اختفت فتاة تبلغ من العمر 16 عاماً من منزلها في شمال غرب سوريا في مايو الماضي بعد خروجها للتسوق.
وبعد أسابيع، اتصل بها غريب مجهول الهوية بعائلتها المفجوعة، مدّعياً أنه يحتجز الفتاة وأنه مستعد للإفراج عنها مقابل آلاف الدولارات فدية، وفقاً لأربعة أشخاص مطّلعين على قضيتها.
دفعت العائلة الفدية وعادت الفتاة في أغسطس، بعد أكثر من 100 يوم على اختطافها. وأخبرت المقرّبين منها أنها كانت محتجزة في قبو موحش، وكانت تُخدَّر بانتظام ويتناوبُ على اغتصابها غرباء، وفقاً للأشخاص الأربعة ذاتهم.
وكشف الفحص الطبي عن صدمة إضافية: عادت الفتاة إلى المنزل حاملاً.
مقالات قد تهمك
منذ إسقاط المعارضة للديكتاتور بشار الأسد في أواخر عام 2024، دأبت العائلات المذعورة والناشطون على إطلاق نداءات استغاثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تفيد باختفاء نساء وفتيات من الأقلية العلوية في سوريا أو تعرضهن للاختطاف. ويخشى كثيرون أن تكون طائفتهم مستهدفة انتقاماً من وحشية الأسد، الذي ينتمي هو الآخر إلى الطائفة العلوية، وهي فرقة من الإسلام الشيعي.
نفت الحكومة أن تكون النساء والفتيات العلويات مستهدفات من قِبَل الخاطفين، مؤكدةً أنها لم تتحقق سوى من حالة واحدة.
غير أن تحقيقاً أجرته صحيفة نيويورك تايمز، استناداً إلى عشرات المقابلات مع علويين يدّعون تعرضهم للاختطاف وذويهم وآخرين مطّلعين على قضاياهم، خلص إلى أن هذه عمليات الاختطاف باتت شائعة وكثيراً ما تتسم بوحشية بالغة.
وتمكّنت الصحيفة من التحقق من اختطاف 13 امرأة وفتاة علوية، إضافة إلى رجل وطفل. وقالت خمس منهن إنهن تعرضن للاغتصاب، فيما عادت اثنتان إلى المنزل حاملَين.
وأفادت عائلة إحدى النساء بأنها أرسلت 17 ألف دولار إلى الخاطفين الذين لم يُفرجوا عنها قط، وقدّمت لقطات شاشة تُثبت طلبات الفدية وعمليات التحويل المالي. كما أدلت شابة في الرابعة والعشرين من عمرها بشهادتها قالت فيها إنها احتُجزت ثلاثة أسابيع في غرفة قذرة، حيث تعرضت للاغتصاب والضرب وحلق شعر رأسها وحاجبيها والتشريط بشفرات الحلاقة. ودفع أقاربها الفدية للخاطفين وتمكّنوا من انتزاع الإفراج عنها، وفقاً لأربعة أشخاص مطّلعين على قضيتها.
يقول الناشطون السوريون إنهم يعلمون بعشرات عمليات الاختطاف المماثلة، غير أن التفاصيل يصعب التحقق منها لأن الضحايا وذويهم يخشون الإدلاء بشهاداتهم.
تحدّث معظم من أجروا مقابلات مع الصحيفة بشرط عدم الكشف عن هويتهم خشية الانتقام من الحكومة أو الخاطفين، ولم تكشف الصحيفة عن هوية أغلب الضحايا للسبب ذاته.
وعززت الصحيفة روايات المختطفين وذويهم بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تُعلن تواريخ اختطافهم وعودتهم، ورسائل طلب الفدية من الخاطفين، ومقابلات مع عمال طبيين وإغاثيين التقوا بالضحايا عقب الإفراج عنهن.
جرت عمليات الاختطاف هذه على خلفية من انعدام الثقة العميق بين العلويين، الذين يشكّلون نحو عُشر سكان سوريا، والحكومة الجديدة. فقد اعتمد الأسد اعتماداً كبيراً على أبناء طائفته في أجهزته العسكرية والأمنية خلال فترة حكمه، مما دفع كثيراً من المعارضين السنة السابقين الذين يديرون سوريا اليوم إلى ربط العلويين بالنظام المُطاح.
