بروفيسور حسين علي غالب بابان
أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا
عشرةُ شبانٍ صينيين أجروا أبحاثًا تسويقية بهدف ابتكار منتجاتٍ من الورق المُعاد تدويره، وتمكنوا خلال بضع سنواتٍ فقط من إنشاء مصنعٍ صغير برأس مالٍ متواضع، وراحوا يبيعون منتجاتهم عبر إحدى منصات التسوق الصينية العالمية، حتى أصبحوا رجالَ أعمالٍ ناجحين وأثرياء خلال مدةٍ زمنيةٍ قصيرة.
وإذا وجَّهنا أنظارنا إلى مختلف دول العالم، فسنجد أن مراكز الأبحاث والدراسات باتت لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأن مليارات الدولارات تُنفق عليها من أجل التوصل إلى بحثٍ أو دراسةٍ أو منتجٍ أو اختراعٍ قد يُسهم في تغيير حياة البشرية نحو الأفضل.
ودعوني أُذكِّر بما حدث مع “بيل غيتس” رائد صناعة البرمجيات، إذ كان يستقطب طلابًا جامعيين حديثي التخرج رغم محدودية خبرتهم العملية ويجتمع بهم بين الحين والآخر ثم يترك لهم مساحةً واسعةً للعمل والإبداع، ومع مرور الوقت كانت تُطرح نسخٌ مطوَّرة من نظام «ويندوز» الذي أسهم في إدخال أجهزة الحاسوب إلى معظم بيوت العالم، وأحدث ثورةً تكنولوجيةً كبرى كان لها أثرٌ بالغ في مسيرة التطور الإنساني.
الآن أُركز على الطلاب الذين أعرفهم حقَّ المعرفة، لأن عملي الأكاديمي جعلني على احتكاكٍ دائمٍ بهم، فجميع الطلاب في المراحل الجامعية الأخيرة مطالبون بتقديم مشاريع تخرجهم، كما يُقدِّم طلبة الدراسات العليا رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، التي ينبغي أن تكون ضمن سياقاتٍ علميةٍ محددة ومساراتٍ بحثيةٍ واضحة،غير أن أغلبية هؤلاء الطلاب وبعد تخرجهم يستسلمون للأسف الشديد للبطالة واليأس، ويضعون ما أنجزوه من بحوثٍ ودراساتٍ على الرفوف، بدلًا من محاولة تطوير أفكارهم وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية أو مبادراتٍ رياديةٍ قد تفتح لهم أبواب النجاح والتميز.
إن كثيرًا من المشاريع الجامعية والرسائل العلمية تمتلك مقومات التحول إلى منتجاتٍ أو خدماتٍ أو شركاتٍ ناشئة إذا وجدت من يؤمن بها ويدعمها، فالبحث العلمي لا ينبغي أن ينتهي بالحصول على شهادةٍ جامعية، بل يجب أن يكون نقطة انطلاقٍ نحو الإبداع والإنتاج والمساهمة الفاعلة في بناء الاقتصاد وخدمة المجتمع.











