ئاريان كركوكي
حين يتأمل المتابع خريطة الأزمات البنيوية التي تعاني منها مجتمعات الشرق الأوسط، يدرك سريعاً أن أزمة الحكم والكيان تسبق دائماً أزمة النظام السياسي. من هذه الجذور الفلسفية، وفي لحظة فارقة امتدت عبر عقود من التضحيات والتطلع التاريخي المستمر للشعب الكوردي — من انتفاضات الشيخ محمود الحفيد، مروراً بجمهورية مهاباد الخالدة عام 1946 بقيادة القاضي محمد، ووصولاً إلى عقود النضال بقيادة الأب الروحي الملا مصطفى بارزاني — جاء قرار استفتاء كوردستان في خريف 2017. لم يكن الخطوة مجرد إجراء تقني لعدّ الأصوات، بل صرخة وعي فلسفي ووطني تهدف إلى إعادة توجيه البوصلة نحو هوية كوردية جامعة تكون هي الغاية والتاج، متجاوزة ضيق الولاءات الحزبية والقبلية.
ولفهم هذا القرار المصيري، لا بد من الغوص في سيكولوجية القيادة والنشأة القاسية للرئيس مسعود بارزاني؛ فالإصرار على خوض غمار الاستفتاء لم يكن صفقة سياسية عابرة، بل استحقاقاً نفسياً ووجودياً لشخصية تربت في ظروف الغياب القسري للأب والتعرض للضغوط الأمنية، حيث تعني التراجعات انكساراً للذات الجمعية. ويبرز هنا تساؤل مشروع حول طبيعة الزعامات التاريخية: هل كان الرئيس الراحل جلال طالباني (مام جلال)، لو أتيح له الحضور بكامل عافيته، ليُجري أو يتجرأ على اتخاذ نفس القرار؟ الإجابة تكمن في اختلاف المدارس؛ فبينما امتلك مام جلال براغماتية استثنائية ودبلوماسية ناعمة في بغداد، مثّل بارزاني صلب القضية ورمز الإرادة القومية الصلبة التي ترفض الاستسلام لفرض الإرادات، معتبراً أن شجاعة المبادرة أحياناً تعادل مرارة النتائج.
أما على الصعيد الدستوري، فحين نعود إلى محطة صياغة دستور العراق عام 2005، يتساءل الكثيرون عن سبب غياب نص صريح يقر بـ “تقرير المصير الخارجي”. لكن القراءة الواقعية تؤكد أن الوفد الكوردي خاض معركة تفاوضية طاحنة حُكمت بمعادلات قاسية؛ فأولوية الخلاص وبناء الكيان منعت إجهاض التجربة الناشئة، بينما فرض الرفض الإقليمي والدولي المطلق تسوية تاريخية براغماتية راهنت على “الفيدرالية الموسعة” كصيغة لتقرير المصير الداخلي والشراكة الطوعية. غير أن تنصل بغداد اللاحق من روح الدستور أفرز أزمة ثقة خانقة.
وعند نقل التجربة إلى ميزان النماذج التاريخية العالمية — كـتيمور الشرقية عام 2002 أو جنوب السودان عام 2011 وجبل الأسود عام 2006 — يتضح أن نجاح أي استفتاء رهين بشروط حاكمة: غطاء قانوني وتوافق مسبق، ومظلة قبول دولية، وميزان قوى دافع. وحين نطبق ذلك على استفتاء 2017، ندرك لماذا اصطدم بتعقيدات هائلة وضعته في مآلات شبيهة بتجربة “كاتالونيا”؛ فقد أُجري في بيئة إقليمية ودولية شبه معادية وبدون شريك دولي ضامن.
وفي التقييم الموضوعي للحدث بعيداً عن ثنائية “التقديس المطلق” أو “التجريم الكامل”، لم يكن تعثر المسار مرتبطاً بالنوايا، بل بحزمة معقدة من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية؛ إذ تزامن مع الخروج من أتون حرب داعش، وغاب عنه الغطاء الدولي، واقترن بهشاشة اقتصادية واكتفاء أحادي بالنفط عبر منفذ واحد، مما جعله عرضة لحصار مطبق وردود فعل عنيفة من بغداد والجوار. وفي هذا السياق، لم يكن التحفظ داخل البيت الكوردي تخاذلاً، بل قراءة براغماتية حذرة تخشى على المكاسب.
اليوم، وبعد طي صفحة تلك التداعيات القاسية، لم ينتهِ النضال الكردي، بل انتقل إلى مرحلة العمل الاستراتيجي الواقعي. باتت البوصلة تتجه نحو تقوية الجبهة الداخلية ورص الصفوف وتحصين الكيان الدستوري لإقليم كوردستان، وإدارة الملفات العالقة مع بغداد عبر الحوار الجاد وتطبيق الدستور بروح الشراكة الحقيقية لا الاستقواء. إن التاريخ لا يمنح صكوك الاستقلال بالأمنيات وحدها، بل بالتحضير الاستراتيجي الدقيق، لتظل الإرادة الشعبية وصناديق الاقتراع يوماً ما تتويجاً لواقع لا يقبل الإنكار.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