وفي مارس الماضي، أجّج هذا الغضبُ أياماً من العنف الطائفي في شمال غرب سوريا راح ضحيتها نحو 1400 شخص، وفقاً لتحقيق أممي. وخلص التحقيق إلى أن بعض قوات الأمن الحكومية شاركت في عمليات القتل، مما أثار موجة واسعة من الخوف في صفوف العلويين.
قالت كثيرات من النساء والفتيات المختطفات وذووهن إن الحكومة أخفقت في التعامل بجدية مع قضاياهن.
وفي مقابلة معه، قال نور الدين بابا، المتحدث باسم وزارة الداخلية، إنه لا يستطيع الرد على ما توصّلت إليه الصحيفة ما لم تُزوّده بأسماء الحالات التي تحققت منها، وهو ما رفضته الصحيفة. وأضاف أن حالات الحمل لا تُثبت وقوع اختطاف، وأن رسائل طلب الفدية يمكن تزويرها. وقال: “أين الدليل على كل تلك الفدى؟”
وأكد تمسّكه بنتائج تحقيق حكومي صدر في نوفمبر، درس 42 حالة اختطاف مُبلَّغاً عنها، وخلص إلى أن حالة واحدة فقط كانت “حقيقية”. وزعم أن النساء في الحالات الأخرى كنّ يمارسن الدعارة أو أنشطة إجرامية أخرى، أو فررن مع أحبائهن أو هربن من مشاكل أسرية، ثم ادّعين الاختطاف تفادياً للوصمة الاجتماعية.
في المقابل، رسمت الضحايا وذووهن صورة مغايرة تماماً: نساء وفتيات اختُطفن من الشوارع على أيدي مسلحين بالقرب من منازلهن أو أثناء قضاء أعمالهن اليومية.
وأفدن بأن الخاطفين كانوا إما سوريين أو جهاديين أجانب قدموا إلى سوريا خلال سنوات الحرب الأهلية الثلاث عشرة طمعاً في إقامة دولة إسلامية.
القسم الثاني من تحقيق صحيفة النيويورك تايمز عن المخطوفات العلويات:
وأشارت كثيرات منهن إلى أن آسريهن كانوا يُهينون العلويين، زاعمين أنه يحق لهم نهبهم واغتصابهم، وهو موقف تروّج له التيارات الإسلامية المتطرفة.
واختُطفت امرأة تبلغ من العمر 33 عاماً على أيدي أربعة مسلحين الصيف الماضي، وفق ما أكدته المرأة واثنان آخران مطّلعان على قضيتها. وكغيرها من الضحايا، أشارت إلى أن آسريها سألوها عن انتمائها الطائفي، فلما أجابتهم بأنها علوية، ردّوا بأنهم “سيمرحون ويتسلّون”، على حد قولها. وأضافت: “أرادوا إذلال العلويين”.
وقالت المديرة التنفيذية لمنظمة اللوبي النسوي السوري: “إنها منهجية وتستهدف هذا المجتمع. إنهم يسعون إلى جعل المجتمع هشاً وضعيفاً”.
كما وثّقت الصحيفة خمس حالات لنساء علويات اختفين ولا يزلن في عداد المفقودات، وإن تعذّر التحقق مما إذا كنّ قد اختُطفن فعلاً. ومن بينهن إ. ج.، 41 عاماً، التي اختفت في مايو بعد شرائها آيس كريم قرب الساحل السوري المتوسطي، وفق ما أفادت والدتها ر. ش. وقد أبلغت العائلة الشرطة باختفاء ابنتها، غير أنها لم تتلقَّ أي تحديثات ولم يتواصل معها أي خاطف.
لم تتمكن الصحيفة من التحقق بشكل مستقل من جميع تفاصيل الحالات، غير أنها تتقاطع مع حالات أخرى وثّقتها منظمات حقوقية أو تكاد تتطابق معها. وأعلنت منظمة العفو الدولية في يوليو أن لديها تقارير موثوقة عن 36 حالة اختطاف مماثلة، وقد وثّقت ثماني حالات منها بشكل كامل.
