المرسوم ليس حلًا، القضية الكوردية حقوق قومية لا منّة سياسية

د. محمود عباس

 بغضّ النظر عن الدوافع المعلنة أو المخططات المضمَرة التي تقف خلف صدور المرسوم رقم (13) لعام 2026 عن رئيس الحكومة السورية الانتقالية أحمد الشرع، والمؤلّف من ثماني مواد، لا بدّ من التوقّف مليًّا عند مسألة قومية جوهرية، يتعمّد كثيرون من القوى المتربّصة بالأمة الكوردية تجاهلها أو تمييعها عمدًا. فـحقوق المواطنة، بصيغتها القانونية العامة، لم تكن يومًا السقف الذي ناضلت الحركة الكوردية في سوريا من أجله على امتداد ما يقارب قرنًا كاملًا من الزمن.

إن القضية الكوردية، في جوهرها العميق، لم تكن طلب اعتراف إداري محدود، ولا مسعى لتحسين شروط اندماج داخل دولة مركزية صمّاء، بل كانت وما تزال قضية حقوق قومية تاريخية، متجذّرة في الهوية والجغرافيا والتاريخ، ومتشابكة مع بنية المجتمع والاقتصاد وشكل الإدارة السياسية. ومن هنا، فإن اختزال هذا الصراع الطويل في إطار قانوني ضيّق لحقوق المواطنة لا يُعدّ حلًا، بل إعادة إنتاج للأزمة نفسها بلغة جديدة، تُفرغ القضية من بعدها القومي وتحاول فصلها عن سياقها التاريخي والوجودي.

ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لحل ما يُسمّى «الملف الكوردي» عبر مرسوم يُقدَّم بوصفه منّة أو صدقة سياسية، لا عبر حوار سياسي وطني متشعّب، إنما تُفرغ القضية من مضمونها الحقيقي. فحقوق الشعب الكوردي ليست حزمة ثقافية معزولة، ولا يمكن اختزالها في بنود تتعلق بممارسة بعض العادات أو إدخال اللغة في التعليم ضمن مراكز سكنية كوردية محددة. إنها منظومة حقوق متكاملة، تتشابك فيها الأبعاد القومية مع البنى الإدارية والسياسية والاقتصادية، ولا تُحلّ بقرارات فوقية جزئية.

وإذا افترضنا، جدلًا، حسن النية في هذه البنود الثقافية، فإن الأسئلة الجوهرية تبقى معلّقة بلا إجابة:

هل ستُطبَّق هذه القوانين في جميع مناطق تواجد الشعب الكوردي في سوريا، من دمشق إلى حماة وحلب وجبل الأكراد، أم ستظل حبيسة عفرين والجزيرة؟

وهل ستُكرَّس دستوريًا؟

وهل سيُعترف باللغة الكوردية كلغة ثانية على مستوى الدولة السورية، أم ستبقى محصورة في هامش إداري هشّ، قابل للإلغاء أو الالتفاف عليه في أي لحظة؟ هذا السؤال الجوهري يعيد إلى الواجهة تشابهًا مقلقًا في الخفايا السياسية بين هذا المرسوم ومرسوم صدام حسين في آذار عام 1970، حين مُنح الكورد ما سُمّي آنذاك بالحكم الذاتي، قبل أن تنكشف لاحقًا حقيقة ذلك الوعد بوصفه أداة احتواء ومناورة سياسية، انتهت إلى ما انتهت إليه من نكوص وانكسارات.

لقد كان الحراك الكوردي، ولا يزال، يسعى إلى الحوار السياسي الجاد، وكان الأجدر بالحكومة الانتقالية أن تفتح هذا الحوار قبل إصدار مراسيم أحادية الجانب، لا أن تتجاوزه كليًا، دون التشاور أو حتى أخذ رأي أي جهة كوردية تمثيلية، وعلى رأسها الهيئة المنبثقة عن مؤتمر قامشلو في نيسان 2025، التي حملت مطالب قومية واضحة، في مقدمتها النظام اللامركزي السياسي. فبدون هذا الإطار، تفقد الخصوصية القومية الكوردية معناها، ويُعاد اختزال الشعب الكوردي في مجرد مواطنين سوريين بهوية قانونية عامة، منزوعي الهوية القومية.

