بير رستم
إننا لا ننكر بأن بعض أبناء شعبنا أجبرتهم الظروف للعمل في بعض المهن التي يعتبرها البعض مذلة للإنسان مع أن لا إذلال في أي مهنة وعمل، بل الإذلال هو أن تتقاعس عن العمل وتحية لنفسك للآخرين، المهم هناك من يأخذ على الكرد بأنهم عملوا في أعمال مذلة بقناعة هؤلاء؛ مثل مهنة تلميع الأحذية بشوارع المدن السورية والتي جعلوها رمزاً للكردي وذلك بالرغم أن هذه المهنة لم تكن حكراً على شعبنا، بل كانت وسيلة لعدد كبير من الفقراء الذين لم يكونوا يملكون رأس مال أو مهنة للعمل بهم وكانت الظروف دفعتهم للهجرة من قراهم والعيش في أحزمة الفقر للمدن الكبيرة، مثل حلب ودمشق، يعني لو كان من قضية تتعلق بهؤلاء فهي التعاطف معهم وليس إذلالهم والسخرية منهم وخاصةً ممن يدعي الثورية ورفض للنظام السابق والذي كان قد أفقر هؤلاء ولم يوفر لهم عمل يليق بكرامة الإنسان وبالتالي السخرية منهم هو استمرار لما فعله البعث ونظامه البوليسي بالشعب السوري وفي المقدمة منهم الكرد، وهكذا السخرية تعني هنا إستمرار لفكر ومنهج البعث العنصري تجاه هذه الشريحة الاجتماعية.
لكن دعونا من كل تلك الترهات عن محاولات هؤلاء السخفاء والمبتورين الذين يحاولون إلباس الكرد أثواباً ليس لهم ولا تناسب أخلاقهم وشهامتهم ورجولتهم، ونقصد ما يرمز له بصندوق البويا، وللدلالة على ما نقول فإننا سنستشهد بظاهرة عاشها كلنا في أيام الخدمة العسكرية؛ ألا وهي خدمة “الحاجب” لدى ضابط، فهل رأيتم بعمركم كردي يقبل أن يصبح حاجباً لدى أي ضابط؟! وهنا أتذكر حادثة صارت معي في الخدمة حيث خدمت عسكريتي بالآمرية؛ وهي قيادة القوى الجوية، وذلك في إدارة الإدارة الذاتية، يعني عملنا كان تتعلق بمسألة الفرز والاختصاص للعساكر الذين يلتحقون بالقوى الجوية حيث نحدد اختصاصاتهم ونوزعهم على الوحدات والألوية التابعة للقوى الجوية وكلٌ بحسب الاختصاص والمهنة التي تتطلبها تلك المراكز، وكان أحياناً يطلب منا بعض الضباط أن نسأل إن كان أحدهم يريد أن يعمل حاجباً، طبعاً لازم يكون حسن الهندام والقوام!!
وفعلاً كان يقبل الكثيرين من أبناء المدن خاصةً هذا العمل، بينما أبناء الريف عموماً كانوا يرفضونها وبالأخص ريف الشرق من الأخوة بالدير والرقة والحسكة وكذلك كل من الشمال والجنوب؛ يعني الكرد والدروز والعلويين والبدو والشوايا وعموم أبناء العشائر حيث يعتبرونها مذلة بحقهم، بينما وكما أسلفنا؛ فإن أبناء المدن من الذين “عضمهم طري”، كانوا يرجوننا أن نؤمن لهم مكان كحاجب لدى أي ضابط، وهنا أتذكر حادثتين مرتا معي وأنا أقوم بعملي في الإدارة وفيما يتعلق بالفرز والاختصاص وكلاهما كرد كي لا يقول أحد؛ وهل بكل عمر الجيش ما أنوجد ولا كردي حاجب؟! نعم ربما لكن هؤلاء كانوا من النوادر ومنبوذين من أبناء جلدتهم وأتذكر جاءني أحد المجندين وهو يحمل ورقة فيها أسماء أربعة من الملتحقين الجدد يريدون أن يصبحوا حجاب، وكان من بينهم شاب تجنيده عفرين ويقيم بحلب، فقمت بحذف اسمه وعملت له بهدلة، طبعاً هو حاول أن يبرر سلوكه بأنه متزوج والحجابة راح تسهل له كل فترة يأخذ إجازة، بينما وبالمقابل فإن شاب آخر أتينا به للآمرية كي يصبح خياطاً في ورشتها، لكن اللواء المسؤول عن إدارتهم أراده حاجباً فرفضها بقوة ونحن دعمناه حيث جاء وأستشارني مستنكراً؛ أن كيف قلنا بأنه سيكون خياط، بينما اللواء يريده حاجب وهو لا يقبل أن يصبح كذلك، فطلبت منه الرفض. وفعلاً رفض ذلك بالرغم من كل الإغراءات والتهديدات.
باختصار ما وددنا قوله هو التالي:
بأن مهنة تلميع الأحذية ليست بالتي تذل صاحبها فهي مثلها مثل أي عمل آخر يحاول من يمارسها أن لا يكون محتاجاً لإذلال نفسه للآخرين، كما إنها ليست حكراً على شعب وفئة اجتماعية محددة، كي يأتي سفيه عنصري مأزوم نفسياً وأخلاقياً لكي يجعلها صفة لذاك المكون والفئة الاجتماعية، وإن كان من يجب أن يدان في هذه القضية فهي الظروف والسلطات التي جعلت هؤلاء الأشخاص يجبرون على العمل بهكذا أعمال يعتبرها هؤلاء مذلة وبالتالي فهي إدانة لهم كما لتلك السلطات العنصرية الشوفينية والتي يزعمون بأنهم خرجوا للثورة عليها، فهل بربكم هذه أخلاق من يعتبر نفسه ثورياً وخرج على نظام فاسد ظالم أفقر المجتمع السوري عموماً بحيث جعل البعض يلمع الأحذية، ولذلك أي سخرية من هؤلاء يجعلك مشاركاً مع ذاك النظام الديكتاتوري الظالم وبأنك ليس إلا نتاج تلك الذهنية والعقلية العنصرية ولا تستحق الاحترام يا من تحمل فوق أكتافك حذاءً يحتاج للتنظيف والتجديد والتلميع من كل القذارات الشوفينية التي تم حشوها فيها عبر مراحل تاريخية مختلفة وللأسف.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=80884





