د. محمود عباس
رغم خباثة نظام ولاية الفقيه، وما ارتكبه من جرائم داخل إيران وخارجها، إلا أن المفارقة المؤلمة اليوم أن خطابه، في بعض الملفات، يبدو أكثر وضوحًا من خطاب إدارة ترامب، التي تحاول تغطية خسارتها السياسية والعسكرية بسيلٍ من التصريحات المتناقضة.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول إن إيران وافقت على عمليات تفتيش نووي «إلى أجل غير مسمى»، بينما تنفي طهران تقديم أي تنازل من هذا النوع، وتؤكد أن تفتيش المنشآت المتضررة ليس مطروحًا حاليًا. وهذه وحدها تكشف هشاشة الاتفاق، أو على الأقل هشاشة الرواية الأميركية عنه. ووزير خارجيته ماركو روبيو يجدد رفض واشنطن لأي رسوم أو بدلات عبور في مضيق هرمز، في الوقت الذي تتحدث فيه إيران وسلطنة عُمان عن ترتيبات مستقبلية لإدارة الملاحة في المضيق. أما جي دي فانس فينفي أن تكون واشنطن بصدد تقديم 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران، بينما تؤكد طهران، أو تسوّق داخليًا، أن ملف إعادة الإعمار جزء من الاتفاق أو من ملحقاته.
والأخطر أن التناقض لا يأتي من اختلاف الروايتين الأميركية والإيرانية وحده، بل من داخل إدارة ترامب نفسها. فبين وزير الطاقة ووزير الخارجية تتباين الإشارات حول مضيق هرمز ومرور السفن العالمية، وبين نائب الرئيس ووزير الخارجية تختلف اللغة حول الأموال التي قد تحصل عليها إيران وكيفية صرفها أو ضبطها. وهذه الفوضى في الخطاب لا تعكس إدارة منتصرة، بل إدارة مرتبكة تحاول صناعة رواية موحدة ولا تنجح. في المقابل، تبدو طهران، رغم طبيعة نظامها ومراوغاته، أكثر انضباطًا في خطابها، وكأنها تعرف ماذا تريد من الاتفاق، بينما لا تزال واشنطن تبحث عن الطريقة التي تبيعه بها كإنجاز.
هذه التناقضات، وفي الحالتين، لا تبدو مجرد اختلاف في التفاصيل، بل محاولة لإدارة الهزيمة لغويًا وسياسيًا. فإدارة ترامب تريد أن تظهر وكأنها انتزعت اتفاقًا بشروطها، بينما الوقائع توحي بأن إيران تفرض بنودًا وتفسيرات مقابلة، من ملف التفتيش إلى مضيق هرمز، ومن إعادة الإعمار إلى شروط وقف الحرب في لبنان وغيرها.
ولا يمكن فهم هذه اللحظة من دون التذكير بأن إيران، كدولة عميقة ذات ميراث إمبراطوري طويل، تمتلك خبرة واسعة في تحويل التفاوض إلى ساحة صراع أخرى. فمن إرث الإمبراطوريات القديمة، إلى مرحلة تصدير الثورة، وطرد النفوذ الأميركي من إيران، والحرب العراقية الإيرانية طوال ثمانية سنوات، ثم إدارة ملفات المنطقة تحت شعار المقاومة، وصولًا إلى مسارات سوتشي وأستانه في الملف السوري، كثيرًا ما عرفت طهران كيف تخسر في ميدان، ثم تحاول تعويض ذلك في ميدان السياسة والاتفاقيات وإدارة الوقت.
إلى جانب ذلك، فإن النظام الشمولي في إيران، كعادة الأنظمة الاستبدادية، ولا سيما الغارقة في منهجية أيديولوجية مذهبية، لا يعترف بالخسارة ما دام قادرًا على البقاء والتفاوض وإعادة تفسير النتائج لجمهوره. أما أميركا، وخاصة في عهد ترامب، فتبدو اليوم كأنها بحاجة إلى جهد كبير لاستعادة هيبتها الإمبراطورية، لا في الخارج فحسب، بل في الداخل الأميركي أيضًا، وربما حتى داخل أقطاب الحزب الجمهوري نفسه.
