د. آزاد أحمد علي
خَفَتَ في الأشهر الأخيرة الوهج المعنوي للانتصار على الاستبداد، وتراجعت الطاقة الروحية التي منحت المجتمعات السورية قدرة إضافية لمقاومة شظف العيش، ولنسيان آلام وجور واستبداد الحكم البائد. كما خَفَّ الانتباه للعناوين السياسية الفرعية، كالإعمار، وانطلاق قطار التنمية، فضلاً عن الأمل في وصول المساعدات. لقد تراجعت القدرة الشرائية لليرة السورية، وتجمَّدت دورة دولاب الإنتاج في أغلب القطاعات. ولم يقدم الحكم الجديد برنامجاً اقتصادياً، ولا خطة لتوفير العمل للعاطلين، فضلاً عن فصل الآلاف من العمل، وتوقف صرف رواتب شرائح متباينة للعاملين سابقاً في الدولة، ما أدى إلى تدنٍّ شديد في مستوى توافر المال، وضخه في دورة الاقتصاد.
ما هو مثير للجدل، وغريب، أن واجهات السلطة الجديدة لا تنشغل بهموم الناس، ومعضلات حياتهم اليومية، كما لا تناقش حالة الفقر التي عمّت في كل أرجاء سوريا. بل على العكس، تعمل على الانقضاض على ما تبقى من المنجزات المتوارثة تاريخياً لصالح الطبقات الوسطى والفقيرة في سوريا. كمثال صادم: خصخصة الكهرباء وتسعيرتها التي تتجاوز تسعير الدول الأوروبية، وكذلك السعي لخصخصة قطاع الخدمات الطبية، بالتوازي مع رفع ضريبة الجمارك على السلع الأساسية. حتى جاءت زيادة سعر المحروقات، وخاصة المازوت، كضربة حاسمة حطمت أسس ثقافة حماية المستهلك، وضبط الأسعار نسبياً. كون سعر المازوت يؤثر بشكل مباشر على ارتفاع قيمة إنتاج جميع المواد الغذائية وكذلك المواصلات والتنقلات.
على الرغم من أن عنوان المرحلة العريض هو الفقر، فإن السلطة الراهنة لم تقارب خطورة الموضوع بعد، ويبدو أنها في وادٍ آخر، حيث يتم نسيان أو تناسي أحد ألدّ أعداء الإنسان، وهو الفقر، حتى من منظار ديني وليس سياسي. فالمؤسف أنه لم تَعُدِ النخب والساسة الجدد في سوريا يشيرون إلى هجمة الفقر التي تفتك بروح الإنسان والمجتمع.
في حين أن المنظمات الدولية ذات الاختصاص تحذر باستمرار من اتساع رقعة الفقر عالمياً، وخاصة في البلدان ضعيفة الاقتصاد والجديدة في تجربة الحوكمة كسوريا.
فقد كشف تقرير أخير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أن زيادة أسعار الطاقة نتيجة حرب أمريكا وإيران ستفاقم حالات الفقر، لدرجة أن نتائج الغلاء ستؤثر مباشرة على 37 دولة فقيرة أصلاً في آسيا وأفريقيا. وسيهبط فيها ما عددهم حوالي 33 مليون شخص إلى ما دون خط الفقر. كما ستتأثر دول من مجموعة العشرين أيضاً، ذات الاقتصاد القوي نسبياً كتركيا. فبصرف النظر عن عنجهيات وخطابات الحكومة التركية، التي تُدرَج في خانة التبجح والبروباغاندا السياسية، سينتقل ما يقارب 12 مليون شخص في ظلها إلى مساحة الفقر والعوز، منهم حوالي 7 ملايين طفل، قسم منهم يترك المدرسة لأسباب اقتصادية. وذلك بحسب تقرير مشترك صدر عن اليونيسيف والمعهد الإحصائي التركي. إن الرهان على حكومة تركيا وشركاتها لتحسين الواقع الاقتصادي في سوريا رهان خاطئ، وعلى العكس سيزيد هذا الاعتماد من فقر المجتمعات السورية، لتتدحرج نحو الكارثة.
قد يتم التساؤل: لماذا كل هذا الخوف؟
لأن مؤشرات الأرقام مرعبة، حيث تصنف المنظمات الدولية حدّ الفقر، بمعنى الحد الأدنى لمعيشة الفرد، برقم يتجاوز ثمانية دولارات (8$) يومياً. وبحساب بسيط، العائلة المؤلفة من أربعة أشخاص يلزمها 24 دولاراً يومياً، وهذا يعني أن متوسط ما تتطلبه معيشة عائلة صغيرة في سوريا يبلغ حوالي 720 دولاراً شهرياً، على اعتبار أن أسعار السلع في سوريا باتت أغلى أو تعادل أسعار السوق العالمية.
هذه الأرقام تؤكد أن أكثر من 90 بالمئة من العائلات السورية تعيش تحت خط الفقر، بل تنحدر نحو الفاقة والعوز. في مطلع شهر أيار وبمناسبة عيد العمال، ينبغي التذكير من جديد بأن توفير فرصة العمل هو حق من حقوق الإنسان، كما أن أساس الحوكمة الرشيدة ينطلق من التوزيع العادل للثروة، والمحافظة على الحد الأدنى من الخدمات، ويبدو أن سوريا ظلت بلداً قائماً ومجتمعاً نابضاً بالحياة بسبب توافر تلك الخدمات والحقوق ضمن حدودها الدنيا، فالمطلوب المحافظة على تلك المكتسبات البسيطة وتحسين أداء مؤسسات الرعاية الصحية. ويخطئ من يظن أن غض النظر عن هذا الحرمان، والإهمال لحاجات المجتمع، سيمران بسلام، فالإنسان لا يأكل الوعود، ولا يشرب الشعارات.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=86719
مقالات قد تهمك










