصرون هذا “السيناريو” وقالوا هذا تقليدٌ غير متبع “بروتوكولياً” آنذاك؛ ومثل هذا الحدث يكفي أن يقوم به رئيس ديوان “هرقل” أو مسؤول المراسلات عنده، أو أحد القادة العسكريين؛ أو بطاركة البلاط؛ وليس “هرقل” بنفسه.
8ـ مما سبق؛ فإنّ منهج إثبات الحدث تاريخياً؛ ينفي وقوع اللقاء بين “أبي سفيان” و”هرقل” وأنّ حوارهما تم بصياغة أدبية ظاهرةُ الصناعة رغم إنّ منهج المحدثين يرويها بسند صحيح. لذلك يميز المؤرخون بين “النواة التاريخية المحتملة” و”الصياغة الأدبية للرواية”.
في النهاية:
لا يهمني إن كان أبو سفيان مؤمناً أم ملحداً؛ ولكن الظاهرة السفيانية؛ أنموذج للمناقين والمتسلقين الذين يسرقون الأوطان والثورات وتضحيات الشعوب باسم الدين؛ فالظاهرة السفيانية بشخصياتها الوصولية والانتهازية يؤكدها الإمام “الطبري” حينما يروي لنا رواية خطيرة تقول إن “أبا سفيان” مرَّ بقبر “حمزة” عمِّ النبي بعد وفاة الرسول ﷺ وخاطبه قائلاً: يا أبا عمارة، إن الأمر الذي قاتلناكم عليه بالأمس صار في أيدينا اليوم.
إنّ الواقع والمعاصرة تؤكد لنا استمرار الظاهرة السفيانية في كل مكان وزمان وثورة! ما دام الانحياز القومي والطائفي حاضراً؛ ومُوَجِهاً لعواطفنا وسلوكنا الانفعالي؛ والوعي غائباً؛ والحق مغيباً. وما دام الانتهازيون قادرين على التلون كالحرباء في كل عهد وسلطة،
وأمثال النماذج الثلاثة وغيرهم كثير في العهد الجديد؛ إنهم من ذرية “أبي سفيان” الموجودة بكل ثورة. وإنا لله وانا اليه راجعون.

× Zoomed Image
Scroll to Top