والأخطر أن هذه المفاوضات، حتى إن بدت في ظاهرها تفاهمًا أميركيًا ـ إيرانيًا، خلقت شرخًا واضحًا أو ظاهرًا بين واشنطن وتل أبيب. ولا أحد يعرف بدقة ما يجري خلف كواليس السياسة بين الطرفين، كما لا يبدو منطقيًا أن يكون ترامب قادرًا، بسهولة، على مواجهة ثقل اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. لكن مجرد غياب إسرائيل ظاهريًا عن طاولة المباحثات، وظهور واشنطن كأنها تفاوض إيران على ملفات تمسّ الأمن الإسرائيلي مباشرة، يفتح أبوابًا كثيرة من الشك والأسئلة، حول هذه المباحثات التي تظهر فيها التنازلات بشكل واضح.
فهل يمكن فعلًا أن تضع إدارة ترامب الأمن الإسرائيلي على المحك، بينما لا تزال أدوات إيران في لبنان والعراق واليمن وسوريا تملك من القوة ما يكفي لإيذاء إسرائيل وحلفاء واشنطن؟ أم أن ما يجري ليس سوى توزيع أدوار بين العلن والكواليس، بحيث تبدو أميركا كأنها تفاوض، وتبدو إسرائيل كأنها غائبة، بينما تُدار الحسابات الحقيقية في مكان آخر؟
ومع أن الحوارات الجارية في سويسرا تُقدَّم أميركيًا وكأنها تسير بسلاسة، فإن كثرة النفي والتصحيح والتناقض تكشف أن الاتفاق ليس انتصارًا واضحًا، بل تسوية مرتبكة يحاول كل طرف تسويقها لجمهوره بطريقته. وما يزيد المشهد تعقيدًا أن الجدل داخل الكونغرس، والتصويت الضيّق على تقييد انخراط القوات الأميركية في مواجهة إيران، يضعان شرعية الحرب نفسها موضع سؤال، وكأن المعركة لم تكن محسومة لا قانونيًا ولا سياسيًا.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل جاء تراجع ترامب تحت ضغط داخلي؟ أم بفعل خلافات داخل الحزب الجمهوري؟ أم نتيجة حسابات أعمق ترسمها الدولة العميقة العصرية ومراكز القوة الاقتصادية والتكنولوجية، في محاولة لإعادة تشكيل العلاقات الدولية وفق سمات إمبراطورية أميركية حديثة، لا تعتمد على الاحتلال المباشر بقدر ما تعتمد على المال، والتكنولوجيا، والتحكم بمسارات النفوذ العالمي؟ أم أننا أمام تغيير في استراتيجية مواجهة إيران وأدواتها، يقوم على الركون إلى التفاوض قبل جولة صراع جديدة؟ وربما لا يكون التراجع تراجعًا نهائيًا، بل إمهالًا محسوبًا، ريثما تُعاد صياغة خريطة التغيير الذي يُراد لإيران القادمة أن تكون عليه؛ فكأن الظروف الحالية لم تكن مهيأة بعد لإسقاط النظام أو تغييره، لا لأن واشنطن تخلّت عن الهدف، بل لأن البديل، والتوقيت، وترتيبات الداخل الإيراني والإقليم المحيط به، لم تنضج بعد في حسابات الإمبراطورية الأميركية الحديثة.
كل الاحتمالات واردة، لكن الظاهر حتى الآن أن إدارة ترامب لا تبدو كمن خرج منتصرًا من حرب، بل كمن يبحث عن لغة أنيقة لتغطية ثمنها. أما إيران، رغم طبيعة نظامها القمعية والمراوغة، فهي تعلن شروطها بوضوح أكبر، بينما يحاول ترامب وفريقه إقناع الداخل الأميركي بأن ما جرى كان نصرًا، لا هروبًا من مأزق.
الولايات المتحدة الأمريكية
23/6/2026 م











