زاكروس عثمان
في مسرحية «الصعايدة وصلوا» لا تكمن أهمية الحدث في وصول مجموعة من أبناء الصعيد إلى المدينة بقدر ما تكمن في الاضطراب الذي يُحدثه هذا الوصول داخل بنية المدينة نفسها. فالضحك الناتج عن المفارقات اللغوية والسلوكية يخفي حقيقة أعمق: أن المدينة، بوصفها مركزًا للقيم والنظام والتراتب الاجتماعي، ليست كيانًا صلبًا، بل قابلة للاختراق وإعادة التشكّل.
غير أن المسرحية، بحكم طبيعتها الكوميدية، تتوقف عند حدود التصادم الثقافي، ولا تذهب إلى ما بعده. فهي لا تطرح السؤال الأخطر: ماذا يحدث حين لا يقتصر “الوصول” على أفراد، بل يتحول إلى سيطرة نمط كامل من التفكير والسلوك على بنية الدولة ذاتها؟
هنا نغادر خشبة المسرح وندخل إلى الواقع.
مقالات قد تهمك
ما يبدو في «الصعايدة وصلوا» مجرد احتكاك بين الريف والمدينة يمكن قراءته، في سياقات سياسية معاصرة، بوصفه بداية لعملية أعمق: تفكيك المركز المدني لصالح منظومات قادمة من الهامش. غير أن هذه المنظومات لا تدخل المدينة لتندمج فيها، بل لتعيد صياغتها على صورتها الخاصة.
بهذا المعنى، لا يعود الأمر “ترييفًا للمدينة” فحسب، بل يتجاوزه إلى ما يمكن تسميته بـ«بدونة الدولة»، أي الانتقال من منطق الدولة (القانون، المؤسسات، التراتب الإداري) إلى منطق العصبية (الفزعة، الغلبة، الولاء الشخصي)، حيث تتحول السلطة من بنية مؤسسية إلى امتداد لشبكات أولية من القوة والانتماء.
وهنا يصبح “الوصول” الذي أضحك الجمهور في المسرحية حدثًا مقلقًا في الواقع، ليس لأن القادمين من الهامش أقل شأنًا، بل لأن النمط الذي يحملونه، حين يهيمن، يعيد تعريف الدولة بوصفها غنيمة لا مؤسسة.
تجنّبًا لسوء الفهم، لا يعني مصطلح «بدونة المدينة» أو «بدونة الدولة» الحطّ من شأن أي مكوّن اجتماعي، بل يشير إلى تغليب منطق العصبية والولاء الشخصي أو القبلي، وإضعاف الدولة والمؤسسات لصالح شبكات القوة، وفرض نمط تفكير تقليدي مغلق على الفضاء المديني، وإعادة إنتاج السلطة عبر الروابط الأولية لا عبر القانون.
ما يذكّر بهذه المسرحية هو واقع الحال في سوريا؛ إذ لم يعد الصراع يُختزل في مواجهات عسكرية أو تنافس على السلطة، بل تجاوز ذلك ليطال البنية الاجتماعية نفسها، في محاولة لإعادة تشكيلها بما يتناسب مع طبيعة السلطة الجديدة. في هذا السياق، يبرز مشروع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) بوصفه نموذجًا لسلطة لا تكتفي بالسيطرة السياسية، بل تسعى إلى إعادة هندسة المجتمع من جذوره.
تعتمد هذه السلطة على إضعاف المدن بوصفها مراكز تاريخية للطبقة الوسطى والتنوع الثقافي والنزعات المدنية. فالمدن السورية، وعلى رأسها دمشق وحلب، لم تكن مجرد حواضر عمرانية، بل فضاءات لتراكم الخبرة الاقتصادية وتفاعل الثقافات وصعود النخب الفكرية والتجارية، ما جعلها أقل قابلية للانقياد لسلطة أحادية.
من هنا يمكن فهم توجه الشرع نحو الاعتماد على القبائل وسكان الأطراف، ليس فقط كحاضنة اجتماعية، بل كأداة لإعادة ضبط التوازنات داخل المجتمع. فهذه الفئات، التي عانت التهميش طويلًا، تجد في السلطة الجديدة فرصة للصعود، في حين تجد فيها السلطة قاعدة أكثر طواعية تقوم على الولاء أكثر من النقد والمساءلة.
ولا تقف هذه العلاقة عند حدود التحالف السياسي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الفضاء الحضري نفسه. فاستقدام أعداد كبيرة من المقاتلين من البيئات الريفية والبدوية إلى المدن الكبرى لا يمكن قراءته كإجراء أمني فحسب، بل كجزء من عملية «ترييف» و«بدونة» ممنهجة تهدف إلى تغيير طابع المدينة الثقافي والاجتماعي. ويتجلى ذلك في أنماط السلوك واللباس والخطاب التي تفرض حضورًا جديدًا على حساب الهوية المدينية.
