شمال آكريي
النص:
“خبر عار عن الكلام [1]
في الصباح
يفتح الشارع قلبه
ويطلق صوته المبحوح
تسقط أجزاؤه من السماء
كعملة عتيقة
يرتجف الباب
في بيت الجيران
تتناثر أشلاء الفزع
الخبز
على الطاولة
تتجمد حوافيه
والطفل
الذي كان يصيد العصافير
يتعثر في الزقاق
تتدحرج الكُرة لوحدها
كأن الريح تسوقها
لتعود غريبة
ندور
ندور
حول أخبار التلفاز التي
تتلعثم بأسماء المدن
واحدة
بعد أخرى
وأنا
أجمع ما تبقى من النهار
في جيب شغفي
كأنني أخفي حفنة ضوء
من حروب
لا تنتهي”
شهد النقد الأدبي المعاصر منذ النصف الثاني من القرن العشرين تحولات منهجية عميقة، كان من أبرزها ظهور نظرية التلقي التي أعادت ترتيب العلاقة بين النص والقارئ. فقد كان النقد التقليدي يركز على المؤلف أو على البنية الداخلية للنص، غير أن الدراسات الحديثة نقلت مركز الاهتمام إلى القارئ بوصفه طرفا أساسيا في إنتاج المعنى. فالنص الأدبي لم يعد يُنظر إليه بوصفه بنية مكتفية بذاتها، بل باعتباره فضاء تأويليا مفتوحا تتعدد دلالاته بتعدد القراءات.
وقد تبلورت هذه الرؤية في المدرسة الألمانية لنظرية التلقي، خاصة في أعمال الناقد الألماني Hans Robert Jauss الذي طرح مفهوم أفق التوقع بوصفه مجموعة المعايير الجمالية والثقافية التي يحملها القارئ أثناء قراءته للنص (Jauss, Toward an Aesthetic of Reception, University of Minnesota Press, 1982). كما طور الناقد الألماني Wolfgang Iser مفهوم الفراغات النصية التي يتركها النص عمدا ليملأها القارئ أثناء القراءة، وهو ما يجعل المعنى نتيجة تفاعل مستمر بين النص والمتلقي (Iser, The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response, Johns Hopkins University Press, 1978).
وفي السياق النقدي الأمريكي تطورت هذه الأفكار في إطار ما يُعرف بـ نقد استجابة القارئ لدى الناقد الأمريكي Stanley Fish الذي أكد أن المعنى لا يتشكل في النص وحده، بل داخل ما سماه جماعات التأويل التي ينتمي إليها القارئ (Fish, Is There a Text in This Class?, Harvard University Press, 1980).
وقد انتقلت هذه المفاهيم إلى النقد العربي المعاصر، حيث تناولها عدد من النقاد العرب، مثل الناقد المغربي محمد مفتاح في كتابه تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص (الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1985)، والناقد المغربي محمد بنيس في كتابه ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب (دار العودة، بيروت، 1979)، كما تناولها الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو في كتابه الأدب والغرابة (دار توبقال، الدار البيضاء، 1982)، إضافة إلى دراسات عربية عديدة حول نظرية التلقي مثل كتاب عبد الله إبراهيم السردية العربية الحديثة (المركز الثقافي العربي، 1992).
في ضوء هذه الخلفية النظرية يمكن قراءة قصيدة خبر عار عن الكلام للشاعر عبدالكريم الكيلاني بوصفها نصا شعريا حديثا يعتمد على التكثيف اللغوي والصورة الرمزية، ويترك مجالا واسعا للقارئ كي يشارك في إنتاج المعنى. فالقصيدة لا تقدم خطابا مباشرا حول الحرب أو الخوف، بل تبني عالما شعريا تتحول فيه التفاصيل اليومية إلى إشارات رمزية عميقة.
ويبدأ هذا البناء الجمالي من العنوان نفسه: خبر عار عن الكلام. فالخبر في طبيعته اللغوية يقوم على نقل المعلومة عبر الكلمات، غير أن الشاعر يصفه هنا بأنه عار عن الكلام. وهذه المفارقة الدلالية تخلق توترا جماليا منذ اللحظة الأولى للقراءة. إذ يتحول الخبر من مجرد معلومة إلى صدمة صامتة، وهو ما يحقق ما يسميه Hans Robert Jauss كسر أفق التوقع لدى القارئ، حيث ينحرف النص عن المسار الدلالي المألوف ويجبر القارئ على البحث عن المعنى الكامن خلف هذا الصمت.
يتواصل هذا الانزياح في المشهد الشعري الذي يفتتح به الشاعر قصيدته:
“في الصباح
يفتح الشارع قلبه
ويطلق صوته المبحوح”
في هذا المقطع يتحول الشارع إلى كائن حي يمتلك قلبا وصوتا، وهو ما يسميه البلاغيون الاستعارة التشخيصية. فـ”فتح القلب” يدل على الانكشاف، بينما يوحي “الصوت المبحوح” بالتعب أو الألم. ويزداد أثر الصورة عندما تقترن بوقت الصباح، الذي يرتبط عادة في الشعر بالبداية والنور، غير أنه يتحول هنا إلى لحظة انكشاف للألم. وبهذا تتشكل صورة شعرية تجعل المدينة تبدو ككائن حي يتألم، وهو ما ينسجم مع ما ذهب إليه Wolfgang Iser حين أكد أن النص الأدبي يخلق عالما تخيليا يشارك القارئ في بنائه أثناء القراءة.