وفي أغسطس، أعلنت لجنة أممية أنها وثّقت ست حالات، وتلقّت “تقارير موثوقة” عن عشرات الحالات الأخرى التي لا تزال تحت التحقيق.
وأحصى اللوبي النسوي السوري 80 امرأة وفتاة علوية اختفين منذ مطلع عام 2025، وفق ما قالته ر. ف. وأشارت إلى أن 26 حالة منها تأكّدت كعمليات اختطاف، شملت نساءً تعرّضن للإساءة الجسدية أو النفسية، موضحةً أن عشراً منهن عُدن إلى ديارهن، وثلاث لا يزلن في عداد المفقودات، في حين يظل مصير الـ13 الباقيات غامضاً. وأضافت أن الحكومة لم تُقدّم أي دعم لمن عُدن، قائلةً: “إنهم يُلقون اللوم على النساء ويُشهّرون بهن بدلاً من التعامل معهن باعتبارهن ناجيات”.
أكدت جميع العائلات التي تحدثت إلى الصحيفة أنها أبلغت قوات الأمن بقضاياها. وبينما تعامل بعض الضباط معها بتعاطف، قالت عائلات أخرى إن عناصر الأمن تعاملوا مع بلاغاتهم باستخفاف، أو وجّهوا اتهامات بلا دليل للنساء والفتيات المفقودات بتعاطي المخدرات أو الهرب مع أصدقائهن. بل إن بعض الضباط طالبوا عائلات العائدات بإخفاء ما جرى.
و. إ.، 24 عاماً، قالت إنها اختُطفت بالقرب من الجامعة التي كانت تدرس فيها في مدينة حمص في مايو. وطالب خاطفوها بفدية قدرها 15 ألف دولار، لكنهم أفرجوا عنها بعد أن نشر ناشطون خبر اختفائها على الإنترنت وأخبرت والدتها الأرملة الخاطفين بعجزها عن الدفع. ووصفت خاطفيها بأنهم مجرمون دفعهم الطمع بالمال لا الدوافع الطائفية. وبعد عودتها، قالت إن عناصر الأمن طلبوا من عائلتها الادعاء بأنها كانت تزور صديقة. وتذكر والدتها إ. س.: “قلت لا. نشرت مقطع فيديو أخبرت فيه الجميع بما جرى”.
وفي مقابلة معه، قال محقق شرطة طلب عدم الكشف عن هويته لعدم حيازته صلاحية التحدث إلى الصحفيين، إنه عمل على 10 حالات اختطاف مُبلَّغ عنها، وإن تسعاً منها كانت “مزيّفة”، وأن حالة واحدة فقط كانت حقيقية وعادت فيها المرأة حاملاً. وقال: “دمّر ذلك حياتها”.
كثيرات من النساء والفتيات العائدات يقلن إنهن يعانين من صدمات نفسية عطّلت مسيرتهن التعليمية والمهنية وسرقت منهن نومهن. وانفصلت بعضهن عن أزواجهن، بل فرّت أخريات من سوريا خشية أن يعود الخاطفون إليهن.
فتاة في التاسعة عشرة من عمرها احتُجزت لأيام قليلة الصيف الماضي على يد جهادي أجنبي، وفق ما أكّدته هي وثلاثة آخرون مطّلعون على قضيتها. ومنذ ذلك الحين تقول إنها تعاني من الاكتئاب، وفقدت شغفها بالرياضة، وتخلّت عن حلمها بالالتحاق بالجامعة. وتقول: “كنت أخرج مع صديقاتي، لكنني الآن لا أريد مغادرة غرفتي. أخاف من الناس من حولي”.
أما الفتاة الحامل ذات الستة عشر ربيعاً، فقد أخبرت المقربين منها أن آسريها كانوا يعطونها حبوب النوم ويأذنون لغرباء باغتصابها. وأُفرج عنها مقابل فدية بلغت نحو 2500 دولار، وعادت إلى عائلتها من العمال الزراعيين الفقراء.
الإجهاض محرّم في سوريا حتى في حالات الاغتصاب، غير أنها أرادت الإبقاء على جنينها على أي حال. وقالت: “هو طفلي. ماذا فعل حتى يُعاقَب؟”
وفي فبراير، وضعت طفلة بصحة جيدة.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=85314