إن هذا المرسوم، في بنيته العميقة، يبدو قائمًا على منطق عددي إشكالي، يفترض أن الكورد لا يشكّلون أكثر من 12–15% من سكان مناطقهم التاريخية، متجاهلًا أن هذه النسب هي نتاج قرن كامل من التهجير القسري، والتغيير الديمغرافي، وسياسات التعريب الممنهجة. وبذلك، فإن ما طُرح من جهة واحدة لا يُمثّل اعترافًا بالحقوق القومية، بل يُعدّ نكوصًا عنها، ومحاولة التفاف مكشوفة على مطلب الفيدرالية والنظام اللامركزي السياسي.

وعلى الأرجح، فإن هذا المرسوم قُدّم بوصفه خدعة سياسية ـ عسكرية أكثر من كونه تكريمًا حقيقيًا للشعب الكوردي، ولا يُستبعد أن تكون خلفه قوتان أساسيتان:

الأولى تركيا، التي تسعى منذ أكثر من عقد إلى إحداث شرخ بين قوات قسد والإدارة الذاتية من جهة، وبين الشعب الكوردي وبقية حراكه السياسي من جهة أخرى، بهدف إضفاء صبغة «وطنية» على حربها ضد قسد، وتصويرها كصراع مع «مكوّن خارجي»، فضلًا عن التغطية على البنية الفعلية لما يُسمّى الجيش العربي السوري، الذي يتكوّن في جوهره من منظمات ذات خلفيات إرهابية، بعضها صُنّف حديثًا من قبل بريطانيا.

أما القوة الثانية، فهي ناتجة عن الضغوط الأمريكية وضغوط التحالف الدولي، التي باتت تحذّر وتهدّد تركيا والحكومة الانتقالية بسبب عدم التزامهما بقرارات مجلس الأمن وبمواقف الكونغرس الأمريكي، لا سيما ما يتعلق بالبند السابع الذي استُخدم لإخراج أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب بضغط أمريكي. وبعدم الاعتداء على قوات قسد الحليف الأكثر مصداقية لأمريكا في محارية الإرهاب. ويضاف إلى ذلك تنبيهات متزايدة من أعضاء الكونغرس على خلفية المجازر والانتهاكات المتكررة بحق المكونات السورية من علويين ودروز ومسيحيين، وبحق الشعب الكوردي تحديدًا، وهي انتهاكات تُحرج إدارة ترامب التي منحت الشرع فرصة لإثبات «حسن النية» بعد إلغاء قانون قيصر عن سوريا.

إن الصراع الكوردي من أجل حقوقه القومية في سوريا يتجاوز الحلول العسكرية، كما يتجاوز المقاربات الثقافية الضيقة المبنية على مفهوم المواطنة المجردة. فمحاولات الالتفاف على القضية القومية، بمرسوم رئاسي ناقص، والسعي إلى ضرب قوات قسد والإدارة الذاتية، وخلق شرخ داخلي كوردي، جاءت بعد حالة التفاف كوردستاني ودولي واسعة تجلّت عقب الاعتداءات السافرة على الشعب الكوردي في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، حيث يقطن عشرات الآلاف من مهجّري عفرين منذ عام 2018، نتيجة الاحتلال التركي والمنظمات الإرهابية التابعة له.

ولا يمكن إخفاء أن هذا المرسوم، بصيغته الناقصة والملتبسة، شكّل طعنة في الوجدان الكوردي، لا سيما أنه جاء، على الأرجح، في سياق محاولة احتواء الدعم الكوردستاني والدولي الذي برز دفاعًا عن قوات الأسايش وأهالي الحيين.

 نعم، إن تصريحات أحمد الشرع الإيجابية عن الشعب الكوردي وحقوقه كمواطنين سوريين تُعد خطوة تُثمَّن من حيث المبدأ، لكنها تبقى غير كافية ما لم تُترجم إلى مسار سياسي حقيقي.

والأمل اليوم ألا تكون هذه الخطوة محطة شكلية عابرة، بل بداية لمصالحة أوسع بين دمشق والشعب الكوردي، عبر فتح حوارات وطنية جدية مع الهيئة الكوردية المنبثقة عن مؤتمر قامشلو، وقسد والإدارة الذاتية وعلى أعلى المستويات. فاستمرار الاكتفاء بهذه البنود الناقصة لن يؤدي إلا إلى فتح أبواب صراعات أعمق، وبوجوه مختلفة، قد تعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها، في لحظة تاريخية لم تعد سوريا تحتمل مزيدًا من الدماء والتآكل الداخلي والمناورات الدولية.

الولايات المتحدة الأمريكية

16/1/2026م

Scroll to Top