اللامركزية كمدخل لإعادة بناء الدولة: مقاربة سياسية لتعزيز التشاركية والوحدة الوطنية

بلال الأحمد – إدلب

تعود اللامركزية إلى واجهة النقاش السياسي السوري بوصفها أحد أبرز المقاربات المطروحة لإدارة المرحلة المقبلة، في ظل تعقيدات المشهد الوطني وتراكم أزمات الحكم والإدارة خلال السنوات الماضية. ويطرح هذا التوجه باعتباره إطاراً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً يمكن أن يؤسس لحلول واقعية ومستدامة، تقوم على توزيع الصلاحيات وتعزيز التشاركية، مع الحفاظ على وحدة البلاد ضمن نظام ديمقراطي شامل.

في هذا السياق، قدّمت الدكتورة لينا الخراط، خبيرة في السياسات السورية المعاصرة والديناميكيات الإقليمية، قراءة متكاملة لمفهوم اللامركزية، معتبرة أن «في جوهر اللامركزية تكمن فكرة توزيع السلطة كآلية لتقليص الفجوات وتوفير حلول أكثر صواباً مع الواقع الملموس لكل منطقة». وأوضحت أن توزيع السلطات التشريعية والتنفيذية على مستويات محلية ذات صلاحيات واضحة يجعل السياسات «أكثر استجابة لاحتياجات الناس وتحدياتهم اليومية»، مؤكدة أن هذا المسار «لا يستبعد التوحد الوطني، بل يعززه من خلال إشراك جميع المكوّنات في تصميم المستقبل».

التشاركية بوصفها أداة استقرار

وتشير الخراط إلى أن التشاركية في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي ليست مجرد شعار سياسي، بل هي عملية بناء مؤسسي يرسخ المساءلة والتعاون بين المؤسسات المحلية والمواطنين. ومن منظور سياسي، يعكس هذا الطرح انتقالاً من نمط الإدارة المركزية المغلقة إلى نموذج حوكمة قائم على الشفافية وتقاسم المسؤولية، بما يسهم في تقليص فجوة الثقة بين المجتمع والدولة، وهي فجوة شكلت أحد أبرز تحديات المشهد السوري خلال سنوات النزاع.

 

ويحمل إشراك المجتمع المحلي في وضع السياسات وتحديد أولويات الاستثمار دلالات تتجاوز البعد الإداري، إذ يضع الأساس لعقد اجتماعي جديد يقوم على الإحساس بالمشاركة والتمثيل، ويحدّ من النزعات الاحتجاجية الناتجة عن التهميش أو الإقصاء.

البعد الاقتصادي وإعادة توزيع الموارد

من الناحية الاقتصادية، تؤكد الخراط أن «اللامركزية تتيح تخصيص الموارد بناءً على احتياجات كل منطقة»، بما يعزز المشاريع الصغيرة والمتوسطة ويطور البنى التحتية الملائمة محلياً، مثل شبكات المياه والكهرباء والتعليم والصحة، وفق مخطط يراعي الموارد المحلية والقدرات البشرية. وتضيف أن قرب السياسات الاقتصادية من الناس يجعل نتائجها «أكثر قابلية للقياس وتحسينها بسرعة، مما يعزز الإنتاجية ويخلق فرص عمل جديدة».

سياسياً، يعكس هذا الطرح توجهاً نحو إعادة توزيع الموارد بصورة أكثر عدالة، وهو عنصر حاسم في مرحلة إعادة الإعمار، حيث يتقاطع البعد التنموي مع متطلبات الاستقرار، ويصبح تحسين الخدمات وخلق فرص العمل جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز السلم الأهلي.

اللامركزية وإدارة التنوع

وفي مقاربة ترتبط بمسار السلام والمصالحة الوطنية، ترى الخراط أن «التشاركية تخلق أرضية مشتركة لبناء العقد الاجتماعي»، وأن شعور الجميع بامتلاك صوت في صياغة القوانين واللوائح يعزز روح التعايش والتوافق. كما تؤكد أن وجود حوكمة محلية قوية يسهم في إدارة التنوع الثقافي واللغوي والجهوي، وهو عنصر أساسي في سياق ما بعد النزاع.

هذا الطرح ينسجم مع مقاربات سياسية حديثة ترى أن إدارة التنوع لا تتحقق عبر الإلغاء أو الذوبان القسري، بل من خلال الاعتراف المتبادل وتوزيع الصلاحيات ضمن إطار وطني جامع، بما يحول دون تحوّل الخصوصيات المحلية إلى مشاريع انفصال أو صراع.

متطلبات التطبيق وضمانات الوحدة

على مستوى التطبيق، تدعو الخراط إلى ميثاق وطني يحدد مبادئ اللامركزية وآلياتها، يعقبه إطار قانوني يحمي الحقوق الأساسية ويضمن التوزيع العادل للموارد، مع آليات شفافية ومساءلة واضحة، مثل التقارير الدورية والتقييم المستقل وتشاركية وضع الميزانية، إضافة إلى بناء قدرات محلية وتوفير تمويل عبر صندوق تنمية مناطقي لضمان استدامة المشاريع.

 

بناء الثقة كمدخل حاسم

ويعتبر التحدي الأكبر يكمن في بناء الثقة، فالثقة تتولد من الشفافية والمساءلة والنجاحات الملموسة، رؤية المواطنين لتحسن فعلي في الخدمات وخلق فرص اقتصادية جديدة يعزز الالتزام بالمشروع الوطني. وتؤكد الخراط أن «اللامركزية ليست هيكلاً إدارياً فحسب، بل فلسفة إدارية ترى أن القوة تتحقق عندما تكون السلطة قابلة للمساءلة ومتيقنة من أثرها الإيجابي في حياة الناس».

في المحصلة، تطرح اللامركزية كما وردت في هذه الرؤية بوصفها استراتيجية مركبة تتقاطع فيها مبادئ الديمقراطية التشاركية مع متطلبات العدالة الاقتصادية وبناء المؤسسات المحلية القوية. وهي مقاربة لا تستهدف تقويض الدولة، بل إعادة صياغة دورها من مركز احتكار القرار إلى ضامن لوحدة البلاد وإطار جامع لتعددها.

وبينما تبقى تحديات التطبيق كبيرة، فإن إدماج التشاركية في بنية الحكم وتفعيل الحوكمة المحلية ضمن مظلة وطنية واضحة قد يشكلان أحد المسارات الواقعية لإعادة بناء سوريا على أسس من الشفافية والمساءلة، وفتح أفق لسلام مستدام يشارك فيه جميع السوريين في صياغة مستقبلهم.

 

المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top