وتتطور البنية الرمزية للقصيدة في الصورة التالية:
“تسقط أجزاؤه من السماء
كعملة عتيقة”
تحتوي هذه الصورة على تشبيه مركزي يربط بين السقوط والعملة العتيقة. فالعملة القديمة توحي بالقدم والتكرار، كما تشير إلى فقدان القيمة. ومن هنا يمكن فهم الصورة بوصفها إشارة إلى تكرار أخبار الحرب حتى أصبحت مألوفة ومستهلكة مثل عملة قديمة فقدت قيمتها. كما أن تحول الخبر إلى شيء يسقط من السماء يمثل انزياحا دلاليا يبعده عن طبيعته الإعلامية ويجعله عنصرا ماديا يمكن تخيله.
ويستمر الشاعر في بناء هذه الدلالة عبر تفاصيل يومية بسيطة تتحول إلى رموز شعرية كثيفة، كما يظهر في المقطع:
“الخبز
على الطاولة
تتجمد حوافيه”
فالخبز هنا رمز للحياة اليومية، غير أن تجمد حوافيه يوحي بتوقف الزمن أو بصدمة مفاجئة شلت الحركة. كما أن غياب الفاعل في الجملة يخلق فراغا دلاليا يسمح للقارئ بملئه وفق تجربته الخاصة. وهذه التقنية هي ما يسميه Wolfgang Iser الفراغات النصية التي تجعل القراءة عملية تفاعلية.
وتتخذ القصيدة بعدا إنسانيا أكثر عمقا في صورة الطفولة:
“والطفل
الذي كان يصيد العصافير
يتعثر في الزقاق”
العصافير في المخيال الشعري رمز للحرية والبراءة، غير أن الطفل الذي كان يلاحقها أصبح الآن يتعثر. وهذه الصورة تجمع بين البراءة والخطر، إذ توحي بأن الطفولة نفسها أصبحت مهددة. ووفق تصور Stanley Fish فإن معنى هذه الصورة يتشكل تبعا لتجربة القارئ وخلفيته الثقافية، لأن كل قارئ ينتمي إلى جماعة تأويلية مختلفة.
ويتكثف الشعور بالاضطراب في المقطع الذي يعتمد على التكرار:
“ندور
ندور
حول أخبار التلفاز”
فالتكرار هنا ليس مجرد عنصر إيقاعي، بل يعكس حالة من الحركة الدائرية التي توحي باللاجدوى. فالإنسان يدور في حلقة مغلقة من الأخبار المتكررة التي لا تنتهي. ويتعمق هذا المعنى في السطر التالي:
“تتلعثم بأسماء المدن
واحدة
بعد أخرى”
هنا يتخذ الخبر صفة إنسانية؛ فهو يتلعثم، وكأن اللغة نفسها أصبحت عاجزة عن استيعاب حجم الكارثة. وقد أشار عالم اللغة الروسي Roman Jakobson إلى أن الوظيفة الشعرية للغة تقوم أساسا على الانزياح والتركيز على الرسالة نفسها (Jakobson, “Linguistics and Poetics”, in Style in Language, MIT Press, 1960).
وتبلغ القصيدة ذروتها الجمالية في المقطع الأخير:
“وأنا
أجمع ما تبقى من النهار
في جيب شغفي”
هذه صورة شعرية مركبة تجمع بين عدة استعارات. فالنهار يرمز إلى الزمن أو الأمل، بينما يشير “الجيب” إلى الحفظ، ويعبر “الشغف” عن الطاقة الداخلية للإنسان. ويبدو الشاعر هنا وكأنه يحاول إنقاذ ما تبقى من الضوء وسط عالم يزداد ظلاما.
وتتعمق هذه الدلالة في السطر الأخير:
“كأنني أخفي حفنة ضوء
من حروب
لا تنتهي”
تقوم هذه الصورة على مفارقة شعرية واضحة بين الضوء والحرب. فالضوء رمز للأمل والحياة، غير أنه يتحول هنا إلى شيء هش يجب حمايته من العنف. وبهذا تصبح الصورة تعبيرا عن محاولة الإنسان الاحتفاظ ببقايا الأمل في عالم مضطرب.
إن قراءة قصيدة “خبر عار عن الكلام” في ضوء نظرية التلقي تكشف عن نص شعري يقوم على التكثيف والرمزية والانزياح اللغوي. فقد استطاع الشاعر أن يبني عالما شعريا تتحول فيه الأشياء اليومية البسيطة ــ مثل الشارع والخبز والطفل وأخبار التلفاز ــ إلى إشارات رمزية تعكس القلق الإنساني في زمن الحروب.
كما أن القصيدة تفتح مجالا واسعا للتأويل بفضل ما تحتويه من فراغات دلالية وصور مركبة، وهو ما يجعل القارئ شريكا أساسيا في إنتاج المعنى. وهكذا تتحقق الوظيفة الجمالية للنص الشعري بوصفه فضاء تأويليا مفتوحا، تتفاعل فيه اللغة مع تجربة القارئ لتوليد معان جديدة لا تنتهي.
المراجع:
1- Jauss, Hans Robert. Toward an Aesthetic of Reception. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1982.
2- Iser, Wolfgang. The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1978.
3- Fish, Stanley. Is There a Text in This Class? The Authority of Interpretive Communities. Cambridge: Harvard University Press, 1980.
4- Jakobson, Roman. “Linguistics and Poetics.” In Style in Language, edited by Thomas Sebeok. Cambridge: MIT Press, 1960.
5- محمد مفتاح. تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1985.
6- محمد بنيس. ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب. بيروت: دار العودة، 1979.
عبد الفتاح كيليطو. الأدب والغرابة. الدار البيضاء: دار توبقال، 1982.
7- عبد الله إبراهيم. السردية العربية الحديثة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1992.
[1] القصيدة منشورة في صفحة الشاعر على الفيسبووك في يوم 14 آذار 2026 (https://www.facebook.com/abdulkareemgaylany)
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=85649
مقالات قد تهمك













