العدالة الانتقالية

العدالة الانتقالية

  المحامي: باسل عبدي

بعد أكثر من عقد من الصراع وسقوط النظام السوري البائد، تبدو سوريا اليوم في أمسّ الحاجة إلى مقاربة جادّة وشاملة للعدالة الانتقالية، باعتبارها المدخل الأساسي لبناء دولة مستقرة قائمة على الثقة بين المواطنين والمؤسسات، فغياب المحاسبة، وتراكم الانتهاكات، وتشتت مؤسسات الدولة، كلها عوامل تجعل من الانتقال السياسي أو الاجتماعي عملية محفوفة بالمخاطر إن لم تترافق مع منظومة عدالة واضحة المعالم.

ما هي العدالة الانتقالية؟

العدالة الانتقالية هي مجموعة من الآليات القانونية والسياسية والمجتمعية التي تُطبّق في الدول الخارجة من النزاعات أو الحكم الاستبدادي، بهدف معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وضمان عدم تكرارها، وتشمل هذه الآليات:

  1. المساءلة والمحاكمات العادلة.
  2. إنشاء لجان الحقيقة.
  3. جبر الضرر والتعويضات.
  4. إصلاح مؤسسات الدولة (الأمن، الجيش، القضاء).
  5. حفظ الذاكرة ومنع تكرار الانتهاكات.

هذه الأدوات ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل تجارب أثبتت نجاحها في بلدان عديدة مثل جنوب أفريقيا ورواندا وتشيلي.

لماذا تحتاج سوريا إلى العدالة الانتقالية؟

إن سياق الحرب السورية يختلف بتعقيداته وتشابكاته، لكنه يشترك مع غيره من النزاعات في نقطة مركزية: أن أي سلام لا يمكن أن يترسخ دون عدالة.

الحاجة السورية للعدالة الانتقالية تتجلى في النقاط الآتية:

  1. حجم الانتهاكات وتعدد الجهات:

ارتكبت مختلف الأطراف انتهاكات واسعة: قتل خارج القانون، تهجير، إخفاء قسري، تعذيب، تجنيد أطفال، تدمير ممتلكات، وغيرها. معالجة هذه الانتهاكات بشكل انتقائي أو سياسي ستفشل، ولذلك لا بد من نموذج شامل يضمن محاسبة عادلة وغير انتقامية.

  1. فقدان الثقة بين المجتمع والمؤسسات:

الفساد، وإساءة استخدام السلطة، والانقسامات العميقة جعلت السوريين/ات يشعرون بأن الدولة لم تعد تمثلهم. العدالة الانتقالية تعيد بناء هذه الثقة عبر مؤسسات جديدة أو مُعاد إصلاحها، تعمل وفق القانون وحقوق الإنسان.

  1. ضمان السلم الأهلي ومنع الانتقام:

بدون جبر ضرر واضح يعترف بمعاناة الضحايا ويعيد الاعتبار لهم، ستبقى مشاعر الظلم ناراً تحت الرماد. تجارب الدول الأخرى أثبتت أن معالجة الجراح بشكل منظم تمنع انفجار دوامات انتقام جديدة.

  1. الحاجة لحقيقة موحّدة:

تعدد الروايات حول ما جرى في سوريا خلق فجوة بين شرائح المجتمع، لجان الحقيقة يمكن أن تساهم في رسم رواية وطنية قائمة على الحقائق، لا على الدعاية أو التوظيف السياسي.

التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية في سوريا:

رغم أهميتها، فإن تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا يواجه عقبات كبيرة:

– غياب الحل السياسي الشامل.

– تعدد السلطات القضائية والأمنية في البلاد.

– التدخلات الإقليمية والدولية.

– الخوف من المحاسبة لدى القوى المسيطرة.

– الانقسام المجتمعي والهوية الوطنية الهشة.

هذه التحديات لا تجعل العدالة الانتقالية مستحيلة، لكنها تعني أنها تحتاج إلى تصميم وملاءمة للسياق السوري، بدل نقل نماذج جاهزة.

يمكن للسوريين، رغم الانقسام، الاتفاق على الحد الأدنى من مبادئ العدالة الانتقالية:

  1. وضع إطار قانوني وطني للعدالة الانتقالية: يُراعي الخصوصية السورية ويتقاطع مع القانون الدولي.
  2. إنشاء هيئة وطنية للحقيقة والمصالحة: مستقلة، تشارك فيها مختلف المكونات، وتوثّق كل الانتهاكات دون انتقائية.
  3. إصلاح قطاع القضاء والأمن: عبر تدريب، وتغيير أطر العمل، وإبعاد المتورطين في الانتهاكات الجسيمة.
  4. تعويض الضحايا وجبر الضرر: من خلال برامج مادية ومعنوية تشمل الاعتذار الرسمي، استعادة الحقوق، وإعادة الدمج.
  5. حفظ الذاكرة الوطنية: عبر المتاحف، المناهج التعليمية، وأرشفة شهادات الضحايا.

خاتمة:

العدالة الانتقالية ليست مشروعاً للانتقام أو لتصفية الحسابات، بل حجر الأساس لبناء سوريا جديدة تُكرّم الضحايا وتعيد النسيج الاجتماعي وتبني دولة قانون، ما بعد الحرب ليس نهاية، بل بداية جديدة تحتاج إلى شجاعة واعية وإرادة وطنية.

إن فتح النقاش حول العدالة الانتقالية اليوم، رغم الظروف المعقدة، هو خطوة ضرورية حتى لا تُترك ذاكرة السوريين رهينة النسيان أو التلاعب، وحتى تُبنى سوريا على العدالة لا على الخوف.

 

 الحزب اليساري الكردي في سوريا

Scroll to Top