ويترافق ذلك مع إقصاء تدريجي للنخب المدينية، عبر التهميش أو الإبعاد أو الاستبدال بعناصر تدين بالولاء للسلطة، حيث تتراجع معايير الكفاءة لصالح الانتماء، ما يضعف مؤسسات الدولة ويحولها إلى أدوات بيد شبكة سلطوية مغلقة.
الأخطر في هذه العملية بعدها الأيديولوجي؛ إذ لا يستهدف التغيير البنية الاجتماعية فقط، بل يسعى إلى فرض نمط فكري وعقائدي يقوم على إلغاء التعددية واستبدالها بتجانس قسري. وفي هذا السياق، يصبح استهداف المكونات غير المنسجمة مع هذا المشروع—سواء كانت قومية كالكورد أو دينية كالعلويين والدروز—جزءًا من عملية إعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس إقصائية.
إن ما يجري يتجاوز كونه إعادة توزيع للسلطة، ليغدو مشروعًا لإعادة إنتاج المجتمع وفق نموذج مغلق، أقرب إلى «الإمارة» منه إلى الدولة الحديثة؛ نموذج يقوم على تفكيك المدينة، وإضعاف الطبقة الوسطى، وتمكين قوى ذات طابع تقليدي أو عقائدي لتكون أداة للضبط والسيطرة.
تبدو سوريا أمام مسار خطير لا يهدد توازناتها السياسية فحسب، بل يضرب في عمق نسيجها الاجتماعي والثقافي. فإعادة تشكيل المدن على هذا النحو قد تترك آثارًا طويلة الأمد تجعل من الصعب استعادة طابعها المدني حتى في حال تغيرت موازين القوى. وما بين مدينة تُفرغ من مضمونها وسلطة تعيد تعريف المجتمع وفق رؤيتها، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لسوريا أن تستعيد روحها المدينية، أم أن «الترييف» سيتحول إلى واقع دائم؟
في هذا السياق، يعتمد الشرع على العشائر وسكان الأرياف كأداة سياسية وأمنية، نظرًا لقابليتهم—بحكم التهميش وبنيتهم القائمة على الولاء العشائري—للاندماج في مشروع سلطوي قائم على الطاعة. كما أن استقدام المقاتلين إلى المدن يُفهم كجزء من «إعادة هندسة اجتماعية» تهدف إلى تقويض دور الطبقة الوسطى، بوصفها الحامل الأساسي لأي نزعة مدنية أو ديمقراطية.
ومن هنا يمكن فهم تسليم مفاصل الدولة لعناصر من خلفيات ريفية أو بدوية، لا بوصفهم حلفاء فحسب، بل كبديل عن النخب التقليدية، ما يعمّق القطيعة بين المدينة وتاريخها، ويعيد تشكيل السلطة على أسس ولائية لا مؤسساتية.
في الشارع، يتجلى هذا التحول في انتشار عناصر مسلحة بسلوكيات تعكس ثقافة محافظة، وفرض أنماط حياة جديدة على سكان المدن، ما يولّد شعورًا بالاغتراب لدى السكان الأصليين.
ولا يتم هذا التحول بشكل عفوي، بل يبدو جزءًا من مشروع يهدف إلى «تطويع المجتمع» وفق رؤية أيديولوجية محددة، تقوم على استبدال التنوع بتجانس قسري، وتمكين قوى عقائدية متشددة، بما يقود إلى كيان سياسي مغلق.
وفي هذا الإطار، لا يعود استهداف الكورد أو العلويين أو الدروز مجرد صراع سياسي، بل يصبح جزءًا من إعادة تعريف الهوية الوطنية، بما يهدد فكرة سوريا ككيان متعدد.
إن ميل سلطة الشرع إلى «بدونة المدينة» لا يمكن فهمه كخيار عابر، بل كتوجه سياسي واعٍ لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية بما يخدم تثبيت الحكم. ويقوم هذا التوجه على عاملين: قابلية بعض البيئات المهمشة للانخراط في اقتصاد الغنيمة، والنزوع نحو العنف الذي يمكن تعبئته ضمن خطاب ديني متشدد.
ولا يقتصر الأمر على استثمار هذه القابلية، بل يتعداه إلى توظيفها كأداة حكم عبر خلق حالة ترهيب دائمة، من خلال ما يشبه «الفزعات العشائرية» التي تعمل خارج إطار القانون ولكن بموافقة ضمنية من سلطة الشرع، لتتحول إلى ميليشيا اجتماعية تفرض واقعًا قسريًا.
في المحصلة، تخدم هذه السياسة مشروعًا أوسع يقوم على فرض نموذج أيديولوجي أحادي، بما يعنيه ذلك من إقصاء ممنهج لكل ما هو مختلف: تهميش القوميات غير العربية، محو الوجود الديني غير الإسلامي، وإلغاء التعدد المذهبي داخل الإسلام نفسه. وهكذا، لا تعود «بدونة المدينة» مجرد توصيف، بل تصبح استراتيجية لتفكيك التعدد السوري وإعادة تركيبه ضمن قالب أحادي يخدم بقاء السلطة.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=84868






